أفكار وآراء

هندسة العلاقات

بينما كنت أراجع سلسلة المقالات التي أكتبها عن الابتكار وأثره الاقتصادي والمجتمعي، وأتأمل ما كتبته وما قرأته وما قادني إليه التحليل والاستشراف، أخذني الخيال في رحلة إلى المستقبل. لم أكن أبحث عن جامعات تتصدر التصنيفات العالمية ولا عن شركات تتباهى بقيمتها السوقية. ولم أبحث عن القطاع الحكومي وتشريعه ولا عن مجتمع يوصف بأنه الشريك الرابع. كنت أبحث عن شيء واحد: ما سمة المكان الذي نجح لتحويل الابتكار إلى أسلوب حياة؟

وعندما وصلت لتلك المحطة التي أسميتها في خيالي «المستقبل هنا»، لم يلفت انتباهي مبنى أو مؤسسة بعينها، بل ديناميكية المشهد بأكمله. ما شدني حقا الحركة بين المؤسسات وبعضها؛ باحث يغادر مختبره لشركة ناشئة، ومسؤول يناقش فريقا أكاديميا، ورواد أعمال يجلسون مع ممثلي المجتمع المدني على طاولة واحدة. كان الجميع يعملون كأنهم تروس داخل منظومة واحدة، تجمعهم لغة مشتركة لا تحتاج إلى ترجمة ويقودهم هدف واحد يتجاوز حدود مؤسساتهم ليتقاطع مع المؤسسات الاخرى.

أعادني ذلك الحراك المتناغم والمتكامل إلى مشهد الجزر المنعزلة والجسور غير المكتملة، الذي تحدثت عنها سابقا في طرح تناول وادي الموت. كان وقتها السؤال كيف نعبر من ضفة المعرفة إلى ضفة الأثر؟ ولكن اتضح لي أن السؤال أعمق؛ فالجسور لا تظهر تلقائيا، ولا تبنيها المؤسسات بمجرد وجودها، بل يصممها من يحدد مساراتها ويحدد قواعد تدفق المعرفة عبرها.

وقادتني تلك الرحلة المتخيلة لسؤال مختلف: إذا كانت معظم الدول تمتلك مؤسسات أكاديمية والشركات والمؤسسات الحكومية، فلماذا تنجح بعض المنظومات في تحويل تلك الأصول إلى قيمة اقتصادية ومجتمعية، بينما تبقى أخرى تعمل وكأنها جزر متجاورة؟

تكمن الإجابة في أن امتلاك المكونات لا يعني بالضرورة امتلاك المنظومة؛ فالقضية ليست في عدد المؤسسات ولا في حجم الموارد، بل في كيفية عمل كل ذلك سويا. فالعلاقات التي تربط بينها هي التي تحدد ما إذا كانت ستبقى جزرا متجاورة أم ستتحول إلى وحدة متكاملة قادرة على صنع الأثر.

فالمنظومة لا تبنى بتجميع المؤسسات، بل بتصميم «العلاقات» التي تجعلها تتقاسم الأدوار لتتجه نحو هدف مشترك، وهذه «العلاقات» هي البنية التحتية غير المرئية للابتكار؛ فهي تحدد سرعة انتقال المعرفة وسلاسة حركة الباحثين ورواد الأعمال. كما أن «العلاقات» هي الممكن الذي يعزز قدرة الأفكار على الوصول للمستثمرين ويدعم تحول الثقة من قيمة اجتماعية إلى أصل اقتصادي.

وأثناء تجوالي في أروقة المستقبل، أدركت أن الابتكار ينبض في المساحات التي تتكامل فيها الأدوار وتتجلى فيها واحدة من أهم المهارات التي طالما وصفت بأنها إحدى مهارات القرن الحادي والعشرين، وقد أصبحت واقعا يوميا لا شعارا نظريا: إنها التعاون.

ومن النماذج الناجحة التي سلطت عليها الأدبيات الضوء، منظومة الابتكار بجامعة Aalto بفنلندا، أحد أوضح الأمثلة على هذه الفلسفة. إذ لم تكتف الجامعة بدورها التقليدي في التعليم والتعلم وإنتاج المعرفة، بل أصبحت منسقا وممكنا لمنظومة يتكامل فيها دور الجامعة كمنتج للمعرفة ودور القطاع الحكومي لتوفير الأطر التنظيمية والحوافز ودور القطاع الخاص الاستثماري والإرشادي ودور المجتمع كشريك في توجيه الحلول واختبارها من خلال المختبرات الحية (Living Labs).

ومن هذه البيئة نشأت مبادرات يقودها الطلاب والباحثون المعروفة بـ Startup Sauna التي تحتضن الشركات الناشئة في مراحلها الأولى، ثم المبادرة التي تفتح أبواب التمويل والتوسع العالمي. كلتا المبادرتان تمثلان محطتين متكاملتين في رحلة واحدة عبر جسر واحد يبدأ بفكرة وينتهي بمنتج يصل السوق. ولم يكن هذا النجاح نتيجة مؤسسة واحدة بل منظومة جعلت نجاح كل شريك مرتبطا بنجاح الآخرين. وتشير الإحصاءات إلى أن كل ذلك أسهم في وصول القيمة السوقية لشركات خريجي وباحثي جامعة Aalto يتجاوز ثلاثين مليار يورو. وهو دليل على الأثر الحقيقي لمنظومة الابتكار يكمن في جودة العلاقات، لا في قوة مؤسسة منفردة.

وتقودنا هذه التجربة، وتجارب أخرى استعرضناها في طرح سابق، إلى سؤال طبيعي؛ كيف تصمم تلك العلاقات؟ لا أعتقد أن هناك وصفة واحدة. لكن التجارب الناجحة تكشف عن مرتكزات مشتركة تتسم بالتكامل، ألا وهي حوكمة توضح الأدوار والمسؤوليات، وحوافز تعزز التعاون وثقة تشجع تقاسم المخاطر والعوائد، قنوات مفتوحة لتدفق المعرفة والخبرات.

كذلك، من أهم ما تؤكده تلك التجارب أن الابتكار لا يحتاج دائما لمؤسسات جديدة أو إنفاق أعلى، بقدر ما يحتاج إلى تصميم أفضل للعلاقات بين ما هو قائم من مؤسسات ومبادرات. فالقيمة تتولد عندما تصبح حدود المؤسسات أكثر انفتاحا لتنتقل المعرفة ورأس المال والمواهب واحتياجات المجتمع بسلاسة بينها. عندها فقط تتحول المؤسسات من جزر متجاورة إلى منظومة واحدة. ويتحول الابتكار من مشاريع متفرقة إلى قدرة وطنية مستدامة.

وحين عدت من رحلتي في آفاق خيالي وأفكاري، أدركت أنني لم أكن أبحث عن مدينة في المستقبل، بقدر ما كنت أبحث عن طريقة مثلى لبناء المستقبل، فالمستقبل لا تصنعه المباني ولا المختبرات ولا الشركات كل على حدة؛ إنما تصنعه العلاقات التي تربط بينها. فلا ينبغي أن نحصي للجامعات أو التصنيفات أو الأبحاث أو البراءات أو الشركات عددا، بل من الضرورة أن نلتفت إلى العلاقات التي تتيح تكامل الأدوار. فمن أحسنوا هندسة تلك العلاقات لم يعد الابتكار يمثل لهم مشروعا أو مبادرة أو مسابقة بل غدا ثقافة وأسلوب حياة يرى أثره مجتمعيا واقتصاديا.