عمان اليوم

حارة "السيباني" ببركة الموز .. تحفة معمارية فريدة تجسد مع فلج الخطمين عبقرية الإنسان العُماني

دراسة متكاملة لتحويلها إلى وجهة ثقافية تدعم السياحة

 

كتب ـ يوسف بن سالم الحبسي

'تصوير: محمد بن ناصر العوفي'

تعد حارة 'السيباني' الواقعة في بركة الموز بولاية نزوى إحدى أهم الحارات العمانية القديمة؛ إذ تقف شاهدة على براعة الإنسان العُماني في التكيف مع الطبيعة وإدارة الموارد المائية المحدودة عبر فلج الخطمين'، وتوصف بأنها مدينة متكاملة الأركان تضم المدارس والمساجد والأنشطة الاقتصادية، وبرجا يحفظ أمنها ويرصد الداخل إليها والخارج منها.
وتتجه الأنظار اليوم إلى عزم أبناء بركة الموز لإعادة إحياء الحارة وتحويلها إلى وجهة سياحية وثقافية مستدامة تعيد الحياة لأزقتها ومبانيها الأثرية.


حصن أثري
وقال سليمان بن خميس بن منصور الدغيشي: إن الحديث عن حارة السيباني ذو شجون ويفتح أبوابًا واسعة من الذاكرة والتاريخ؛ فالحارة تمثل واحدة من أجمل الحارات العمانية، ويعدّ طابعها المعماري الفريد شاهدا على براعة الإنسان العماني وعبقريته في فنّ العمارة، وتعود نشأة الحارة إلى القرن السابع عشر للميلاد؛ لتظل شاهدة على حقبة تاريخية ثرية، بما تحمله من تفاصيل معمارية وتراثية تعكس أصالة المكان وعمق الحضارة العُمانية.، وقد بنيت بالتزامن مع شق وجريان 'فلج الخطمين' و'حصن بيت الرديدة' الذي بناه الإمام سلطان بن سيف اليعربي المسمى بـ'قيد الأرض'.
وأشار إلى أن الحارة بنيت على سفح جبل؛ إذ تبدأ من أعلى الجبل إلى الأسفل ثم إلى المزارع، مزارع النخيل والثمار وأشجار الموز التي ارتبط اسمها بتسمية بركة الموز، والموقع الاستراتيجي للحارة يشبه حصنا أثريا مبنيا على تلة جبل؛ فالبيوت فوق بعضها البعض، وأغلب منازلها تتكون من طابقين.
ومن الأشياء النادرة في الحارة أن بعض مداخل البيوت تكون من الطابق العلوي، ثم النزول إلى الطابق السفلي .. مشيراً إلى أن الحارة أشبه بمدينة متكاملة مصغرة في عصرنا الحالي؛ إذ توجد بها جميع مقومات الحياة التجارية والصناعية والترفيهية والتعليمية والاجتماعية، كما يوجد في الحارة مسجد ' الولجة' و مجلسين سبلة الصباح وسبلة الغرفة، وبئر للمياه و تنور للشوي، ويحيط بالحارة سور، كما يوجد بها مدرسة للقرآن، وفي أعلى الحارة يوجد برج يسمى برج السبابرة، وأتى هذا الاسم لأن الذين يقيمون فيه يرصدون العدو والداخل والخارج من الحارة، ويوجد بالحارة بابان وهما الباب الشرقي والباب الغربي ويغلقان في المساء.
وأوضح أن حارة السيباني يتخللها أحد أهم الأفلاج، وهو فلج الخطمين المدرج ضمن التراث العالمي، وما يميز الفلج أن ساقيته تنساب داخل بعض البيوت ويقوم بتبريدها في الصيف، وتدفئتها في الشتاء، مشيرا إلى أن هناك جهودا ومساعي حثيثة لتطوير الحارة وتحويلها إلى وجهة ثقافية تدعم السياحة؛ لأن كل زاوية فيها تحكي قصة مرتبطة بكل بيت في عمان.
الواحات الزراعية
وقال ناصر بن علي بن حمود التوبي: تجسد حارة السيباني تفاعل العمارة التقليدية مع أنظمة الأفلاج والواحات الزراعية والموقع الجغرافي المتميز، وقد نشأت الحارة في بيئة جبلية عند المدخل المؤدي إلى الجبل الأخضر، مما جعلها على مر الزمن مركزًا للسكن والزراعة والتواصل الاجتماعي، وتقع الحارة فوق تلة صخرية تحيط بها بساتين النخيل والمزارع، وتبدو للناظر من الخارج وكأنها حصن متكامل، نتيجة تقارب مبانيها وارتفاعها وتدرجها على منحدر التلة، كما يمر فلج الخطمين بين مباني الحارة، في صورة تعكس براعة الإنسان العُماني في التكيف مع البيئة، وتحقيق التكامل بين التخطيط العمراني وإدارة الموارد المائية المحدودة، وكانت الحارة جزءًا من منظومة الاستقرار القديمة في واحة بركة الموز، حيث اعتمد سكانها على مياه الأفلاج في الزراعة، إلى جانب تربية الحيوانات وتخزين التمور.
وأوضح أن موقع الحارة اختير فوق التلة لاعتبارات دفاعية وبيئية؛ إذ أتاح الموقع المرتفع مراقبة المناطق المحيطة، وأسهم في الحفاظ على الأراضي المنخفضة الخصبة وتخصيصها للأنشطة الزراعية، كما ساعد تقارب المنازل وتداخلها، إلى جانب ضيق الممرات وارتفاع المداخل، على تعزيز الحماية والخصوصية، والحد من تأثير أشعة الشمس ودرجات الحرارة المرتفعة داخل الحارة.


أهم مكونات الحارة
وأشار إلى أن فلج الخطمين يُعد من أبرز العناصر المكوِّنة لحارة السيباني، إذ يتفرع داخلها إلى قناتين، وتمر ساقيته بالقرب من عدد كبير من المنازل، ويكشف هذا التخطيط عن الدور المحوري للمياه في حياة السكان؛ حيث لم يقتصر استخدامها على ري المزروعات، بل امتد ليشمل الاحتياجات المنزلية والدينية والاجتماعية، وقد وصفت منظمة اليونسكو فلج الخطمين بأنه من أكثر نماذج الأفلاج تكاملًا واستمرارًا في أداء وظيفته، وتضم الحارة مجموعة من المنازل التقليدية المشيدة بالحجارة والطين والجص، ويتكون معظمها من طابقين، وقد أثرت طبيعة التلة في أسلوب التخطيط العمراني، مما أدى إلى تداخل بعض المباني، وظهور مداخل في الطوابق العليا، إلى جانب سلالم وممرات تصل بين المستويات المختلفة للحارة، كما تحتضن الحارة مسجد الولجة، وهو مسجد صغير ذو تصميم مكعب، أُقيم فوق منصة مرتفعة، ويضم مدخلين ومحرابًا مقوسًا خاليًا من الزخارف، تعلوه قبة صغيرة، وتوجد أيضًا منطقة الجنينة التي تضم مسجدًا صغيرًا ومقبرة، ومن بين معالم الحارة مدرسة لتعليم القرآن الكريم، ولم يتبقَّ منها سوى جزء من واجهتها الجنوبية، وكانت المدرسة في السابق عبارة عن قاعة طويلة ومرتفعة، وإلى جوارها غرفة تضم بئرًا كان يمثل مصدرًا إضافيًا للمياه إلى جانب الفلج .. مشيراً إلى أن الحارة تشتمل كذلك على عدد من السبل والمجالس الاجتماعية؛ فمنها السبل العامة التي كانت متاحة لجميع سكان الحارة، وأخرى ارتبطت بقبائل أو جماعات محددة، مثل سبلة الصباح، فضلًا عن مجالس شبه خاصة أُلحقت ببعض المنازل الكبيرة، ويُعد بيت الصقور من أبرز المباني الكبيرة في الحارة، إلى جانب المخازن المخصصة لحفظ التمور والحبوب، وحظائر الأغنام والأبقار، وغيرها من المرافق المنزلية التي تعكس اعتماد السكان على الاقتصاد الزراعي، كما يضم الجدار الشرقي للحارة ممرًا أو بوابة كانت تُستخدم منفذًا للهروب باتجاه أسفل التلة.
دراسة استثمارية
وقال محمد بن سعود بن سعيد الريامي: 'إلى جانب تشغيل حصن بيت الرديدة، تُعد حارة السيباني من أبرز المواقع التي نوليها اهتمامًا، والعمل جارٍ بالتعاون مع الأهالي على إعداد تصور استثماري متكامل لها، وقد تم رفع مقترح بهذا الشأن إلى وزارة التراث والسياحة.
ويمكن للحارة، بعد ترميمها وإدارتها وفق منهج علمي، أن تتحول إلى وجهة ثقافية وسياحية متميزة تدعم الحركة السياحية في بركة الموز والولاية، وتوفر فرصًا اقتصادية لأبناء المنطقة، مع الحفاظ على قيمتها المعمارية والتاريخية.
وأضاف: 'نرى أن أفضل استثمار للحارة هو الذي يعيد إليها الحياة دون المساس بهويتها وأصالتها، ومن بين المقترحات تطوير مسار تراثي للمشاة، وتنظيم جولات حول الفلج للتعريف بتاريخ نظام توزيع المياه وأثره في الزراعة والعمران والحياة الاجتماعية، إلى جانب إعادة توظيف بعض المنازل الآمنة كنُزل تراثية، وإنشاء مشاريع تجارية مرتبطة بالموقع.