العرب والعالم

نازحو "المواصي" بين الموت والعطش

خيام لا ترد الرصاص

 

غزة- «عُمان»- بهاء طباسي:على مقربة من الشريط الساحلي لمدينة خانيونس جنوبي قطاع غزة، حيث يمتد الأفق المحترق ليعانق زرقة البحر المتوسط، تترامى خيام النازحين في عمق منطقة «المواصي» كأكفانٍ بيضاء هشّة تتراصف فوق الرمال العطشى.

لم تعد هذه الشوادر المتهالكة تملك من أمر حمايتهم شيئًا؛ إذ استحالت الخيمة من ملاذٍ مفترض للفرار من الموت إلى هدفٍ مستباح تنهشه نيران القصف والرصاص اليومي، لتصبح المنطقة ساحة اصطياد مفتوحة للأجساد الغضة التي تبحث عن أمانٍ معدوم.


يتضاعف الجحيم في مخيمي «البرج» و«اليمامة»، حيث تحول مجرد الوقوف داخل الخيمة أو السير بين أزقتها الضيقة إلى مخاطرة حقيقية بالحياة. وبينما تتوقف مظاهر الحياة الأساسية جراء انقطاع سُبل الوصول وتوقف شاحنات المياه وباعة الخضار عن دخول المنطقة بسبب خطورة الطريق والاستهداف المباشر من جيش للاحتلال لتلك المنطقة، يجد النازح نفسه معلقًا في فراغٍ قاتل بين كابوس الرصاص الذي يلاحقه في أدق تفاصيل نزوحه، وحلم العودة الذي يزداد بعدًا مع كل قطرة دم تُسفاك فوق الرمل.


-الانبطاح سبيلًا للنجاة-
تتحول رمال مواصي خانيونس طوال ساعات النهار إلى مسرح لطقسٍ يومي من الذهول والرعب. منذ ساعات الصباح الأولى وحتى الرابعة والنصف عصرًا، تنعدم الحركة تمامًا داخل مخيم «البرج»، حيث تضطر مئات العائلات والأطفال للالتصاق بالتراب الساخن، مفترشين الأرض وراء الشوادر المهترئة للاحتماء برمل الأرض من رصاص السماء الذي لا يتوقف أزيزه طوال اليوم.


شاهد عيان وأحد النازحين القاطنين في مخيم البرج، زياد عيسى، يصف هذا الواقع المأساوي الذي يتشاركه مع أكثر من خمسمائة عائلة تعيش في المخيمات: «نحن نعاني من الرصاص الطائش يوميًا؛ من الصباح وحتى الساعة الرابعة والنصف عصرًا نصل نهارنا بالانبطاح على الأرض لننجو بأرواحنا».


ويعلل ذلك بـ: «الشوادر والأقمشة التي نستر بها أنفسنا رقيقة للغاية، فالرصاصة الواحدة تخترق أربع أو خمس خيام متلاصقة دفعة واحدة. قبل أيام، أصيبت ابنتي بطلقة طائشة وهي داخل الخيمة، وبفضل الله كانت إصابتها طفيفة، لكن غيرها أصيبوا بأكثر من طلقة».


تزداد قسوة المشهد حين يُصاب أحد المواطنين؛ ففي ظل غياب تام لسيارات الإسعاف وعدم وجود أي نقطة طبية بالمنطقة، يهرول الرجال حاملين المصابين والأطفال الذين سكن الرصاص أجسادهم قبل أن تسكن الطمأنينة قلوبهم، ركضًا فوق الرمال الساخنة في رحلة شاقة للبحث عن منقذ.


ويؤكد زياد لـ«عُمان» أن المنطقة القريبة منه فقط شهدت إصابة نحو 15 شخصًا، وسط مناشدات مستمرة للجهات الرسمية والطبية للتدخل وتوفير نقطة إسعاف أولي تنهي هذه المعاناة الممتدة لست أو سبع ساعات يوميًا.


-أكتاف غضة تئن-
خارج حدود الرصاص اليومي، تتبدى أزمة أخرى لا تقل قسوة على حياة النازحين، حيث أدى انقطاع الإمدادات إلى تحويل الوصول إلى قطرة ماء إلى رحلة كفاح مضنية تحمل أعباءها أجساد الأطفال الصغار.


الطفل علي عُمر، البالغ من العمر 11 عامًا، يُمثّل نموذجًا حيًا لهذه المعاناة اليومية؛ إذ يقطع مسافة تمتد لأكثر من كيلومترين ونصف الكيلومتر سيرًا على الأقدام للوصول إلى «بئر زنّون»، وهو المصدر الوحيد المتاح لعائلته المكونة من عشرة أفراد. يكرر «علي» هذه الرحلة الشاقة ما بين أربع إلى ست مرات يوميًا ليجلب غالونات محمولة على كتفيه الصغيرين تحتوي على كميات قليلة من المياه المالحة، وهي كمية سرعان ما تنفد ولا تكاد تسد الاحتياجات الأساسية.


وتعكس قصة علي أزمة مستمرة تضرب المخيمات منذ أكثر من عام وثلاثة أشهر، في ظل انتظار العائلات لمد خطوط مياه مباشرة تخفف عن أبنائهم هذه المشقة اليومية.
-أزمة مياه تتفاقم -
الأزمة هنا لم تعد تقتصر على شح الإمدادات، بل تجاوزتها لتضرب المقومات الأساسية للكرامة الإنسانية والصحة العامة. فالجفاف وتلوث المياه يهددان بتفشي الأوبئة بين آلاف النازحين الذين يتكدسون في مساحات ضيقة، دون حد أدنى من وسائل النظافة.


ويرى معين الشيخ، أحد مسؤولي مخيمات النازحين في المنطقة، أن كل ساعة تمر دون تدخل تجر معها كارثة إنسانية مركبة. ويؤكد أن الرسائل والمناشدات التي أُرسلت للجهات الدولية والمحلية لم تثمر حتى الآن عن أي خطوة ملموسة على أرض الواقع.


ويضيف شيخ العيد أن أزمة المياه الراهنة ليست وليدة المصادفة، بل هي نتاج منع الاحتلال لدخول الوقود والمولدات وقطع الغيار اللازمة لتشغيل الآبار ومحطات التحلية. ومع تزامن هذا الحصار الخانق مع شح المساعدات الغذائية، يجد النازحون أنفسهم أمام معادلة قاسية تهدف إلى دفن أملهم في الحياة.


ورغم كل هذا الهوان، وتشتت أجساد الأطفال بين رمل المواصي ورصاص السماء، يختم شيخ العيد كلماته بلهجة يختلط فيها الألم بالتحدي: «يتكالب الجوع والعطش والرصاص، لكن الناس هنا متمسكون بوجودهم على هذه الأرض، والظروف القاسية مهما بلغت شدتها لن تدفع أحدًا لمغادرة غزة».