أعمدة

الجوائز التي لا يخفت جدلها

في نوفمبر 1895 وقع رجل الأعمال والمخترع السويدي ألفريد نوبل وصيته الأخيرة. الرجل الذي اقترن اسمه بالديناميت والتفجيرات والموت، قرر أن يترك 94% من ثروته لجوائز تكافئ ما يقدمه البشر لحيواتهم.

يعرف الجميع اليوم عقدة الذنب التي جعلته يختار السلام موضوعاً للجائزة الأشهر بعد أن وجد اختراعه الذي أراد به تسهيل أعمال البناء وشق الطرق يتحول لصناعة الموت، وأضاف إلى ذلك الطب لهوسه بالصحة وبسبب الأمراض التي عاش يعاني منها، والفيزياء والكيمياء لقناعته أن تقدم البشرية مرتبط بالعلوم والاكتشافات.

أما الأدب، فحسب ما كتب في وصيته فانه يوصي بمنح الجائزة لـ»العمل الأبرز في اتجاه مثالي». كان نوبل رغم مجال عمله التجاري الذي لا يرحم، واختراعه القاتل شاعراً محبطاً جرّب في شبابه كتابة الشعر دون نجاح يذكر. بعد عام، عند إعلان الوصية، بدأت معركة قانونية من عائلته التي رفضت هذه الترتيبات.

واحتاج الأمر لوقت قبل أن تتصالح العائلة مع الوصية، ويتقبلها ملك السويد الذي رفضها في البداية لأنها جوائز «غير وطنية» لم يوص نوبل بأن تمنح للسويديين فقط! بحلول عام 1900 وقبل ستة أشهر من بداية القرن العشرين (احتفل العالم ببداية القرن العشرين عام 1901، ليس كما حدث مع القرن الحادي وعشرين الذي احتُفل به قبل عام من بدايته)، اعتمدت وصية نوبل، وتكونت المؤسسة التي ستدير الجوائز.

الجائزة التي ولدت في عين العاصفة، ورفضها الملك والورثة في البداية ظلت ابنة الانتقادات. وهوجمت، خاصة في مجالي السلام والأدب، بضراوة. رفضها -في الأدب- عدد من الكتّاب وهاجمها جماعة. دعا بيتر هاندكه لإلغائها لأنها تضفي على الأدب قداسة زائفة. لكنه عاد وحصل عليها عام 2019. ورفضها جان بول سارتر عام 1964 لأنه اعتبر أن الكاتب يفقد شيئاً من حريته حين يرتبط اسمه بمؤسسة.

وهي مواقف تحظى باحترام كبير في الأوساط الثقافية وتجد التقدير والاحتفاء. لكن رغم شهرة المواقف الرافضة مضى العالم في طريق آخر. فمنذ 1901 منحت الأكاديمية السويدية الجائزة لأكثر من مائة وعشرين كاتباً وكاتبة. ورغم دوي المواقف الرافضة لأسباب مختلفة لم ينصرف الناس عنها، كتاباً ومهتمين.

ومثلما رفضتها أسماء مهمة في الفكر والأدب قبلتها أسماء لا تقل عنها قيمة. مثل ويليام فوكنر الذي رأى فيها أمانة ومسؤولية لخدمة البشرية والروح الإنسانية. واعتبرها ألبير كامو أكبر بكثير من قيمته كإنسان. لكن الجدل حول الجائزة يتكرر كل عام، ولا يتوقف السؤال عن جدواها وأضرارها. ولا يتناقص المعسكران المختلفان رغم مرور 125 سنة على إطلاقها. مثلها مثل كل جوائز الأدب في عالمنا العربي. التي نكرر الحديث عنها عاماً بعد عام محاولين الإجابة على سؤال جدواها من عدمه. لكن الجدل لم يمنع استمرارها ولا هدد مكانتها. كما لم يمنع الإقبال عليها من إعادة فتح الجدل.

وتظهر هنا المفارقة عن كيف استقر رفض الجوائز في الوعي العام كفعل تمرد مقاوم يجد الاحتفاء، وفي الوقت ذاته تستمر قيمتها وسطوتها المعنوية والاحتفاء بالفائزين بها؟ وخلت أسماء معدودة يقال عادة إنها أضافت للجوائز حين فازت بها، مثلما قيل عن فوز غابرييل غارسيا ماركيز، فإن الأغلبية العظمى، ممن عرفوا لما بعد ضجة الجوائز، يرجع فضل معرفة القراء بهم للدعاية التي تصاحب الجوائز.

بغض النظر عن حجج الطرفين المختلفين فإنهما يتفقان على أن الجوائز لا تصنع أدباً جيداً بالضرورة. لكن بعض الرافضين يعتبرونها «قيداً ذهبياً» ينمط الكتابة ويخضع الكاتب.

بينما يرى بعض من لا يدينونها أن الأحكام المطلقة قد تكون غير دقيقة. وأن الحالات تختلف باختلاف الجائزة والسياق والفائز. ومثل نوبل الأدب هناك دائماً فرصة للمواءمة التي حققها برنارد شو عندما قبل الجائزة المعنوية كما أرادت زوجته، ورفض الجائزة المادية، كما أراد أن يفعل بكل الجائزة.

كما أن هناك فرصة لاتخاذ موقف متشدد لإرسال رسالة كما فعل سارتر الذي كان من أسباب رفضه، غير عدم قبوله لتكريم الكاتب من مؤسسة رسمية، اتهام لجنة نوبل بالانحياز في الحرب الباردة. وهي رسالة أقرب لما وجهه السياسي الفيتنامي لو دوك ثو عام 1973 عندما رفض جائزة نوبل للسلام التي حصل عليها مناصفة مع هينري كيسنجر وقال كلمته الشهيرة: لم يعد السلام إلى فيتنام بعد.

ربما يظهر استقراء المواقف التاريخية أن الرفض، مثل القبول، ليس فعلاً مصمتاً. إنما هو أداة تعبير واعية يوظفها المثقف حسبما يرى السياق. ويظل الناس مختلفين ما بقوا في تقدير الرؤى.

لكن بعيداً عن الرسائل السياسية يظل السياق المهم، وهو ما لا يكاد يكون عليه خلاف، هو قدرة الجوائز على التأثير، وأهمية أسماء في كل العالم سلطت الجوائز عليهم الضوء وشهرت أعمالهم ووسعت من قاعدة قرائهم.

هل تقدم الجوائز فقط ما هو جيد وعظيم؟ لعل هناك إجماعا على أن الإجابة هي لا. لكن لا يكاد يختلف الناس على أن أسماء كبيرة ومهمة حول العالم قدمتها الجوائز للقراء، لقدرة الجوائز على الدعاية ولفت الانتباه. ومع وجاهة مخاوف الرافضين الذين يخشون تدجين الكتاب يظل الخيار بيد الكاتب لا الجهة المانحة ورغباتها سواء وجدت أو كانت مظنونة.

لذلك مع استمرار الاختلاف تظل الجوائز تؤدي دور «مكبر الصوت»، الذي يلفت النظر إلى عمل ما. وككل منتج بشري يختلف الناس على ما لُفت إليه النظر. لكن يظل المرء مديناً لجوائز الأدب أنها عرفته بأسماء مهمة حول العالم ربما ما كان ليسمع عنها لولا صدفة حصولها على جائزة ما.