أعمدة

الصحفي الراحل عامر الرواس.. قصة التحدي والإنجاز

غيّب الموتُ الصحفي عامر غانم الرواس، ليطوي رحيلُه صفحةً ملهمة من الإصرار على الحياة وتحدي الإعاقة؛ تلك الإعاقة التي تعرّض لها إثر حادث سير أليم، خضع بعده لعلاج طويل في فرنسا وعاد منه بشلل رباعي. ورغم كل تلك الظروف القاسية وظروف العلاج المؤلمة، واصل دراسته الجامعية بكل تحد وإصرار حتى تخرجه من جامعة السلطان قابوس عام 1994، ليكون بذلك أول طالب يتخرج على كرسي متحرك من جامعة السلطان قابوس، وقد نشر في حسابه على منصة «X» صورة له يوم تخرجه مع الطبيب « كلاوس بيورنغ» الذي حضر خصيصا لحضور حفل تخرجه ويقول عنه «إنه أنقذ لي حياتي بعد الله».

تعرفت على عامر الرواس أثناء التعاون مع صحيفة «$»، والتردد على مقر الجريدة في صلالة الجديدة، والتقيت به عدة مرات أثناء تحرير الأخبار والتغطيات للفعاليات الثقافية والسياحية في المحافظة. إن تجربة عامر قصة تستحق أن تُكتب وتُروى لأنها قصة تحكي الإصرار على مواصلة النجاح وعدم الرضوخ للإعاقة التي لم تمنعه من ممارسة شغفه في الصحافة، ولا إدارة أعماله التجارية. لم تكن الإعاقة يومًا عائقًا أو مانعًا له عن العطاء والإنتاج. كنت أمازحه أحيانًا وألقبه بـ«بو سبع أرواح»، فترتسم على وجهه ابتسامته الدائمة ويقول:

«ألا ترى أنني لا أستخدم إلا يدًا واحدة في الكتابة؟»

فأجيبه مازحا: «تلك روح أخرى»

أتذكر ذات ليلة سهرتُ معه في منزله بمنطقة «الوادي» بصلالة، حيث امتدت بنا الجلسة إلى ما بعد منتصف الليل. تحدث حينها عن تفاصيل الحادث، وعبّر عن امتنانه العميق للجهات الحكومية التي أنقذت حياته، وللشخصيات التي وقفت معه، وفي مقدمتهم الشيخ المرحوم عبد العزيز بن محمد الرواس (المستشار الثقافي لصاحب الجلالة). تحدث عن رحلة العلاج التي امتدت لسنة كاملة بين عدة بلدان أوروبية، ثم عودته لإكمال دراسته في السنة الأخيرة، وانضمامه للعمل في جريدة «عمان» عام 1999، وقد عبر عن ذلك عبر منصة «أكس»: توظفت حسب تخصصي صحفي بجريدة (عمان) التي احتضنتني ولم أر منهم إلا كل خير وما زلت في مجال العمل من 20 عاما، أنا أذكر قصتي من باب التشجيع».

خلال تلك الجلسة، سألته عن إمكانية كتابة سيرته الذاتية، فردّ بتواضعه المعهود بأن تجربته لا يراها جديرة بالتدوين. أخبرته حينها بعكس ذلك تمامًا؛ فهي تجربة إنسانية ملهمة تستحق أن تُروى وتصل للقراء. حدثته عن تجربة مماثلة وثّقها المهندس محمد العريمي في كتابه «مذاق الصبر»، وبعد أيام أرسلتُ له النسخة. ذهبتُ بعدها في أسفاري وانشغالاتي التي لا تتوقف، وظللتُ أنتظر ميلاد كتاب سيرته الذاتية الذي تمنيت الاطلاع عليه بسردية صاحب التجربة؛ لأنها تُجسد أبهى صور الإصرار على الحياة والإنتاج مهما كانت الظروف. رحل عامر، لكن سيرة إصراره تظل شهادةً حية على روحٍ لم تعرف الانكسار.

رحل وترك أثرا لا يُنسى وقلما رصد المنجزات التي تحققت على أرض الوطن. وقد استبق رحيله بكتابة كلمات مؤثرة إلى ابنته ونشرها قبل عدة سنوات على حسابه في منصة (X)

«رسالة إلى أبنتي..

بعد رحيل الأب

تأتي المواقف بـرسالة مبطنة محتواها:

لا مجال للضعف

فقد رحل الأعمق حبا

والأصدق قولا

والأكثر خوفا وحرصا

الأب هو السند

هو من تميل رأسك على صدره

فيعتدل لك كل مائل

ويبقى الأب أوفى حبيب لابنته

ولو أحبها أهل الأرض جميعا.

كم أحبك يا ابنتي نور»

رحم الله أبا نور الذي خلّف ذكرى لا تفنى وأثرا لا يزول، وقصة إنسانية تبقى شاهدة على إصرار الإنسان على تحدي الظروف القاهرة والأحداث المؤسفة، وتسرد حقيقة وجوده الأبدي في عمران الأرض بالصالحات.