عمان اليوم

"الطلبات" خدمة متنامية تتطلب انضباطًا في المسارات.. ومستخدمو الطريق يدعون إلى حلول تنظيمية

 


فرض الانتشار المتزايد لدراجات توصيل الطلبات واقعًا مروريًّا جديدًا في الطرق الرئيسية والفرعية وحتى في الأحياء التجارية والسكنية، مع تنامي اعتماد الأفراد على خدمات التوصيل اليومية، الأمر الذي جعل تنظيم حركة هذه الدراجات وسلوكيات قيادتها مسؤولية مشتركة بين الجهات المختصة وشركات التوصيل ومستخدمي الطريق. ولا تكمن الإشكالية في خدمة التوصيل ذاتها، فهي أصبحت جزءًا من نمط الحياة اليومية، وأسهمت في تسهيل الحصول على الطلبات وتقليل بعض الرحلات بالمركبات الخاصة، في حين تطرح بعض الممارسات المرورية غير المنضبطة، مثل الانتقال المفاجئ بين المسارات، والوقوف العشوائي أمام المطاعم، واستخدام الهاتف أثناء القيادة، والسير البطيء في مسار التجاوز، تحديات تتصل بسلامة الطريق وانسيابية الحركة.
وفي استطلاع أجرته 'عمان'، أشار مستخدمون للطرق إلى أن معالجة هذه التحديات ترتبط بمنظومة حلول متكاملة، تشمل تدريب السائقين، ومتابعة الشركات لأدائهم، وتوفير مواقف ونقاط توقف منظمة، ورفع الوعي المروري لدى السائقين وقائدي المركبات، بما يحافظ على استمرار الخدمة ويحد من مخاطرها.


مواقف يومية
وفي هذا السياق قال الوليد بن محمد الهنائي عن موقف تعرض له: 'قبل أشهر تعرضت لموقف ما زلت أتذكره جيدًا، كنت أدخل أحد الدوارات في العامرات، وكان سائق دراجة توصيل يسير بمحاذاة سيارتي خارج مسار الطريق، بين الخط الأصفر والرصيف ، وأثناء دخوله بمحاذاة المركبة اصطدم صندوق التوصيل المثبت على الدراجة بمرآة سيارتي الجانبية، ما أدى إلى سقوطه على الأرض'. وأضاف: 'ولله الحمد، لم يتعرض السائق إلا لإصابة طفيفة، بينما تعرضت مرآة سيارتي للكسر. اتصلت بشرطة عُمان السلطانية للإبلاغ عن الحادث، وأثناء انتظار الدورية طلب مني سائق الدراجة السماح له بالمغادرة، فوافقت بعد أن اطمأننت على حالته، وغادر قبل وصول الشرطة، ثم أخبرت الشرطة بما حدث'.
ويقول الهنائي: إن هذه الحادثة تؤكد أن قيادة بعض دراجات التوصيل خارج المسارات المخصصة، أو في المساحات الضيقة بين المركبات والرصيف، تشكل خطرًا على الجميع حتى لو كانت السرعات منخفضة، مشيرًا إلى أن المطلوب هو التزام سائقي الدراجات بقواعد المرور، وتكثيف التوعية والرقابة، بما يحفظ سلامة السائقين ومستخدمي الطريق جميعًا.
من جانبه، تحدّث عبدالعزيز بن زاهر العبري عن موقفه، قائلًا: 'من المواقف التي تعرضت لها شخصيًّا أن أحد سائقي دراجات التوصيل التابعة لشركة طلبات كان يقود في مسار التجاوز على شارع عام بسرعة منخفضة جدًا، بينما كانت هناك شاحنة تسير في المسار الآخر. وصل الأمر إلى أن الشاحنة أصبحت أسرع منه وتجاوزته، واضطر معظم قائدي المركبات إلى تجاوزه من المسار الأيمن، وهو تصرف غير اعتيادي ويزيد من احتمالية وقوع الحوادث ويعرض الجميع للخطر'. وأضاف: 'المشكلة ليست في استخدام الدراجة بحد ذاته، وإنما في عدم الالتزام بآداب استخدام المسارات. فمسار التجاوز مخصص للمركبات التي تسير بسرعة أعلى لتجاوز غيرها، وليس للسير البطيء، لأن ذلك يربك حركة المرور ويدفع السائقين لاتخاذ قرارات قد تكون غير آمنة'.
تنظيم المواقف
وتناول فهمي بن عبدالله المسكري أهمية تنظيم عمل سائقي دراجات توصيل الطلبات، موضحًا أن ذلك يتطلب توفير مظلات كبيرة في المواقف المخصصة لهم، خصوصًا مع طبيعة عملهم اليومية في مختلف الظروف الجوية، مشيرا في الوقت ذاته إلى أهمية عدم ضغط الشركات على السائقين بسرعة تسليم الطلبات بما قد يدفع بعضهم إلى تجاوز قواعد المرور.
وترى سارة بنت حسيب الزعابي أن من أكثر السلوكيات التي تلاحظها عدم التركيز عند تغيير المسار، وعدم ترك مسافة أمان كافية، مبينة أن أكثر ما يسبب لها الانزعاج هو الانتقال المفاجئ إلى مسارها دون استخدام الإشارة، وأنها تلاحظ تكرار هذه التصرفات خلال الليل. وأوضحت أنها تعرضت لموقف مفاجئ بسبب توقف دراجة توصيل بشكل مفاجئ، مرجعة السبب إلى الفرملة المفاجئة وعدم الانتباه أثناء القيادة، مضيفة أن تجمع دراجات التوصيل أمام المطاعم والمجمعات التجارية يسبب أحيانًا زحمة ويعيق حركة السيارات، وأن المواقع التي تحتاج إلى تنظيم أكبر هي أمام المطاعم والمجمعات التجارية، خصوصًا الأماكن المزدحمة.
وبيّنت أن استخدام الهاتف أثناء قيادة الدراجة يشكل مصدر خطر إذا كان السائق يمسك الهاتف بيده أثناء القيادة، في حين أن تثبيت الهاتف لاستخدام الخرائط يعد أفضل وأكثر أمانًا، مشيرة إلى أن تقييم السائق ينبغي أن يرتبط بمدى التزامه المروري، لأن السلامة أهم من سرعة التوصيل.
سلوك الطريق
من جانبها ذكرت ريان بنت أحمد البلوشي أن أبرز السلوكيات التي تلاحظها من بعض قائدي دراجات التوصيل تتمثل في التجاوز في مناطق غير مخصصة للتجاوز، وعدم الانتظار في الدوارات، موضحة أن أكثر ما يزعجها هو الخروج بشكل مفاجئ في الدوار، وأن هذه التصرفات تتكرر في الأسواق، ومنها منطقة الخوض. وقالت: إن استخدام الهاتف أو تطبيقات الخرائط أثناء قيادة الدراجة يمثل خطرًا كبيرًا يؤدي إلى تشتت السائق وعدم الانتباه أثناء القيادة، ووصفت التنقل المفاجئ بين المسارات بأنه تصرف خاطئ جدًا وقد يؤدي إلى حوادث وخسائر كبيرة.
وأضافت: أن ضغط سرعة تسليم الطلبات قد يدفع بعض السائقين إلى المخاطرة، وأن من الحلول زيادة عدد موظفي التوصيل حتى يقل الضغط على الموظفين ويتم توصيل الطلب في الوقت المناسب مع الالتزام بقوانين الشارع، مؤكدة أهمية تخصيص مواقف للدراجات وربط التقييم بالالتزام المروري لا بسرعة التوصيل فقط.
حلول تنظيمية
وتتقاطع ملاحظات مستخدمي الطريق مع الجهود التنظيمية الرامية إلى ضبط قطاع توصيل الطلبات، حيث قال صالح بن عامر الحجري، خبير مشاريع بالمكتب الفني لمتابعة مبادرات التشغيل بوزارة النقل والاتصالات وتقنية المعلومات في حديثه لـ'عمان': إن تزايد دراجات توصيل الطعام يمثل تحولًا اجتماعيًّا واقتصاديًّا، في ظل تنامي اعتماد أفراد المجتمع على خدمات التوصيل لإنجاز طلباتهم بسرعة من مقار إقامتهم أو عملهم، بما أسهم في تقليل استخدام المركبات الخاصة والحد من الازدحام المروري في الطرقات.
وبيّن أن سائقي دراجات التوصيل مطالبون بالتقيد بإجراءات السلامة الشخصية واستخدام معدات الوقاية، وفي مقدمتها ارتداء خوذة رأس معتمدة ومطابقة للمواصفات، وسترات أو ملابس واقية وعاكسة للضوء لضمان وضوح رؤيتهم أمام مستخدمي الطريق، إلى جانب ارتداء قفازات سميكة وأحذية تغطي الكاحل لتوفير أكبر قدر من الحماية في حال السقوط.
ولفت إلى أهمية وعي سائقي المركبات بوجود مستخدمين آخرين للطريق، من بينهم قائدو الدراجات النارية، مع الالتزام بارتداء حزام الأمان وعدم الانشغال بالهاتف أو أجهزة المركبة أو أي مؤثرات تشتت الانتباه أثناء القيادة.
وتطرق الحجري إلى المبادرات التي تستهدف توفير بيئة عمل ملائمة لمندوبي التوصيل، موضحًا أن وزارة النقل والاتصالات وتقنية المعلومات خصصت بالتعاون مع شركة 'طلبات' نقاط توقف قصيرة لمستخدمي دراجات التوصيل في عدد من المواقع، وكان أولها في بريد عُمان بمنطقة الخوير بمحافظة مسقط.
وأوضح أن الموقع يضم أول استراحة دائمة لمندوبي التوصيل، تتكون من صالة مكيفة ومزودة بمقاعد للراحة من حرارة الصيف واستعادة النشاط، إلى جانب انتظار ورود الطلبات قبل التوجه إلى المقاهي والمطاعم، بما يحد من الوقوف أمامها وعرقلة المواقف والحركة المرورية.
وأضاف: أن شركة 'طلبات' أطلقت بالتعاون مع شركة 'مواصلات' خمس حافلات ثابتة ومكيفة لاستراحة مندوبي التوصيل، موزعة في مناطق حيوية قريبة من نطاقات عملهم، وتشمل روي وبوشر والعامرات والمعبيلة، مشيرًا إلى أن هذه المبادرات تأتي لدعم رفاهية السائقين وتوفير الحماية لهم من حرارة الصيف والأمطار والرياح الرملية.
وفي جانب تنظيم القطاع، أوضح الحجري أن وزارة النقل والاتصالات وتقنية المعلومات تنفذ عددًا من الإجراءات الملزمة لشركات التوصيل، بهدف تعزيز التوطين وضمان جودة الخدمة ومنع ممارسة المهنة دون الحصول على ترخيص، إلى جانب حماية حقوق العاملين في هذا القطاع.
وأشار إلى أن ممارسة النشاط دون ترخيص قد تسهم في الازدحام المروري، إضافة إلى ما يرتبط بها من مخاطر تتعلق بالاشتراطات الصحية وآليات حفظ الأغذية والأدوية وتسليم الطلبات، موضحًا أن السائق غير المرخص لا يخضع للفحوصات الطبية الدورية، وقد لا يستخدم الصناديق والمعدات المعتمدة لحفظ حرارة الأغذية أو برودة الأدوية، ما يعرضها للتلف ويفقدها معايير السلامة. وأضاف: أن العمل دون عقود رسمية يؤدي إلى غياب الضمانات الحقوقية في حال وقوع الحوادث أو الخلافات المالية، ويصعّب المساءلة عند تلف الطلب أو فقده أو التأخر في تسليمه، نتيجة عدم ارتباط السائق بجهة رسمية.
وذكر أن الوزارة اتخذت بالتعاون مع وزارة العمل وشرطة عُمان السلطانية عددًا من الإجراءات لتنظيم قطاع توصيل الطلبات، من أبرزها إلزام شركات التوصيل باستخدام الدراجات النارية لتوصيل الطعام بالنسبة للوافدين، والسماح للعُمانيين باستخدام المركبات في توصيل الطلبات، إلى جانب إطلاق منصة 'نقل' الرقمية لإصدار تراخيص مزاولة النشاط، وإلزام المندوبين بالحصول على تصريح معتمد من وحدة المهارات القطاعية.
ولفت إلى أن الاشتراطات تشمل منع دراجات توصيل الطعام من السير على الطرق الرئيسة وإلزامها باستخدام الطرق الفرعية، واستعمال صناديق وحافظات آمنة ومعتمدة لحفظ الأغذية، وارتداء زي موحد، والتقيد بلائحة الذوق العام، والخضوع لتدريب وقائي على قيادة الدراجات وآليات تسليم الطعام للمستهلك بصورة لائقة.
وأضاف أن شركات التوصيل أُلزمت بتركيب أنظمة تتبع إلكترونية لتعزيز سلامة السائقين وحمايتهم، ومراقبة مدى التزامهم بالسرعات المحددة في الطرق الفرعية، إلى جانب تحديد ساعات الذروة والمواقع التي تشهد كثافة وازدحامًا مروريًّا أو تأخرًا في تسليم الطلبات، والتعامل مع الحالات الطارئة التي قد يتعرض لها السائق. وأشار الحجري إلى تعمين مهنة مشرف توصيل الطعام، على أن يتولى المشرف متابعة خمسة من سائقي دراجات التوصيل والإشراف على أنظمة التتبع الخاصة بفريقه ومعالجة الملاحظات المرتبطة بأدائهم.
وأكد أن إقرار استخدام الدراجات النارية في توصيل الطعام للوافدين أسهم في تقليل الازدحام المروري في عدد من المناطق الحيوية والحد من إعاقة حركة المرور، مشددًا على أن تحقيق سرعة الخدمة يظل مرتبطًا بالالتزام بمتطلبات السلامة والضوابط المنظمة للقطاع.