المحافظات

الرجمة .. قرية تصارع شح المياه للحفاظ على إرثها الزراعي

قصة قرية تواجه تحديات الاستدامة

 

في السفوح الجبلية بولاية العوابي، حيث ارتبطت الأرض بالماء منذ عقود طويلة، تقف قرية الرجمة اليوم أمام تحدٍّ يفرض نفسه على تفاصيل الحياة اليومية لسكانها. فالمَزارع التي كانت تعج بالمحاصيل الموسمية وأشجار النخيل والفاكهة، لم تعد كما كانت في السابق، بعدما تراجع تدفق المياه التي تمثل عصب الحياة الزراعية في القرية، الأمر الذي انعكس على الإنتاج الزراعي وعلى ارتباط الأهالي بأرضهم التي ورثوها جيلًا بعد جيل.

ورغم التغيرات التي شهدتها المنطقة خلال السنوات الأخيرة، لا يزال المزارعون في الرجمة يحاولون التمسك بموروثهم الزراعي، مستندين إلى خبرات متراكمة وإرث طويل من العمل في الأرض، في وقت تفرض فيه المتغيرات المناخية وتراجع معدلات هطول الأمطار واقعًا جديدًا يدفع نحو البحث عن حلول أكثر استدامة للحفاظ على الموارد المائية واستمرار النشاط الزراعي.

ويؤكد محمد بن عبدالله الحراصي، أحد سكان قرية الرجمة، أن العلاقة بين أهالي القرية وأراضيهم الزراعية ليست مجرد علاقة عمل أو مصدر دخل، إنما ارتباط تشكل منذ الطفولة ونما مع السنوات.

ويقول: «تربينا في هذه البيئة ونشأنا على الزراعة، وكانت جزءًا من حياتنا اليومية. حاجتنا إلى المزرعة كبيرة لأسباب عديدة، أولها توفير الغذاء، خصوصًا أننا من أصحاب الماشية، إضافة إلى المحاصيل الموسمية المتنوعة التي نعتمد عليها».

ويشير إلى أن الزراعة بالنسبة لأبناء القرية تمثل عملًا عائليًا قائمًا على التعاون والتكاتف، موضحًا أن أفراد الأسرة يتولون مختلف الأعمال الزراعية بأنفسهم دون الاعتماد على قوة عاملة خارجية، الأمر الذي يعزز ارتباطهم بالمزرعة ويمنحهم شعورًا خاصًا بقيمة ما يزرعونه ويحصدونه.

ويضيف: «عندما تزرع وتحصد بنفسك تشعر بمتعة مختلفة، فالحصاد هنا ليس مجرد محصول، إنما نتيجة جهد وعمل متواصل، وهذا يمنح الإنسان شعورًا بالرضا والسعادة».

المياه.. التحدي الأكبر

لكن هذه العلاقة الوثيقة بالأرض لم تمنع ظهور تحديات متزايدة خلال السنوات الماضية، يأتي في مقدمتها تراجع المياه التي تعتمد عليها المزارع في القرية.

ويوضح الحراصي أن المنطقة تعتمد على مصدر مائي مرتبط بجريان المياه الناتجة عن الأمطار، ولذلك فإن استمرارية المياه ترتبط بشكل مباشر بمواسم الهطول. ومع تراجع الأمطار خلال السنوات الماضية، انخفضت كميات المياه المتدفقة إلى المزارع، ما أدى إلى تراجع النشاط الزراعي بشكل ملحوظ.

ويقول: «أكبر تحدٍّ واجهنا هو قلة المياه، فالمنطقة تعتمد على عين غيلية، وكلما كانت الأمطار مستمرة استمرت المياه، لكن مع انخفاض الأمطار تراجعت كميات المياه بشكل واضح».

ولم يكن شح المياه التحدي الوحيد، إذ يواجه المزارعون أيضًا صعوبة في الوصول إلى بعض المزارع بسبب طبيعة الطرق المؤدية إليها، وهو ما يزيد من أعباء العمل الزراعي ويؤثر على سهولة نقل المعدات والمحاصيل.

ويشير الحراصي إلى أن تراجع المياه أدى خلال سنوات سابقة إلى توقف النشاط الزراعي في أجزاء من المنطقة بصورة شبه كاملة، مؤكدًا أن المزرعة ظلت لفترات طويلة غير مستغلة نتيجة غياب المياه الكافية للزراعة.

ويقول: «المزرعة بقيت لأكثر من عشر سنوات شبه ميتة، لأن الزراعة تعتمد أساسًا على توفر المياه، وإذا لم يكن الماء موجودًا فلن يكون بالإمكان العمل أو الإنتاج».

جهود لإحياء الأرض

وفي مواجهة هذا الواقع، شهدت المنطقة تنفيذ مشروع مائي أسهم في إعادة الحياة إلى بعض المزارع المتوقفة. ويثمن الحراصي الجهود الحكومية التي ساعدت على توفير مصدر مائي جديد، موضحًا أن المشروع أعاد الأمل للمزارعين في استئناف العمل الزراعي.

ويقول: «تم تنفيذ مشروع لحفر بئر في المنطقة، وخلال فترة قصيرة بدأنا نلمس أثره. اليوم نحاول إحياء المزرعة من جديد والعودة إلى الإنتاج الزراعي بعد سنوات من التوقف».

ويعكس هذا التحسن أهمية المشاريع المائية في دعم المجتمعات الريفية التي تعتمد بصورة كبيرة على الزراعة، خصوصًا في المناطق التي تتأثر بتذبذب الأمطار وتغير الظروف المناخية.

محاصيل متنوعة بين الصيف والشتاء

وتتميز قرية الرجمة بتنوع إنتاجها الزراعي وفقًا للفصول والمواسم المختلفة. ففي فصل الصيف تنتشر أشجار النخيل والليمون والعنب، بينما تشهد أشهر الشتاء زراعة عدد من المحاصيل الموسمية التي تشكل جزءًا مهمًا من النشاط الزراعي في القرية.

ويشير الحراصي إلى أن المزارعين يواصلون زراعة العديد من المحاصيل الشتوية، من بينها البقوليات وبعض المحاصيل الورقية، إلى جانب القمح الذي ما زال يحظى بمكانة خاصة لدى المزارعين ويزرع في مواسم محددة من العام.

ويمثل هذا التنوع الزراعي أحد عناصر القوة في القرية، إذ يتيح للمزارعين الاستفادة من اختلاف المواسم وتوفير منتجات متعددة على مدار العام، غير أن استمرار هذا التنوع يبقى مرتبطًا بمدى توفر المياه اللازمة للري.

تقلص الرقعة الزراعية

ومع تراجع الموارد المائية، شهدت بعض الأراضي الزراعية انخفاضًا في حجم الاستغلال الزراعي مقارنة بما كانت عليه في السابق. فالمزارعون أصبحوا أكثر حرصًا على اختيار المحاصيل التي تتناسب مع كميات المياه المتاحة، كما اتجه بعضهم إلى تقليص المساحات المزروعة لتقليل الاستهلاك المائي.

ويرى عدد من الأهالي أن شح المياه لا يؤثر فقط على الإنتاج الزراعي، إنما يمتد تأثيره إلى جوانب اجتماعية واقتصادية أخرى، نظرًا لارتباط العديد من الأسر بالزراعة كمصدر للغذاء أو كجزء من نمط الحياة التقليدي الذي عرفت به القرى العُمانية منذ عقود.

وتبرز هذه التحديات في ظل تزايد الحاجة إلى إدارة أكثر كفاءة للموارد المائية، بما يضمن استمرار النشاط الزراعي والحفاظ على التوازن بين الاحتياجات المختلفة للمجتمع المحلي.

الآفات الزراعية.. تحدٍّ إضافي

إلى جانب مشكلة المياه، يواجه المزارعون في الرجمة تحديات أخرى تتعلق بالآفات الزراعية التي تؤثر على بعض المحاصيل، خصوصًا الزراعات الموسمية.

ويؤكد الحراصي أن المزارعين يستخدمون المبيدات الزراعية ووسائل المكافحة المتاحة للحد من تأثير الآفات، إلا أن هذه الجهود لا تقضي عليها بصورة كاملة، ما يؤدي إلى استمرار بعض الخسائر في الإنتاج.

ويقول إن الآفات تعد من المشكلات المتكررة التي تتطلب متابعة مستمرة وإجراءات وقائية للحفاظ على المحاصيل الزراعية، مشيرًا إلى أن نجاح الزراعة لا يرتبط فقط بتوفر المياه، بل أيضًا بالقدرة على حماية المزروعات من الأمراض والآفات المختلفة.

الرطوبة وتغير الظروف المناخية

ومن الظواهر التي بات المزارعون يلاحظونها خلال السنوات الأخيرة ارتفاع مستويات الرطوبة مقارنة بما كانت عليه المنطقة في الماضي.

ويشير الحراصي إلى أن المنطقة كانت تعرف بطبيعتها الريفية والجبلية الجافة نسبيًا، إلا أن الرطوبة أصبحت أكثر حضورًا في السنوات الأخيرة، الأمر الذي انعكس على بعض الأشجار والمحاصيل الزراعية. ويقول: «في السابق لم نكن نشعر بالرطوبة بهذا الشكل، أما الآن فأصبحت موجودة بصورة ملحوظة، وهذا يؤثر على بعض المزروعات، خصوصًا النخيل الذي يحتاج بطبيعته إلى أجواء أكثر جفافًا».

ويعكس هذا التغير جانبًا من التحولات المناخية التي تشهدها العديد من المناطق، وما تفرضه من تحديات جديدة على الأنشطة الزراعية التقليدية.

النخيل.. هوية زراعية راسخة

وتبقى زراعة النخيل من أبرز الأنشطة الزراعية التي تميز ولاية العوابي عمومًا وقرية الرجمة على وجه الخصوص، حيث تضم المزارع عددًا من الأصناف المعروفة التي ارتبطت بالبيئة الزراعية في المنطقة.

ويذكر الحراصي أن من أبرز الأصناف المزروعة النغال والخلاص والخنيزي وقش طبق وقش نارنجة والزبد والفرض وقش السويح والمبسلي، وهي أصناف تمثل جزءًا من التنوع الزراعي الذي اشتهرت به الولاية عبر السنوات.

وتشكل هذه الأصناف رصيدًا زراعيًا مهمًا يعكس الخبرة المتوارثة لدى المزارعين، كما تمثل جزءًا من الهوية الزراعية التي حافظت عليها المجتمعات المحلية رغم ما تواجهه من تحديات.

بين الماضي والمستقبل

وتختصر تجربة قرية الرجمة جانبًا من التحديات التي تواجهها بعض القرى الزراعية في سلطنة عُمان، حيث تتقاطع قضية المياه مع متطلبات التنمية الزراعية واستدامة الموارد الطبيعية.

ففي الوقت الذي يسعى فيه الأهالي إلى الحفاظ على مزارعهم وإحياء الأراضي التي تأثرت خلال السنوات الماضية، تبرز أهمية مواصلة الجهود الرامية إلى تعزيز إدارة الموارد المائية وتطوير وسائل الري والاستفادة من التقنيات الحديثة التي تسهم في رفع كفاءة استخدام المياه.

كما تؤكد التجربة أهمية المحافظة على الموروث الزراعي بوصفه جزءًا من الهوية الثقافية والاجتماعية للقرى العُمانية، إلى جانب دوره في دعم الأمن الغذائي وتعزيز استقرار المجتمعات الريفية.

ورغم التحديات التي فرضها تراجع الموارد المائية والظروف المناخية المتغيرة، لا يزال أهالي الرجمة يتمسكون بأرضهم وإرثهم الزراعي، مؤمنين بأن استدامة المياه والمحافظة على الأفلاج والموارد الطبيعية مسؤولية مشتركة تتجاوز حدود المزرعة الواحدة، لتصبح قضية ترتبط بمستقبل القرى العُمانية وهويتها الزراعية الممتدة عبر الأجيال.