ترامب وقرار المحكمة العليا بإبطال رسومه الجمركية
ترجمة: قاسم مكي
الاثنين / 19 / صفر / 1448 هـ - 22:46 - الاثنين 3 أغسطس 2026 22:46
على أولئك الذين اعتقدوا أن المحكمة أنهت هوس دونالد ترامب بالرسوم الجمركية أن يفكروا في ذلك مرة أخرى.
في فبراير أبطلت المحكمة العليا الأمريكية رسومه الشاملة التي أعلنها في «يوم التحرير» على أساس أن الرئيس لا يملك سلطات طوارئ لكي يفرض ضرائب على الواردات من كل بلد على وجه الأرض تقريبا. رد ترامب على ذلك بالنبش في سجلات التشريعات الأمريكية بحثا عن طرائق غير معهودة وغامضة وربما غير قانونية لفرض رسوم مشابهة جدا لتلك التي ألغتها المحكمة.
لجأ أولا إلى فرض رسوم عالمية مؤقتة (في فبرابر2026.) وبعد انتهاء سريانها فرضت إدارته رسوما جمركية بنسبة 10% إلى 12.5% على 60 اقتصادا أو تكتلا اقتصاديا في أكثر من 80 بلدا بزعم وجود ممارسات تجارية غير عادلة. بالنسبة للجارة كندا استند ترامب على المادة 338 من قانون سموت- هاولي لعام 1930. وهي نص قانوني لم يُفعَّل أبدا من قبل.
كان المبرر لهذه الرسوم الشاملة الجديدة والذي اكتشفته الإدارة الأمريكية فجأة في الشهور القليلة الماضية هو الاستخدام المزعوم للعمل القسري (السُّخرة). فقد أعلنت إدارة ترامب أن بلدان تشمل كمبوديا والصين والنرويج واليابان وأستراليا عجزت عن استبعاد المنتجات التي صنعت بواسطة العمل القسري من السوق وأن هذا الفشل يشكل عبئا على التجارة الأمريكية.
هذه التهمة باطلة ومعممة على نحو يكشف بطلانها (فهي في هذا السوء المزعوم تساوي بين السويد وكمبوديا). لقد تم اختلاقها على وجه اليقين تقريبا لأن الرئاسة الأمريكية كانت بحاجة إلى ذريعة قانونية لتقويض «روح» حكم المحكمة العليا ضد قرار ترامب.
وهذا يزيد عن كونه تلاعبا سياسيا عاديا. إذ يبدو أن الرئيس يأمر حكومة الولايات المتحدة بالمصادقة على صحة شيء تعلم أنه غير صحيح. فالهيئات الحكومية ملزمة بنشر النتائج وصياغة حجج قانونية وإضفاء سلطة الدولة الأمريكية على أمر باطل ومختلق لغرض واضح هو الالتفاف على قرار أعلى محكمة في الولايات المتحدة. تلك هي طريقة إفساد المؤسسات. إذ يُطلب منها أولا لَيُّ عنق الحقيقة ثم المصادقة على الكذبة. ثم تصبح الأكاذيب روتينية بحيث لا يعتقد أي أحد بأنها غير عادية. هذا هو الطريق الذي يقود إلى العالم الأرويلي (نسبة إلى جورج ارويل مؤلف رواية مزرعة الحيوان- المترجم)
تقدر مجموعة حقوق الإنسان «ووك فري» والتي تتولى إعداد مؤشر العبودية العالمي أن أمريكا تستورد سنويا ما قيمته 169.6 بليون دولار من السلع التي يمكن أن تكون قد انتجت بواسطة العمل القسري. وهذا هو الرقم الأعلى وبقدر كبير وسط بلدان مجموعة العشرين.
لا يثبت ذلك أن الالتزام الأمريكي بمنع السخرة أسوأ من أي بلد استهدفه ترامب بهذه الرسوم. لكنه يجعل الموقف الأخلاقي الذي تتخذه إدارته عبثيا حتى بأكثر مما هو عليه سلفا.
تزداد الحجج الاقتصادية ضد الرسوم قوة في كل يوم مع ظهور الأرقام الاقتصادية الجديدة. فالإنفاق على بناء الصناعة التحويلية والذي زاد خلال حكومة جو بايدن وبلغ ذروته عند حوالي 250 بليون دولار بمعدل سنوي في سبتمبر 2024 تراجع إلى حوالي 175 بليون دولار بحلول شهر مايو في هذا العام. وهبط التوظيف في الصناعة التحويلية بحوالي 75 ألف وظيفة تقريبا منذ عودة ترامب إلى الحكم.
ارتفع إنتاج المصانع حقا. لكن المكاسب تركزت في الصناعة التحويلية المتقدمة والذكاء الاصطناعي. ويعكس في معظمه الاستثمار الذي خُطِّط له قبل تولي ترامب الحكم. أما ما يتعلق منه بالرسوم الجمركية فضئيل جدا.
لننظر في حالة جريج فريلي والذي كتبت عنه غرفة التجارة الأمريكية قبل شهور قليلة. يشارك فريلي في إدارة شركة صغيرة في ولاية أريزونا اسمها «فالكو» تنتج أجزاء الألمونيوم للطائرات التجارية. وهذا بالضبط ذلك النوع من النشاط الاقتصادي الذي يقول ترامب إنه يريد أن يساعده. أي إنه مصنع أمريكي يوظف عمال أمريكيين.
ارتفعت تكلفة الألمونيوم الذي تستخدمه فالكو بنسبة 72%. ولا تستطيع الشركة ببساطة شراء الألمونيوم الأمريكي. فالإنتاج المحلي من هذا المعدن يكفي فقط حوالي نصف الطلب في الولايات المتحدة، حسب غرفة التجارة. ومعظم ذلك الإنتاج الأمريكي غير متوافر في السوق المفتوحة. لذلك تستورد فالكو الألمونيوم وتدفع الرسوم الجمركية المفروضة عليه وتتحمل الضرر الناشئ عنها.
لجأت الشركة بسبب ذلك إلى تجميد توظيف عمال جدد وأجلت التوسع في عملياتها الإنتاجية وسمحت بانخفاض قوتها العاملة بنسبة 20% من خلال عدم إحلال من يغادرونها بطريقة طبيعية (بالاستقالة أو التقاعد). كما سحبت أموالا من احتياطياتها النقدية وأضافت إلى فواتير شراء منتجاتها رسوما لتغطية تكلفة الجمارك، حسب فريلي.
في الأثناء وحتى بعد تداعيات ما يسمى بيوم التحرير ضاعف ترامب الرسوم الجمركية على الألومنيوم المستورد إلى 50%. ومؤخرا عرض على المنتجين تخفيضا إذا أنشاوا مصاهر في الولايات المتحدة. رفضت «ريو تينتو» وهي إحدى أكبر شركات إنتاج الألمونيوم في العالم عرض ترامب على الفور.
وهكذا وجهت هذه الرسوم ضربة ثلاثية تمثلت في ارتفاع تكاليف الإنتاج للشركة الأمريكية وتقليل وظائفها مع خفض الاستثمار وعدم إنشاء مصهر جديد بواسطة الشركة الأجنبية حسبما هو مفترض.
المنطق مقلوب رأسا على عقب. فصهر الألمونيوم يشكل جزءا بسيطا فقط من وظائف صناعته في الولايات المتحدة. إذ توجد الأغلبية الساحقة من هذه الوظائف في إعادة تدويره وفي صناعات الشق الأوسط والشق الأدنى التي تحول المعدن الى أجزاء الطائرة والسيارات والعلب والآلات ومواد البناء.
ترامب يحمي شريحة الشق الأعلى الضئيلة للألمونيوم بفرضه ضريبة على القاعدة الصناعية الأكبر التي تعتمد عليها والتي توظف عددا أكبر من العاملين.
على مدى ثمانية عقود قادت الولايات المتحدة العالم نحو الأسواق المفتوحة والتجارة المفتوحة. وخلال عامين تقريبا حوَّلها ترامب عمليا إلى بلد الاقتصاد المتقدم والكبير الأكثر حِمائية.
لم تكن نتيجة ذلك نهضةً للصناعة التحويلية في الولايات المتحدة. بل كانت ارتفاعا في الأسعار وضعفا في الاستثمار وعددا أقل من الوظائف الصناعية وحكومةً مستعدة باطراد على جعل تزييف الحقائق سياسةً رسمية من أجل الدفاع عن عقيدة اقتصادية فاشلة.