هل اختفى المستقبل؟
الثلاثاء / 20 / صفر / 1448 هـ - 18:35 - الثلاثاء 4 أغسطس 2026 18:35
يمكننا بسهولة ملاحظة ما نتحدث عنه في مجالسنا الخاصة، ربما ما أعنيه هنا ما هو أكثر من الملاحظة، إذ يتبع ذلك القدرة على التصنيف، والقدرة على فهم الأيدلوجيا وان كانت معقدة ومركبة. نتحدث في المجمل عن الحرب الحالية، التوافقات مع السلطة وداخل بنيتها هي نفسها. نتحدث عن الظلم والقهر وأن هنالك من لا يمتلكون ثمن شراء عبوة ماء صغيرة في الوقت الذي نبذر فيه، ثم نحاول أن نفهم الطبقات الاجتماعية وكيف تقوض أو تدفع نحو عيش توقعات معينة من نفسها والعالم. وحتى في ذلك يبدو بأننا نُخفق في التشخيص، هنالك عنف هائل يدفعنا للتفكير حتى في أكثر المسائل جذرية، بطريقة مُستهلكة، مثل «ماكينة» تُشيء وتسلع كل شيء دون توقف». فلا يعود الأمر أكثر من الظن بأننا نلعب، منفلتين من يد السلطة أي سلطة كانت، نلعب على اعتبار أن التصميم والإرادة الموجهة لحركة بعينها، العمودية خصوصًا، قد أنتجت لنا حربًا عالمية وقوميات متشددة، عمومًا الطبقة المتوسطة هي ذاتها: البرجوازية الصغيرة، الكاتب العُماني عبدالله حبيب أشار لهذا في إحدى كتاباته، إذ تم تحييد اللغة، ونزع تسييس الكلمة، باعتبار أنها امتداد لتنظير مجرد بعينه، تاريخ بعينه مع كل الحمولات والسياقات الثقافية.
لا يبدو إذن أننا ننجح في النظر إلى هذا الواقع مع إدراك بأننا نفهم أي شيء فيه، لكن من نحن؟ هل يمكن أن نسمى «النخبة» ؟ هل نكون التمثيل النموذجي داخل «الطبقة المتوسطة» الحالية؟ هل يمكن أن نكون المتعلمين؟ المثقفين... أي شيء من هذا؟ لا أدري، ربما هنالك حد فاصل واضح بين من يشتبكون مع كل هذه الأسئلة باعتبار ذلك أخلاقيًا، أو الإيمان بأن الخلاص لابد وأن يكون جماعيًا وهكذا، وهنالك مجموعة أخرى لا تخجل من قول «أنا لا أتدخل في السياسة، ولا أعرف شيئًا عن هذا» «إنني لا أرى موقعي في هذا» «مالنا ومال السياسة» إلى آخره من التنويعات على أن السياسة منطقة معزولة ومعلقة، وعلينا أن نعترف أن ما يعنيه ذلك هو امتيازات يمتلكها هؤلاء الأشخاص تجعلهم في غير حاجة لمواجهة ما يحدث، فما الذي يعنيه أن يُباد الفلسطينيون على الهواء مباشرة؟ لابد وأن هنالك صراعًا خفيًا وسرديات مختلفة حول الأمر، لماذا يفعل الفلسطينيون هكذا بأنفسهم؟ ثم آه، لا علاقة لي بالسياسة ولا أفهم فيها.
لستُ هنا بصدد الدفاع عن أن الشخصي سياسي، أريد فقط أن أفكر بصوت عالٍ عن ما يدور داخل مجالس المجموعة الأولى من بين المجموعتين أعلاه. إنها مليئة بالإحساس بالمرارة، والهزيمة، خصوصًا في جيل الثمانينيات والتسعينيات، حلمنا ذات يوم بتطرف «فاشتعل» العالم العربي ربيعًا، ثم ما الذي حدث بعد ذلك؟ فصل خريف لا يبدو بأنه سينتهي، وحنين لأنظمة مستبدة وإجرامية لكنها بالمقارنة مع ما يحدث الآن، أكثر قدرة على إدارة الأمور وتسيير حياة الناس وإن كان ذلك لفئة قليلة من الناس طبعًا.
نضطر أحيانًا للنظر إلى الماضي، متوسلين بذلك فهم ما يحدث الآن. هل كان الإنسان على مرور التاريخ عنيفًا؟ ما الذي حدث في جيناتنا في مرحلة ما لنكون ما نحن عليه الآن؟ هل نحن فاقدون للإرادة؟ هل قال الدين الفلاني شيئًا حول هذا قبل قرنين وها نحن نمثله فحسب؟ وأتساءل بعد هذا، أين هو موقع المستقبل في هذا كله؟ هل نستطيع على الأقل أن نتطلع لشيء لا نكون فيه متلقين سلبيين عاجزين عن فعل أي شيء؟ ربما حتى الدفاع عن المعاني الطيبة في الحياة التي لطالما آمنا بها ولم نر أنفسنا إلا في طريقها. سوزان سونتاغ كتبت في يومياتها التي أعتبرها من أجمل ما قرأت عن أن أي خيار أخلاقي وجمالي اليوم يتطلب سلوكًا راديكاليًا، هل توقعت سونتاغ أن كل يوم آخر جديد، هو ترسيخ وتكريس لهذه الفكرة؟ تكتب حنة ارندت بدورها في كتابها المهم «العنف» عن رؤيتنا للمستقبل كشباب. وإن كانت الكتابة عن جيل الأربعينيات الخمسينيات الستينيات «ولنتخيل سخرية ذلك» أنه لمن الطبيعي أن تختبر الأجيال الجديدة الوعي بأن الكارثة الكونية وشيكة. كانت هنالك تجارب «حاسمة» عاشها هؤلاء، تقتبس أردنت «إن ما نعتبره مشاكل في واقعنا الراهن إنما يتكون من لحم الشباب ودمهم» هنالك أسئلة بسيطة ترى أرندت أنه من الصعب طرحها على الجيل الجديد منها: كيف تريد أن يكون العالم بعد خمسين سنة، وكيف تريد أن تكون حياتك بعد خمس سنوات؟ تكتب ارندت: «سيكون أي جواب يطالعك مسبوقًا بعبارة «شرط أن يظل العالم قائمًا، وأن أظل أنا على قيد الحياة». أو كما يقول جورج والد: «إن ما نواجهه اليوم إنما هو جيل لم يعد بأي حال من الأحوال واثقًا من مجيء المستقبل»، وذلك لأن المستقبل، كما يقول ستيفن سبندر: «بات أشبه بقنبلة موقوتة دُفنت، لكنها تطلق دقاتها في اللحظة الراهنة». وعلى السؤال المطروح غالبًا حول هوية أبناء الجيل الجديد، من المغري للمرء أن يجيب: «إنهم أولئك الذين يسمعون دقات الساعة». أما السؤال الآخر القائل: ومن هم أولئك الذين ينكرون هذا كله؟ قد يكون الجواب: «إنهم أولئك الذين لا يعرفون، بل يرفضون أن يجابهوا الأمور كما هي في حقيقتها»، ربما حان الوقت لكي ننتبه، أن السلطة التي تعذبنا اليوم وتقتلنا، وتُفقرنا في سبيل بقائها، ورفاهيتها، هي نفسها من انتزع منا القدرة على النظر للمستقبل والتطلع إليه، وأن تشخيص الواقع اليوم، هو لحظة في ذلك المستقبل، إلا أن عليها أن تتحرر منها للحظة التالية، بوعي من يريد استعادة ملكية المستقبل، الذي تزدهر فيه أحلامنا بالعدالة والجمال. وأن قدرتنا على إدراك ذلك يعني بالضرورة معركة سنخوضها مع توقعنا بأننا عاجزون. ربما نحن بحاجة للتخييل والإيمان بأن هنالك مستقبلا ما، قبل أي شيء آخر. ربما يكفي هذا في لحظة تاريخية كهذه. هنالك من يقاتلون حقًا للنظر في مسألة التغير المناخي مثلًا، ما الذي سيحدث للبشر بعد خمسين عامًا؟ أظن أن هؤلاء هم من بين أولئك الراديكاليين الذين نفتقدهم ونخسرهم كل يوم.
أمل السعيدي كاتبة وقاصة عُمانية