الحرب وغياب المثقف الخليجي
الاثنين / 19 / صفر / 1448 هـ - 20:40 - الاثنين 3 أغسطس 2026 20:40
لم يرد مصطلح المُثَقّف في التراث العربي بدلالته المعاصرة، وإن كانت الثقافة في لسان العرب هي إقامة الأشياء وتسويتها، يقول ابن فارس (ت ٣٩٥هـ): «رجلٌ ثَقْفٌ لَقْفٌ، وذلك أن يصيب علم ما يسمعه على استواء»اهـ. أما المثقف في الاصطلاح الحديث أي الكاتب المشغول بوضع تصورات واجتراح حلول وصياغة رؤى لقضايا المجتمع، فهو ظاهرة حداثية، نشأت مع بروز ما يسميه الفيلسوف الألماني هابرماس بالفضاء العام، الذي يعني مجالا اجتماعيا تتداول فيه قضايا الشأن العام، ويتكون فيه رأي عام يمثل المجتمع وتستفيد منه الدولة.
وتشير أكثر المراجع إلى أن بداية سك مصطلح المثقف تعود إلى نهاية القرن التاسع عشر، حين نشر الأديب الفرنسي أميل زولا (ت ١٩٠٢م) مقالا في جريدة لُورور الباريسية في ١٣ يناير ١٨٩٨م بعنوان «إني أَتَّهِمُ: رسالة إلى رئيس الجمهورية»، يطالب فيه بإنصاف الضابط اليهودي ألفريد دريفوس الذي اتهم زورا بالتجسس لصالح ألمانيا، وتم نفيه إلى جزيرة الشيطان في غويانا الفرنسية، وأحدث المقال صدمة في الشارع الفرنسي، وإثر ذلك صدرت عن عدد من الكتّاب والأكاديميين مقالات تؤيد موقفه، وأطلقت الصحافة الفرنسية عليهم آنئذ اسم Les Intellectuels، الذي ترجم عربيا إلى «المثقفون».
انتشر مصطلح المثقف في أوروبا مع بدايات القرن العشرين، لكن حمولته الإيديولوجية لم تتعمق إلا مع الكتّاب الماركسيين، ويتجلى ذلك في كتابات الفيلسوف الإيطالي أنطونيو جرامشي الذي مايز في كتابه «دفاتر السجن» بين ما أسماه «النمط التقليدي الشائع للمثقف»، الذي يتمثل بحسبه في «الأديب، والفيلسوف والفنان»، وبين المثقف الحديث الذي يعدّه ثمرة للتغيرات الاجتماعية، فيقول: «وفي العالم الحديث، يجب على التعليم التقني الذي يرتبط ارتباطا وثيقا بالعمل الصناعي حتى على المستوى البدائي والغير مؤهل، أن يشكل أساس خلق مثقف من نوع جديد». وقد أطلق جرامشي على هذا النوع اسم «المثقف العضوي»، الذي ينتمي إلى الطبقات الاجتماعية المختلفة ويصوغ رؤيتها للعالم، ويدافع عن حقوقها. ويرى جرامشي أن على المثقف العضوي إخضاع المثقف التقليدي، إذ يقول: «إن أحد أهم خصائص أي جماعة تتجه نحو الهيمنة هو كفاحها من أجل استيعاب المثقفين التقليديين وإخضاعهم إيديولوجيا، لكنّ هذا الاستيعاب والفتح يتم بشكل أسرع وأكثر فعالية كلما نجحت الجماعة المعنية في إعداد مثقفيها العضويين» اهـ.
ولاتصال مفهوم المثقف بالماركسية والهيمنة الأيديولوجية، استحالت هذه التسمية لاحقا، فغدت إلى التهمة أقرب منها إلى المديح الذي كانته أيام زولا، إذ واجه إدوارد سعيد عنتاً من الجمهور البريطاني حين قدم في عام ١٩٩٣م عبر البي بي سي «حلقات ريث»، التي اختار لها عنوان تمثلات المثقف Representations of the intellectuals، وقد نقل سعيد قول أحد الإنجليز المتعاطفين معه: «إنه موضوع أبعد ما يكون عن الروح الإنجليزية، فكلمة المثقف بالإنجليزية قد تعني المُفَكِر، وقد ترتبط بعبارات مثل البرج العاجي، وإثارة السخرية، أو الاستهزاء»اهـ.
أما في عالمنا العربي فقد تسربت مفردة المثقف ابتداء من عشرينيات القرن العشرين، ويزعم المفكر المصري سلامة موسى (ت ١٩٥٨م) أنه هو أول من أفشى مصطلح الثقافة في الأدب العربي، ويبدو أن بروز ظاهرة المثقف ودوره في المجتمع العربي متصل بشكل وثيق بحركة التحرر الوطني، والدعوة إلى التغيير الاجتماعي، والتنوير الفكري، والتحول السياسي نحو الديمقراطية. بيد أن دول الخليج العربي ظلت الاستثناء الرافض للتوجه الجمهوري، والممانع لتشكل جوهري للفضاء العام، عدا الكويت التي نص دستورها الصادر عام ١٩٦٢م على إنشاء مجلس الأمة، وتكون عضويته بالانتخاب المباشر، تلتها البحرين وعمان، وما تزال السعودية معارضة لفكرة المجلس الانتخابي، في حين قررت الإمارات انتخاب نصف الأعضاء بواسطة هيئات انتخابية، أما قطر فقد جربت الانتخابات مرة واحدة عام ٢٠٢١م، ثم قررت الرجوع عن هذه التجربة.
لا ريب أن مساحة الفضاء العام أضيق في الدول التي ليس لديها مجالس نيابية منتخبة منه في غيرها. لذلك يغدو حضور شخصية المثقف فيه استثناءً، لعدم اكتمال شرطه الموضوعي المتمثل في نقاش سبل تدبير المجتمع وإدارة الشأن العام. غير أن هذه التحديات لا تنفي وجود المثقف الخليجي الذي تكيف مع شروط بيئته الاجتماعية، وشق طريقه في وسط تنتصب فيه حواجز الرقابة ومتاريس الممنوعات الاجتماعية والمحرمات الدينية. إلا أنه لا يماثل بالضرورة صورة المثقف العضوي الماركسي، إذ يتميز الخليج ببنيته القبلية التي لا يتبدى فيها التمايز الطبقي بذات صورته الأوروبية، فالغني والفقير وذو المنصب الرفيع وصاحب المهنة البسيطة يلتقون في المجلس نفسه، ويصلون في المسجد نفسه، وغالبا ما يقطنون في مدينة واحدة أو قرية واحدة، وفي صميم كل فرد شعور بأنه ممثل لقبيلته أو قريته. إن أقرب صورة يمكننا رسمها للمثقف الخليجي قوامها ثلاثة أنماط:
الأول هو المثقف المنكفئ على ذاته، وغير المعني بقضايا الشأن العام، فكل ما يشغله هو إرضاء أناه، وتحقيق مجده الشخصي، وقد يتواطأ مع الفساد ويبرره مادام يغدق عليه ويقدمه على غيره، وفي أمثال هؤلاء يقول الجاحظ: «فأما ثناء المادحين لك في وجهك، فإنما تلك أسواق أقاموها للأرباح، وساهلوك في المبايعة، ولم يكن في الثناء عليهم كلفة، لكساد أقاويلهم عند الناس»اهـ. النمط الثاني هو المثقف الإصلاحي، الذي قد يكون أديبا وفنانا وكاتبا، وتتوجه اهتماماته نحو إصلاح المجتمع فكريا واجتماعيا. أما النمط الثالث فهو المثقف الاستئصالي، الذي قد يتخذ صورة الناشط السياسي، وهو يتطلع إلى إحداث تغيير فوري في بنية المجتمع والسلطة، على نحو انقلابي، لا يؤمن بالمرحلية، ولا بالإصلاح المتدرج. وقد يكون هذا الناشط أديبا أو كاتبا أو حتى واعظا، ولكنه نادرا ما يكون فيلسوفا أو شخصية أكاديمية؛ لأن رصانة الاشتغال الفلسفي والعمل الأكاديمي تقتضي الرويّة والصبر وتعدد زوايا النظر، في حين لا يملك أصحاب هذا النمط سوى عدسة واحدة، موجهة نحو أعلى مناصب السلطة.
وكأن الجاحظ يصف أرباب التوجه الاستئصالي حين يقول: «فإن السلطان لا يخلو من متأول ناقم ومن محكوم عليه ساخط ومن معدول عن الحكم زار، ومن متعطل متصفح ومن معجب برأيه ذي خطل في بيانه، مولع بتهجين الصواب، وبالاعتراض على التدبير، حتى كأنه رائد لجميع الأمة، ووكيل لسكان جميع المملكة. يضع نفسه في موضع الرقباء وفي موضع التصفح على الخلفاء والوزراء ... صاحب فتنة خامل في الجماعة، رئيس في الفرقة نعّاق في الهرج. قد أقصاه السلطان، وأقام صغوه ثقافِ الأدب، وأذلّه الحكم بالحقّ، فهو مغيظ لا يجد غير التشنيع، ولا يتشفّى بغير الإرجاف، ولا يستريح إلا إلى الأماني، ولا يأنس إلا بكل مرجف كذاب، ومفتون مرتاب، وخارص لا خير فيه»اهـ
لا تزال جميع هذه الأنماط حاضرة في الوسط الثقافي الخليجي، ولعل النمطين الأول والأخير هما الأشد بروزا، إذ عرف الأول بصمته اللافت عن قضايا مجتمعه وأمته، بينما ملأ الثالث المشهد بصخب خطاباته المستفزة. أما المثقف الذي يحتاجه المجتمع لحراسة الوعي ومواجهة التحديات وحل المعضلات، فقد ضاع في معمعة الاغتيال الاجتماعي الذي غذته لصورة المثقف المنكفئ في برجه العاجي، كما تبدد في أتون المعارك التي خاضها المثقف الاستئصالي ضد سلطة عجزت عن التمييز بين المثقف الإصلاحي والاستئصالي، فتعاملت مع المثقف بمنطق الثنائية المانوية بين النور والظلمة، الذي عبر عنه الرئيس الأمريكي الأسبق جورج دبليو بوش بقوله: « إما أن تكونوا معنا، وإما أن تكونوا مع الإرهابيين». فعمدت إلى تشويه المثقف إعلاميا، وأحلت مكانه مشاهير منصات التواصل الذين يقدمون خطابا اجتماعيا لا يفقهون كثيرا من مضامينه التي قد تكون مسفةً أحيانا، وهادمة للوعي في أحايين أخرى. وحين وجد المثقف نفسه عرضة للاغتيال الاجتماعي الذي تقوده القوى الشعبوية، والاستعداء القانوني الذي يمارسه المتنفذون آثر السلامة والانكفاء، وغاب عن المجتمع في أشد اللحظات حاجة إليه.
إن دول الخليج في أمس الحاجة إلى عقلائها ليكشفوا مواضع الالتباس التي ينفذ عبرها الخطاب الصهيوني والإيراني في نسيج المجتمع، ويسعى كل منهما إلى تمزيق لحمته، ونشر الكراهية بين أبنائه. كما أن الخطاب الإعلامي لهذه الدول حائر بين انتهازية إسرائيل وضغوط أمريكا من جهة، وعدوان الجار الإيراني من جهة أخرى، بعدما فقد بوصلته الأخلاقية باغتيال عقلائه. ولا ريب لمشاهير منصات التواصل صدى واسعا، غير أنهم يقدمون خطابا تعبويا فجا، إما ترديدا للدعاية الصهيو-أمريكية، وإما اجترارا لخطاب الحرس الثوري، إلا أن هذه الخطابات الحدّية لا تزرع إلا الكراهية بين أبناء المجتمع الخليجي، وتؤجج الخصومات القومية والطائفية، وتضاعف احتمالات انقسامه، وهو ما يصب في مصلحة الدول المتحاربة التي تتغذى مشاريع هيمنتها على الصراعات الداخلي والحروب الأهلية.
إن دولنا الخليجية في هذه اللحظة الحاسمة من التاريخ في أمَسّ الحاجة إلى مثقفيها، أولا: لبناء وعي مجتمعي خليجي مشترك، وشرح الدبلوماسية التي تتبانها كل دولة وتقويمها بلسان وطني مبين، مما يسهم في توثيق العرى بين المجتمع والدولة، لا سيما في هذه الأوقات المليئة بالمخاطر. ثانيا: حماية الجبهة الداخلية عبر صيانة لحمة المجتمع، ومنع تحول اختلاف الرؤى السياسية إلى خصومات مذهبية وصراعات طائفية على غرار ما حدث في العراق وسوريا واليمن. ثالثا: بناء سردية وطنية تواجه التضليل الإعلامي الذي تصنعه جيوش الذباب الإلكتروني، وتدعمه الخوارزميات وتقنيات التزييف العميق والذكاء الاصطناعي التي تستهدف تزييف وعي الأفراد والتلاعب بعقولهم وتوجيه إرادتهم خدمة للأجندات العدوانية للقوى المتصارعة. رابعا: تقديم رؤى تفسر أصل الأزمة الراهنة، وتنظر في مساراتها، وتستشرف مآلاتها، بما يعين قيادات الدول قادرة على وضع استراتيجيات واقعية لإدارتها. خامسا: شرح موقف دول الخليج للرأي العام العالمي، وتصحيح الصورة المغلوطة التي ترسمها عنها الأطراف المتحاربة. سادسا: تحفيز المثقف المنكفئ، واستيعاب المثقف الاستئصالي، فالحوار الثقافي يبدد الخمول الاجتماعي الذي يقعد الأول، ويخفف من غلواء الثاني.
إن دول الخليج في لحظة الحرب التي تعيشها المنطقة في أمس الحاجة إلى مثقفيها الحقيقيين، إلى الأدباء والفنانين وأصحاب شتى التخصصات ممن يحملون شعلة الوعي، ويملكون القدرة على التعبير أي كانت صوره، وعلى الكتابة أي كان مجالها. إنهم أصحاب الرأي المستقل من غير قطيعة مع المجتمع أو الدولة، والصادقون في التزامهم الوطني دون تنازل عن مبادئهم الأخلاقية، والساعون إلى رفد التنمية والعمران وبناء الإنسان. وهم حراس الحقيقة الذين يتعالون على الأهواء الشخصية، ويقدمون خطابا أخلاقيا يدرأ الانقسام ويشد لحمة المجتمع، ويصوغون رؤى واستراتيجيات تعين الدولة على عبور محنة الحرب بوجهيها المادي والثقافي، بأقل ما يمكن من الخسائر المجتمعية والعثرات الدبلوماسية.
بيد أن عودة المثقف بعد هذه القطيعة الطويلة بينه وبين الدولة الخليجية، تقتضي هامشا من الحرية المسؤولة، وضمانات قانونية تحميه من تنفذ بعض من يرى في السلطة وسيلة لتحقيق مآربه الشخصية. كما يحتاج إلى مصادر موثوقة للمعلومات يبني عليها رؤاه وتصوراته حول التحديات التي تواجهها الدولة والمجتمع، فضلا عن قنوات اتصال مباشرة بصانع القرار، لا تحجبها الأطراف الوسيطة. ويحتاج أخيرا إلى منابر إعلامية وطنية مستقلة، لا تهدف إلى الإضرار بالمجتمع، وإنما تسعى إلى صيانة دولها وتقويم أداء مؤسساتها. فهل سنرى حضورا قريبا للمثقف الخليجي؟