المحافظات

مكتبة المحـافظة .. حـــلم ثقافي فــــــــــــي عيــون الشباب ينتظر التحقق !!

رافد للمعرفة ومنصة للحــــــــــــــــــــــــــــــــــوار وذاكـــرة حـــية للمكان

 

لم تعدُ المكتبة العامة مجرد مكان لاستعارة الكتب، بل أصبحت في كثير من دول العالم فضاءً ثقافيًا متكاملًا يجمع بين المعرفة والتعلم والحوار والإبداع، ويؤدي دورًا محوريًا في تنمية المجتمع وتعزيز جودة الحياة. ومع اتساع المدن وتنامي الاهتمام بالثقافة والمعرفة، تبرز الحاجة إلى مكتبات عامة حديثة في مختلف المحافظات، تستجيب لتطلعات القرّاء والطلبة والباحثين، وتوفر بيئة جاذبة تجمع بين الكتاب الورقي والمصادر الرقمية والأنشطة الثقافية.

وتكتسب هذه الحاجة أهمية أكبر في ظل التحولات الرقمية التي يعيشها الشباب؛ إذ لم يعد نجاح المكتبة يُقاس بعدد الكتب التي تضمها فحسب، بل بما توفره من مساحات للقراءة والدراسة والعمل، وبرامج وورش ولقاءات معرفية، فضلًا عن دورها في حفظ ذاكرة المحافظة من خلال توثيق تاريخها وإنتاجها الفكري وإبراز مؤلفات أبنائها.

وفي هذا الاستطلاع، نستطلع آراء عدد من القرّاء والمهتمين بالشأن الثقافي حول أهمية إنشاء مكتبة عامة مركزية في كل محافظة، وواقع المكتبات الحالية، والخدمات التي يتطلعون إلى تطويرها، والدور الذي يمكن أن تضطلع به هذه المكتبات في ترسيخ ثقافة القراءة، ودعم الإبداع، وتعزيز الحراك الثقافي والمجتمعي.

واقع المكتبات العُمانية

يرى سلمان بن محمد المسكري، مخرج إبداعي ومهتم بالثقافة والأدب، أن واقع المكتبات العامة والمساحات المخصصة للقراءة في سلطنة عُمان ما زال عند مستوى متوسط، إذ تؤدي دورًا معرفيًا مهمًا، لكنها لا توفر في كثير من الأحيان تجربة جاذبة للزوار.

ويشير إلى أن جودة تجربة القارئ لا ترتبط فقط بتوافر الكتب، إنما تمتد إلى تفاصيل المكان، مثل أسلوب الاستقبال، وطريقة التعامل مع المرتادين، ومستوى المرافق والخدمات، مؤكدًا أن نجاح المكتبة يبدأ منذ لحظة دخول القارئ إليها وحتى مغادرته.

وتقول رحاب بنت إبراهيم الشحي، الباحثة في تكنولوجيا التعليم: إن كثيرًا من المكتبات ما زالت تؤدي دورها التقليدي باعتبارها مكانًا لحفظ الكتب أكثر من كونها فضاءً ثقافيًا متكاملًا يحتضن الأنشطة التفاعلية والخدمات الرقمية، مشيرة إلى أن المكتبة الحديثة مطالبة بمواكبة التحول الرقمي، من خلال دمج مصادر المعرفة الورقية والإلكترونية، وتوفير بيئات تعلم أكثر تفاعلًا وجاذبية لمختلف الفئات.

وترى خديجة المقبالي، شاعرة وكاتبة محتوى، أنه على الرغم من الجهود التي يبذلها المهتمون بالشأن الثقافي، فإن المكتبات العامة ومساحات المطالعة لا تزال محدودة في عدد من المحافظات، ولا تواكب تطلعات الشباب أو شغفهم بالقراءة والتعلم، مؤكدة أن محدودية الخيارات المتاحة تنعكس على حضور ثقافة القراءة، وتحرم كثيرًا من الشباب من الوصول إلى بيئات معرفية محفزة.

أما عبد الرحمن بن محمد البلوشي، المهتم بالمشهد الثقافي العُماني، فيؤكد أن واقع المكتبات العامة لا يزال دون مستوى الطموح، موضحًا أن التحدي لا يتمثل في محدودية عدد المكتبات فحسب، بل يمتد إلى ضعف التعريف بها وبرامجها وخدماتها، وغياب التسويق الثقافي الذي يرسخ حضورها بوصفها مراكز مجتمعية مفتوحة للقراءة والحوار والإبداع، وليس مجرد أماكن لاستعارة الكتب.

مكتبة المحافظة.. رافد للمعرفة والحراك الثقافي

ويؤكد سلمان بن محمد المسكري أن إنشاء مكتبة عامة مركزية في كل محافظة يمثّل حاجة ثقافية وتعليمية تسهم في تعزيز حضور القراءة في المجتمع، مشيرًا إلى أن المكتبة ليست مجرد مكان لحفظ الكتب، بل فضاء عام يرسخ علاقة الأفراد بالكتاب والمعرفة، ويواكب التحولات الفكرية والثقافية، ويوفر بيئة محفزة للتعلم والتفاعل المجتمعي.

وترى رحاب بنت إبراهيم الشحي أن المكتبة المركزية ستكون مرجعًا معرفيًا مهمًا للتعلم المستمر، ومصدرًا أساسيًا للباحثين والأكاديميين والطلبة، لا سيما إذا صُممت لتكون أكثر شمولًا وتنوعًا من المكتبات التقليدية، من خلال توفير مصادر معرفية متنوعة، وخدمات رقمية متطورة، وبرامج تثقيفية تلبي احتياجات مختلف شرائح المجتمع.

وتصف خديجة المقبالي المكتبة المركزية بأنها بوابة ثقافية تفتح آفاقًا واسعة أمام الشباب الشغوفين بالقراءة والبحث، مؤكدة أنها تسهم في تقريب مصادر المعرفة من أبناء المحافظات، وتختصر عليهم الوقت والجهد في الوصول إلى المراجع، فضلًا عن كونها صرحًا تعليميًا وثقافيًا موثوقًا يعزز الحراك الثقافي داخل المجتمع المحلي.

من جانبه، يشير عبد الرحمن بن محمد البلوشي إلى أنه، رغم اتساع قنوات الوصول إلى المعرفة عبر وسائل التواصل الاجتماعي وتقنيات الذكاء الاصطناعي، فإن الحاجة إلى المكتبات العامة لا تزال قائمة، لما توفره من فضاءات حقيقية تجمع المهتمين بالقراءة والمعرفة، وتتيح تبادل الأفكار والنقاشات، والرجوع إلى مصادر علمية موثوقة ومنظمة، بما يعزز ثقافة البحث والتعلم المستدام.

جودة المكتبات

وحول ما يجذب الشباب إلى المكتبات، يقترح سلمان المسكري إقامة جلسات نقاشية حول الكتب والروايات، وتنظيم لقاءات ثقافية قادرة على جذب الشباب، مؤكدًا أهمية التفاصيل الحسية في المكان، مثل الإضاءة وجودتها، وتوفير المقاعد المريحة داخل المكتبة.

وتذهب رحاب الشحي إلى أن الشباب اليوم يستسهلون البحث السريع عبر المكتبات الإلكترونية والمصادر الرقمية، ولذلك فإن المكتبة مطالبة بتقديم قيمة مضافة لا يجدها الشاب في هاتفه، مثل الورش التدريبية التقنية والمعرفية، والألعاب التفاعلية الثقافية، والمسابقات التي تلامس اهتماماتهم الحديثة من الجانب المعرفي والمهاري، إضافة إلى الحوافز التي تشجع على الزيارات المتكررة.

وتؤكد خديجة المقبالي أن التحدي الحقيقي يكمن في «الوصول المعنوي» إلى فكر الشباب واهتماماتهم، من خلال توفير بيئة قرائية مريحة تعكس شغفهم الحقيقي، وتحديث الكتب والمصادر بما يتناسب مع تطلعاتهم. وتضيف خديجة: تنوع الكتب ودور النشر، وتنظيم الفعاليات والورش، وتوفير مساحات مناسبة للدراسة والقراءة، كلها عوامل يمكن أن تجعل المكتبة حلقة وصل بين الشباب وأفكارهم وطموحاتهم.

ويرى عبد الرحمن البلوشي أن المكتبة يمكن أن تصبح أكثر قربًا من الشباب إذا احتضنت أنشطة تفاعلية تلامس بيئتهم وعصرهم، مثل الصالونات الثقافية، والمناظرات الفكرية، ومساحات إنتاج البودكاست، والسلاسل المصورة التي تعرّف بالأفكار وتصحح المفاهيم الخاطئة. ويؤكد أن المكتبة تتجاوز فكرة بيع الكتب أو إعارتها إلى فتح أبواب جديدة عبر الكتب الصوتية والمواد المرئية، وربط الأدب والمعرفة بالأفلام والمسلسلات والأعمال الإبداعية.

حفظ ذاكرة المحافظة

ويقترح سلمان المسكري وضع الكتب المتعلقة بالمحافظة في الواجهة، وتنظيم جلسات تثقيفية مستمرة حول تاريخ المنطقة وخصوصيتها.

وترى رحاب الشحية أهمية التعاون مع مؤلفي الكتب في المحافظة، وإنشاء ركن خاص بهم، إلى جانب بناء قاعدة بيانات رقمية تضم أهم المعالم والإنجازات والمنجزين في المحافظة، وتنظيم حلقات حوارية ومعارض ثقافية وزيارات توعوية تعزز ثقافة القراءة.

وتشير خديجة المقبالي إلى أن المكتبة تستطيع أن تكون مركزًا للتعريف بتاريخ المحافظة وتراثها من خلال توفير الكتب والمراجع التي توثق هذا التاريخ، وتنظيم المعارض والمناشط الثقافية، والاهتمام بمؤلفات أبناء المحافظة وإبراز إنجازاتهم الفكرية والأدبية في ركن خاص، بما يسهم في تشجيع الشباب على مواصلة الإنجاز الثقافي.

أما عبد الرحمن البلوشي، فيرى أن توفير المؤلفات العُمانية، ولا سيما المرتبطة بالمحافظة نفسها، يمكن أن يعزز حضور الهوية المحلية داخل المكتبة، مقترحًا دعم الشباب في تحويل بعض هذه المؤلفات إلى أعمال مرئية أو صوتية، بما يمنح الذاكرة المحلية حضورًا أوسع لدى الأجيال الجديدة.

التحديات

وحول التحديات المتعلقة بإقبال الشباب على المكتبات، يشير سلمان المسكري إلى أن الرسمية الزائدة في بعض المكتبات تجعل الشباب يفضلون القراءة في المقاهي أو المساحات غير الرسمية، ولا يلجؤون إلى المكتبات المركزية إلا لأغراض بحثية محددة. وترى رحاب الشحي أن أغلب المصادر أصبحت متاحة عبر الهاتف، وهو ما سهّل الوصول إلى المعلومة، لكنه في الوقت نفسه رسّخ لدى بعض الشباب صورة ذهنية بأن المكتبة مكان ممل، إضافة إلى صعوبة الوصول الجغرافي في بعض الأحيان.

وتؤكد خديجة المقبالي أن قلة عدد المكتبات، وغياب المساحات المهيأة للقراءة، وضعف البيئة الجاذبة، وشح تنوع الكتب، وقلة الفعاليات الموجهة للشباب، كلها أسباب تقلل من إقبالهم عليها. كما تلفت إلى أن ارتفاع أسعار الكتب يدفع بعض القراء إلى اختيار الطريق الأسهل عبر الإنترنت عوضًا عن زيارة المكتبات أو اقتناء الكتب الورقية.

ويرى عبد الرحمن البلوشي أن أحد أبرز التحديات يتمثل في حصر مفهوم المكتبة في دور بيع الكتب أو إعارتها، دون تعريف الشباب بالخيارات المعرفية الأخرى، مثل الكتب الصوتية، والمحتوى المرئي، والأعمال الأدبية التي تحولت إلى أفلام ومسلسلات، وهي مداخل يمكن أن تقرّب غير القراء من المساحات الثقافية.

تطوير خدمات المكتبات

وحول الخدمات التي يأمل المشاركون وجودها في مكتبة مركزية بالمحافظة، يركز سلمان المسكري على «تجربة القارئ الكاملة»، من الأثاث والإضاءة إلى الشعور بالألفة والراحة وتنوع الأنشطة. وتقترح رحاب الشحي إنشاء مختبرات للابتكار ومقاهٍ ثقافية تدمج بين القراءة والتطبيق العملي، وبين النقاشات والحوار وصناعة الأفكار. أما خديجة المقبالي، فتؤكد على ضرورة أن تضم المكتبات المركزية في المحافظات مرفقًا يُعنى بدعم الطالب الجامعي، مستلهمة من مبادرة «دعم الطالب الجامعي» التي انطلقت عام 2013 وتهدف إلى تشجيع الطلبة على القراءة وتوفير كتب مجانية متنوعة لمن لا يملكون القدرة على شرائها. وترى أن وجود مثل هذا الركن، بدعم مؤسسي داخل المكتبة، سيشكل قيمة ثقافية حقيقية للطلبة، إلى جانب توفير مساحات مريحة ومجهزة للقراءة والدراسة وتبادل الأفكار. ويختصر عبد الرحمن البلوشي تطلعه في وجود صالون ثقافي يناقش مختلف الموضوعات، ويربط المكتبة بالأسئلة الحية في المجتمع، لتكون مكانًا للنقاش والتفكير والإنتاج. وبين هذه الآراء الشابة، تبدو مكتبة المحافظة المقترحة مساحةً للمعرفة، ومنصةً للحوار، وذاكرةً حيةً للمكان تحتفظ بهوية المحافظة وتطلعات أبنائها، ومرفقًا ثقافيًا يمكن أن يعيد ترتيب علاقة الشباب بالكتاب إذا صُممت بروح العصر.