نحو قطاع ثقافي أخضر
الأربعاء / 21 / صفر / 1448 هـ - 20:28 - الأربعاء 5 أغسطس 2026 20:28
كشفت الإحصائيات المنشورة في تقرير سياسات الإبداع الصادرة مؤخرا عن منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة «اليونسكو» لعام 2026 عن الدور المحوري للثقافة، ومساهمتها في الناتج الاقتصادي، وتعزيز السياحة الثقافية، والتسويق المحلي لكثير من الدول، وتعكس هذه النتيجة مدى إدراك الدول لأهمية الثقافة، ودورها في التنمية المستدامة، من خلال إدماجها في الخطط والاستراتيجيات الوطنية، حيث إن (93%) من الدول أدرجت الثقافة في خططها الوطنية خلال الفترة (2021-2024م). ولكن النتيجة الصادمة التي كشفها التقرير هي: ضعف دمج الاستدامة البيئية في السياسات الثقافية؛ فقد انخفضت مساهمة قطاع الثقافة في الاستدامة البيئية من (17%) إلى (11%)، ولا توجد قاعدة بيانات عالمية توضح الأثر البيئي لهذا القطاع الحيوي، وأن قياس البصمة الكربونية لقطاع الصناعات الثقافية والإبداعية قليل جدًا، وعدد قليل أيضًا من خطط التنمية تربط الثقافة بالتغيرات المناخية، وهذا يعني وجود ثُلة محدودة من الدول التي تربط بين الثقافة ودورها في خفض انبعاثات الكربون، والتكيّف مع التغيرات المناخية .
ولمّا كانت الصناعات الثقافية والإبداعية جزءا من السياسات الثقافية، فإن دعم الإنتاج الثقافي المنبثق من هذه الصناعات يعد ضرورة ملحة، أي العمل بالموجهّات التي تضمن إيجاد بيئة تُسهم في التنمية الاقتصادية، وزيادة النسيج الاجتماعي، وتراعي أيضًا في الوقت ذاته الجوانب البيئية.
والمتمعن في الأمر سيجد أن الصناعات الثقافية والإبداعية تؤثر في البيئة من جانبين متناقضين، الجانب الأول: وهو جانب مشرق بطبيعة الحال؛ إذ تسهم في مضاعفة مساهمة الصناعات الثقافية والإبداعية في اقتصاديات الدول، ومن مؤشراتها تحقيقها لأهداف التنمية المستدامة. فالمهرجانات على سبيل المثال صناعة ثقافية، تنفذها الدول بُغية تحقيق أهداف منها: إيجاد فرص عمل، وتعزيز السياحة الداخلية، وإثراء التنوع الثقافي، وتعزيز العلاقات الاجتماعية.
أما الجانب الثاني: فيمكن اعتبار الصناعات الثقافية والإبداعية أداة تدميرية؛ إذ تسبب خللا في التوازن البيئي من خلال كمية النفايات لا سيما البلاستيكية منها التي قد تحدثها، وهدرًا في معدلات استهلاك الطاقة المستخدمة في أنظمة الصوت والإضاءة، ناهيك عن ارتفاع في معدلات التلوث الضوضائي خاصة إذا ما نُفذت المهرجانات في مناطق مأهولة بالسكان، والمخلفات الناتجة من الحفلات الموسيقية أو المسرحيات مثل الملابس التي يتم صُنعها للاستخدام الواحد، وغيرها من الأنشطة التي تتزامن مع هذه الصناعة الثقافية والتي تُضاعف من معدلات البصمة البيئية، وهذا ما أكدته إحصائيات التقرير بأن نسبة ما يُسهم به قطاع الصناعات الثقافية والإبداعية من انبعاثات الكربون بلغت قرابة (1.028 مليون طن) في عام 2022، فمهرجان غلاستونبري الذي يقام بإنجلترا بالمملكة المتحدة مثلًا، يمثل أكبر المهرجانات الثقافية في العالم، بما يشهده من فنون أدائية ومسرحية وموسيقية يسهم في زيادة النفايات؛ نظرًا لوجود أعداد كبيرة من الأفراد يتجاوز العدد (10.000) مشارك، يجتمعون في مكان واحد خلال (5) أيام، ويستهلك بنية تحتية واسعة النطاق، وقد أسهم ذلك في زيادة عدد المخلفات من العلب المعدنية والكراسي وغيرها من المواد الاستهلاكية الأخرى، وقد ضاعف المهرجان أيضًا من معدلات استهلاك الطاقة.
ولذا كان لزاما البحث عن حل جذري للحد من التأثير السلبي للصناعات الثقافية والإبداعية على البيئة؛ لما له من تداعيات خطيرة على مستوى التقدم المُحقق في مؤشرات الاستدامة الثقافية والأداء البيئي، ومن جملة الحلول الممكنة في هذا الشأن تأتي الثقافة كأداة للتغيير السلوكي والوعي البيئي، فتوعية المجتمعات بدمج الجوانب البيئية في الصناعات الثقافية والإبداعية بلا شك تمثل نقطة محورية في تعزيز الاستدامة الثقافية والحفاظ على الموارد البيئية، وتساعد بطبيعة الحال على تبنِّي سياسات وممارسات صديقة للبيئة، وبالتالي تحقيق توازن بين الأهداف البيئية والاقتصادية والاجتماعية للتنمية المستدامة.
إن الوسائل المتبعة في تعزيز الوعي الثقافي لأجل إحداث تغيير في السلوك كثيرة ومتنوعة، ويُعد التعليم الثقافي البيئي الرسمي وغير الرسمي، أهمها وأكثرها تأثيرًا؛ إذ يمثل أحد توجهات اليونسكو، فقد رسمت له إطارًا خاصًا تحت مسمى «إطار اليونسكو لتعليم الثقافة والفن»، والذي تم اعتماده خلال مؤتمر اليونسكو العالمي لتعليم الثقافة والفن الذي عُقد في مدينة أبوظبي عام 2024م؛ إذ يهدف إلى نشر المعرفة وتعزيز المهارات المستدامة المرتبطة بالصناعات الثقافية والإبداعية، وتضمينها في السياسات التعليمية والاستراتيجيات والمناهج الدراسية، ويأتي دور الإعلام بأشكاله المختلفة وسيلة أخرى لإحداث نقلة نوعية في صناعة الفكر والثقافة لا سيما في الوقت الذي أصبحت فيه التهديدات البيئية تشكل ناقوس خطر يهدد ملايين البشر، وأضف إلى ذلك تأثير وسائل أخرى، مثل: الدراسات والأبحاث العلمية، والقوانين الثقافية والبيئية وغيرها.
وجملة الوسائل التي تسهم في تغيير السلوك سابقة الذكر من شأنها أن تظهر قطاع الصناعات الثقافية والإبداعية بشكل مغاير تنقله من النظام الخطي إلى النظام الدائري، وهذا ما يسمى «بالخضرنة». وتخضير قطاع الصناعات الثقافية والإبداعية يعني ذلك مواءمة الفنون والمسرح والسينما والتصميم لتعمل بطرائق تحمي البيئة بشكل مستدام؛ إذ يُمكّن القصص، والأفلام الوثائقية، والشعر، وصنوف الأدب الأخرى من العمل تعزيز الوعي بالاستدامة البيئية؛ من خلال ما تحمله من رسائل ثقافية توعوية في مضمونها، كما لا يمكن التغافل أيضًا عن دور المكتبات كنشاط ثقافي في نشر التوعية البيئية، كما أن استخدام التكنولوجيا قد أدى إلى استبدال بعض الأنشطة الثقافية المسببة في زيادة انبعاث الكربون إلى أخرى صديقة للبيئة، مثل الجولات الافتراضية للمدن، والعروض المسرحية الافتراضية.
وأخيرا تتطلب الرؤية المستقبلية لقطاع الصناعات الثقافية والإبداعية إلى التحول الأخضر وذلك باتباع الإجراءات العملية، منها: الحوكمة البيئية، ووضع خطط ممنهجة للتقليل من التلوث الناتج من سفر الفنانين، واستخدام الطاقة النظيفة مثل استخدام مصابيح ( LED ) في المسارح والمهرجانات وغيرها، والطاقة الشمسية لإنتاج الكهرباء، وتوظيف التعليم الثقافي والفني في تعزيز الوعي بأخطار التغيرات المناخية، وبعض الحملات التوعوية لتشجيع التخلص المسؤول من النفايات؛ من أجل تقليل الأثر البيئي لهذا القطاع الحيوي، خصوصًا بعد الإحصائيات التي تشير إلى ارتفاع البصمة الكربونية للمهرجانات والفعاليات الثقافية.
ورغم أهمية هذه الرؤية فإنها تحتاج إلى معالجة بعض التحديات العملية، مثل ضمان التزام جميع الجهات الفاعلة في القطاع بتطبيق الحوكمة البيئية، وتوفير بنية تحتية ملائمة للطاقة النظيفة، وتكثيف البرامج التوعوية لتغيير السلوك المجتمعي المرتبط بالنفايات والتلوث، كما أن الاعتماد على التعليم والثقافة كوسيلة للتغيير يتطلب استدامة في الجهود وتكامل السياسات بين القطاعين الثقافي والبيئي لضمان تحقيق النتائج المرجوة من جانب آخر، يجب أن تتبنى الرؤية المستقبلية آليات لقياس الأثر البيئي بشكل دوري، وتطوير قاعدة بيانات شاملة تتيح مراقبة التقدم وتقييم السياسات، فاستدامة التحول الأخضر لن تتحقق إلا عبر مشاركة المجتمع والتشريعات الملزمة والتقنيات الحديثة، وهو ما يتطلب تعاونًا وثيقًا بين المؤسسات الحكومية والخاصة والمنظمات الدولية.
في الختام، تشكل هذه المقترحات خطوة أولية نحو تحقيق الاستدامة البيئية في قطاع الصناعات الثقافية، إلا أن نجاحها يرتبط بمدى فاعلية التنفيذ وقياس النتائج، والتكامل بين الجوانب الاقتصادية والاجتماعية والبيئية لتحقيق التنمية المستدامة الشاملة، هذا ما نتمناه فعلاً أن يحدث في القريب العاجل.
د. هدى بنت مبارك الدايري كاتبة وباحثة عُمانية