المحافظات

«وجمة».. قرية معلّقة بين الجبال تعيدتعريف السياحة الجبلية في سلطنة عُمان

ذاكرة الطين والحجر ووجهة المغامرات في وادي السحتن

 

كأنها عقدٌ من الطين والحجر يتوشح قمم جبال وادي السحتن، تقف قرية «وجمة» معلقة بين السماء والأرض، مختبئة في عمق الجبل، حيث تحتمي بيوتها الأثرية ومدرجاتها الزراعية من أشعة الشمس المباشرة معظم ساعات النهار.

ومع كل هطول للأمطار على القمم الشاهقة، تنبثق الشلالات من بين الصخور، لتغذي عيون المياه، وتنساب عبر سواقي الأفلاج، فتروي المدرجات الخضراء وتمنح المكان حياة متجددة.

وفي الوقت الذي تشتد فيه حرارة الصيف في معظم المدن والقرى العُمانية، تحتفظ «وجمة» بمناخها المعتدل الذي يشبه ربيعًا دائمًا، إذ تتراوح درجات الحرارة نهارًا بين 20 و28 درجة مئوية، لتغدو ملاذًا طبيعيًا يقصده الباحثون عن البرودة والهدوء وسحر الطبيعة.

في هذه القرية الجبلية المعزولة، يتحدى السكان قسوة التضاريس ويواصلون التمسك بأرضهم، في صورة تجسد قدرة الإنسان العُماني على التكيف مع بيئته وتسخيرها. فالطريق المؤدي إلى «وجمة» يشق المنحدرات والجبال الوعرة، ليقود الزائر إلى واحدة من أروع صور الاستيطان الجبلي، حيث تتجلى عبقرية العُماني في بناء مجتمع متكامل وسط الطبيعة، وصناعة نمط حياة فريد في قرية ترفض الحر طوال العام.

«وجمة».. نسماتٌ باردة وقلوبٌ دافئة

يحمل اسم قرية «وجمة» دلالاتٍ تعكس هيبة المكان وخصوصيته الجغرافية؛ إذ تشير هديل العبري، من أبناء القرية، إلى أن الاسم يرتبط بـ«وجيج الماء»، أي صوت جريان المياه في الأودية والأفلاج، وهو ما ينسجم مع طبيعة المنطقة الجبلية الغنية بالمصادر المائية. وتضيف أن تفسيرات الأهالي تتعدد حول أصل التسمية، بين من يربطها بخصائص الموقع الجغرافي المحاط بالجبال والتضاريس الوعرة، بما في ذلك صخرة كبيرة تتوسط المكان وتشبه التكوينات الحجرية المتراكمة، وبين من يرى أن قدم القرية وعراقتها أسهما في بقاء الاسم متوارثًا عبر الأجيال.

وتصف العبري الحياة الاجتماعية في «وجمة» بأنها بسيطة رغم العزلة، يسودها التماسك والألفة؛ حيث يعرف الجميع بعضهم بعضًا، وتتجاور البيوت الأثرية مع مساكن حديثة متواضعة، وتبقى أبوابها مفتوحة ترحيبًا بالزائر وعابر السبيل. وتعتمد غالبية الأسر على الزراعة الجبلية ضمن المدرجات الزراعية وتربية الأغنام، فيما يظل التعاون سمة أساسية في مواسم الحصاد وصيانة الأفلاج.

وتبرز «سبلة العريش» مجلسًا اجتماعيًا للقرية، يجتمع فيه الرجال يوميًا لتدارس شؤونها العامة، وإدارة مياه الأفلاج والعيون الطبيعية وتوزيع حصصها وصيانتها. كما تتحول السبلة إلى مساحة جامعة للمناسبات الاجتماعية، حيث تتكامل الأدوار في الأفراح، وتُقدَّم المساندة في الأحزان، في مشهد يعكس روح التكافل التي تميز المجتمع المحلي.

تتجلى في مدرجات «وجمة» الزراعية ملامح كفاحٍ طويلٍ للأجداد، الذين تمكنوا من تطويع الجبال ونحت تضاريسها بأساليب هندسية فريدة، لفتح مسارات للأفلاج والسواقي والأحواض المائية المحلية المعروفة بـ«اللِّجِل» أو «الجابية»، التي تصب في الحوض الرئيس للقرية لتجميع المياه، بما يتيح ري المحاصيل التي لا تنمو إلا في الأجواء الباردة.

وتوضح هديل العبري أن النظام الزراعي في وجمة يقوم على شبكة تقليدية متقنة من الأفلاج والقنوات المنحوتة في الصخر، التي تغذي المدرجات الزراعية، حيث يبدع الأهالي في زراعة محاصيل متنوعة تشمل المشمش، والخوخ، والبوت الجبلي، إلى جانب النخيل، والليمون، والسفرجل، والثوم، والبصل، والعنب، فضلًا عن الأعشاب الجبلية مثل السعتر والجلجلان.

وتضيف أن إدارة المياه في القرية اعتمدت تاريخيًا على توارث دقيق لمنظومة الأفلاج بين الأجيال، بما يضمن استمرار تدفق المياه إلى الحقول، من خلال عيون وشلالات موسمية تنبثق عقب هطول الأمطار وفي مواسم الأودية. كما تُعد البرك المائية أو «اللِّجِل» خزانات طبيعية كبرى لتجميع المياه، وأشهرها «لِجل الملح» الأكبر سعة، يليه «لِجل الغيل» و«لِجل القبيل» و«لِجل الخطوة»، فيما تمثل «عين القفص» الشريان الأساسي الذي يغذي الحياة المائية في وجمة.

ورغم أن هذه المنظومة المائية شكّلت عبر عقود مصدر الحياة في القرية، فإنها لم تسلم من تأثيرات التغيرات المناخية. وتروي العبري أن «وجمة» كانت تضم نحو 17 منزلًا عامرة بالحياة، قبل أن يبدأ بعض الأهالي بالانتقال تدريجيًا إلى مناطق أخرى بحثًا عن الخدمات وسهولة الوصول، لتتحول القرية اليوم إلى مكان شبه خالٍ من الإقامة الدائمة، دون أن تفقد حضورها في الذاكرة الجمعية.

ومع ذلك، لم ينقطع ارتباط الأهالي بوجمة؛ إذ يعودون إليها في تجمعات موسمية، خصوصًا خلال شهر رمضان لإحياء الإفطار الجماعي، وكذلك في مواسم الأمطار والخصب، حيث تتجدد صلة المكان بأبنائه رغم الغياب.

وفي السنوات الأخيرة، بدأت «وجمة» تستعيد حضورها عبر زوارها ومحبي رياضة الهايك، الذين جذبهم طابعها الجبلي الفريد وتضاريسها المتنوعة، ما أسهم في تنشيط حراك سياحي بسيط. وقد دفع ذلك الأهالي إلى الاهتمام بالمسارات والمواقع الطبيعية وتأهيلها، مع الحفاظ على خصوصية القرية وأصالتها، لتبقى «وجمة» كما هي: نسماتٌ باردة، وذاكرةٌ لا تنطفئ، وقلوبٌ دافئة رغم الغياب.

«وجمة».. وجهة المغامرات والمسارات الجبلية

أصبحت مسارات «وجمة» الجبلية وجهةً لافتة تستقطب عشاق المغامرة، وباحثي التحدي، ومحبي العزلة وسط الطبيعة البكر. فقد فرضت تضاريسها الاستثنائية حضورها على خريطة سياحة المغامرات في سلطنة عُمان، لتتحول إلى محطة مفضلة لهواة الهايك والاستكشاف، حيث تمتزج قسوة المسار بروعة المشهد، وتلتقي الجغرافيا الوعرة بعبق التاريخ.

وقد أسهمت هذه الطبيعة الفريدة في جذب الشركات العُمانية المتخصصة في سياحة المغامرات لتنظيم رحلات منتظمة إلى المنطقة، واعتماد «وجمة» نقطة انطلاق لمساراتها الجبلية. وفي هذا السياق، يوضح مؤسس شركة فنتشر سيتي (Venture City) للمغامرات والرحلات البحرية أن للمسار قيمة استثنائية، قائلًا: إن الشركة تنظم مسارات هايك تخصصية تنطلق من قرية «وجمة» صعودًا نحو قرية «الفراعة» منطقةً وسطية، وصولًا إلى قمة الهويب، في رحلة تمتد نحو 10 كيلومترات. ويمر المسار عبر عيون مائية وسواقي أفلاج، ويعبر المدرجات الزراعية ذات الإطلالات البانورامية على البيوت الحجرية التقليدية، في مشهد طبيعي متنوع يستغرق قرابة ست ساعات من المشي المتواصل. ويصنف هذا المسار ضمن الفئة المتوسطة إلى ما فوق المتوسطة، نظرًا لطبيعته الجبلية المتدرجة، ما يتطلب لياقة بدنية عالية واستعدادًا جيدًا.

وهكذا، ومع كل خطوة يخطوها المغامرون في دروب «وجمة»، تُبعث الحياة من جديد في ممراتها الجبلية، لتتحول إلى مساحة تلتقي فيها الحركة بالدهشة، ويُعاد اكتشاف المكان من زوايا مختلفة، بين صعودٍ شاق ومشهدٍ لا يُنسى.

في قلب قرية «وجمة» الجبلية، يبرز مشروع «دار العبري»، أو ما يُعرف بـ«قرية العناصر الخمسة»، نموذجًا لافتًا للسياحة البيئية المستدامة وإعادة إحياء التراث المعماري في البيئات شبه المهجورة. فهذا النزل التراثي لم يكن مجرد مشروع ضيافة، بل محاولة لاستعادة ذاكرة مكانٍ عمره أكثر من 130 عامًا، إذ جرى تحويل منزل عائلة علي العبري وأبنائه إلى فضاء سياحي يجمع بين العزلة الجبلية ودفء التجربة الإنسانية.

واجه مشروع الإحياء تحديًا جغرافيًا بالغ الصعوبة، فالمسار الجبلي المؤدي إلى القرية شديد الوعورة ومعلّق على سفوح صخرية تمنع وصول المركبات والآليات الحديثة. ولهذا، اعتمد فريق العمل بالكامل على الحمير كوسيلة نقل وحيدة لإيصال مواد الترميم، في مشهد يعكس انسجام المشروع مع بيئته الطبيعية بدلًا من محاولة تطويعها قسرًا.

واستغرقت عملية الترميم أكثر من ثلاث سنوات من العمل المتواصل، جرى خلالها الالتزام بالأساليب التقليدية للحفاظ على الطابع المعماري الأصيل لبيوت «وجمة» المعلقة، حيث استُخدم الطين المخلوط بـ«الصاروج» لمعالجة التشققات وتعزيز تماسك الجدران، فيما أعيد بناء الأجزاء المتضررة باستخدام الصخور الجيرية المحلية المستخرجة من الجبل ذاته. كما جرى توظيف جذوع أشجار العتم والعلعلان والنخيل، إلى جانب أخشاب قديمة، في إعادة تشكيل الأسقف والعناصر الإنشائية.

ولم يقتصر الإحياء على البنية فقط، بل امتد إلى تحويل الفضاءات الداخلية للمنزل إلى وحدات إقامة تحمل طابعها التاريخي. فالغرفة التي كان يستخدمها الوالد علي لجمع الحليب قديمًا تحولت إلى «غرفة الحليب – The Milk Room» بوصفها جناحًا عائليًا دافئًا بطابع ريفي وسرير خشبي بسيط. أما المجلس القديم، فصار «جناح الصباح»، في حين احتفظت الغرف العلوية بأسمائها القديمة المرتبطة بالأبناء مثل «غرفة موسى» و«غرفة راشد»، بما يعزز الإحساس باستمرارية الذاكرة داخل المكان.

كما شمل المشروع إعادة تأهيل المدرجات الزراعية المحيطة، وصيانة أجزاء من السواقي والأفلاج، إضافة إلى تهيئة ممرات داخلية للمشي، ما أضفى على الموقع بعدًا تجريبيًا متكاملًا يجمع بين الإقامة والاستكشاف. وهكذا يتحول «دار العبري» إلى مساحة تعيد تعريف العلاقة بين الإنسان والمكان، حيث لا تُروى الحكايات في الكتب فقط، بل في الحجر والطين، وفي تفاصيل بيتٍ عاد إلى الحياة من قلب الجبل.

تقول جيتكا (Jitka)، إحدى المسؤولات عن إدارة وتطوير مشروع «دار العبري» في قرية «وجمة»، إن الشغف وراء اختيار الموقع يرتبط برؤية استثنائية لإحياء قرية جبلية مهجورة وتحويلها إلى نموذج للسياحة التراثية المستدامة.

وتوضح أن «دار العبري» يُعد النزل التراثي الأول والوحيد في سلطنة عُمان القائم بالكامل على استثمار أجنبي، إذ بدأت الفكرة من مستثمر من ليتوانيا كانت لديه رؤية لإعادة إحياء إحدى القرى العُمانية المهجورة وتحويلها إلى تجربة سياحية أصيلة. وتضيف: «في البداية كنت مسؤولة عن مرافقة الفريق في جولات ميدانية على مختلف محافظات السلطنة للبحث عن العقار والموقع المناسب، وبعد زيارة عدة مواقع بارزة مثل الجبل الأخضر، استقر الاختيار في النهاية على قرية «وجمة»؛ لما تتمتع به من موقع فريد وبيئة تراثية بكر لم تمسها يد التغيير».

وتؤكد جيتكا أن جوهر المشروع يقوم على الأصالة، موضحة أنه جرى ترميم النزل دون هدم أي جزء من بنيته الأصلية، ودون استخدام مواد بناء حديثة، مع الالتزام الكامل بالمواد التقليدية مثل الصاروج والأخشاب المحلية، إلى جانب مراعاة معايير الاستدامة البيئية في جميع مراحل الترميم والتشغيل.

ويقدم «دار العبري» اليوم تجربة ريفية استثنائية لنزلائه، تتيح لهم الانفصال التام عن صخب المدن والتكنولوجيا، ليعيش الزائر حالة من العزلة الهادئة تحت سماء صافية تُرصد فيها النجوم من شرفات واسعة تطل على الجبال. ويستيقظ الضيوف على خرير مياه الأفلاج، ويتناولون وجبات محلية تقليدية تُحضّر من مكونات تُجنى مباشرة من المدرجات الزراعية المحيطة.

كما يمكن للنزلاء احتساء القهوة في مشهد بانورامي على امتداد جروف وادي السحتن الصخرية الشاهقة، في تجربة تعيد صياغة العلاقة بين الإنسان والمكان، وتبرز كيف تحولت عبقرية العمارة العُمانية التقليدية إلى وجهة سياحية عالمية، دون أن تفقد روحها الأصيلة أو هويتها المتجذرة.

ثلاث سنواتٍ من الاستكشاف في رحاب عُمان شكّلت رحلة الشيف الأردني نور الدين الصاوي بوابةً لاكتشاف جمالٍ مختلف، كما يصفه، في تضاريس البلاد الجبلية وعمق طبيعتها. لم تكن زيارته إلى قرية «وجمة» ونُزلها التراثي «دار العبري» مجرد محطة عابرة، بل تجربة مدروسة حملت في طياتها شغف التوثيق واكتشاف ما يسميه «الكنوز المخفية بين الجبال».

يقول الصاوي إن سنوات عمله الثلاث في سلطنة عُمان كانت كفيلة بأن تزرع في قلبه حبًا وانتماءً عميقًا، مضيفًا: «هذا الارتباط جعلني أشعر برغبة في تعريف العالم بخيرات عُمان وتنوعها الجغرافي، وما تحتفظ به من أماكن سياحية أشبه بالخيال، لا يتوقع أحد أن هذا الجمال كله موجود هنا».

ويضيف أن قرية «وجمة» ونُزل «دار العبري» كانا حاضرين في مخيلته قبل الزيارة، بعد أن تابع صورًا وتجارب منشورة عنهما، ما دفعه للتخطيط لخوض التجربة بنفسه، قائلًا: «كنت أسمع عن النزل قبل افتتاحه، وشدني موقعه وعزلته التامة التي تجبرك على الانفصال عن العالم».

ويستعيد الصاوي تفاصيل رحلته، قائلًا: إن صعوبة الطريق الجبلي وحدها كانت مؤشرًا على خصوصية المكان وتميزه، لافتًا إلى أن النزل «معلّق فعليًا على حافة الجبل». ويضيف بإعجاب: «أكثر ما أبهرني هو كيف تم إيصال مواد الترميم إلى هذا الموقع الصعب، وكيف تحول المكان إلى مساحة هادئة تنفصل فيها تمامًا عن العالم، وسط هواء نقي وسكون تام».

ويصف الصاوي الليل في «وجمة» بأنه تجربة بحد ذاتها، حيث يسود الهدوء الكامل، وينام الزائر تحت سماء مرصعة بالنجوم، بينما يبدأ الصباح بإيقاع طبيعي مختلف، مع خرير الفلج، وأصوات العصافير، ونسمات الجبال الباردة. ويختتم حديثه بالإشارة إلى لقائه بأهالي «وجمة» ومشاركته لهم تجربة السباحة في «لِجل الملح»، معتبرًا أنها لحظة استرخاء استثنائية وتجسيد حقيقي للانفصال عن صخب المدن والعودة إلى الطبيعة.