أفكار وآراء

نظيرة الحارثي.. شغف يبقى للأجيال

تعتبر رياضة تسلق الجبال من الرياضات اللافتة التي تحتاج إلى شغف خاص، وروح العزيمة والمثابرة والصبر؛ كونها تُعرف بصعوبتها وخطورتها، التي تعزِّز ثقة الرياضي بنفسه ومهاراته وقدراته، فهي من الرياضات الداعمة للصحة البدنية والنفسية، وتنمية القدرات الذاتية وتعزيز روح التحدي والاستكشاف، ولذلك فإنها تعتمد على قدرة المتسلِّق ومهاراته ووعيه من ناحية، وطموحه وشغفه لتحقيق أهدافه من ناحية أخرى. 

يعود تاريخ هذه الرياضة إلى القرن الثامن عشر، عندما تمكَّن الفرنسي ميشيل غابريل باكرد، ومعاونه جاك بالمات صعود قمة جبل مون بلان (الجبل الأبيض) في مدينة شاموني الفرنسية في العام 1786م، وفازا بالجائزة التي أعلنها العالم السويسري هوراس دو سوسير في العام 1760م، بعدها نجحت الفرنسية ماري باراديس من تسلُّق هذه القمة لتكون أول امرأة تنخرط في هذه الرياضة، وهكذا بدأ المتسلقون يتوجهون إلى قمم الجبال العالية التي تمثِّل تحديا خاصة قمة ماتروهورن السويسرية، وقمم جبال الهملايا وقمة إيفريست وغيرها. 

ولقد أسهمت المرأة في ازدهار هذه الرياضة من خلال مشاركتها الفاعلة على مستوى العالم؛ حيث ظهرت أسماء ملهمة قدَّمت نفسها باعتبارها ريادية في تسلُّق أعلى قمم جبال العالم، فبعد إنجاز باراديس في العام 1808م، برزت الفرنسية هنرييت دوفيل الملقَّبة بعروس مون بلان كثاني امرأة تتسلَّق قمة الجبل الأبيض في العام 1838م، واليابانية جوانكو تابي أول امرأة تصل إلى قمة جبل إيفريست في مايو 1975م، وهي أول امرأة تكمل تسلق القمم السبع الأعلى في العالم، والبولندية واندا روتكيفيتش التي تُعد أول امرأة تصل إلى قمة جبل K2 في العام 1986، إضافة إلى الإسبانية إدورني باسابان، والنمساوية غيرليندي كالتينبرونر، والنرويجية كريستين هاريلا، اللاتي نجحن في تسلُّق القمم 14 الشاهقة في العالم. أما في الوطن العربي فهناك نماذج نسائية حفرن أسماءهن في تاريخ هذه الرياضة منهن الفلسطينية سوزان الهوبي التي وصلت إلى إيفريست في 2011، والسعودية رها محرق التي نجحت في الوصول إلى قمة جبل إيفريست في 2013، ولحقتها مواطنتها منى شهاب، التي بلغت القمة في العام 2019، وفي فبرارير 2026 أكملت الوصول إلى القمم السبع، ببلوغها إلى قمة الهرم كارستنز، والمغربية بشرى بيبانو الملقَّبة بامرأة القمم السبع؛ حيث نجحت في تسلق أعلى القمم في كل قارة بما فيها إيفريست وأنابورنا. 

ومن هؤلاء النساء اللائي سطَّرن أسماءهن في تاريخ هذه الرياضة هي العمانية نظيرة الحارثي؛ التي تُّعد من أوائل النساء في عُمان ومنطقة الخليج، اللاتي اتجهن إلى هذه الرياضة الشاقة والخطيرة، وكانت لهن جهود وطنية وإقليمية، فهي أول عمانية تحترف تسلُّق الجبال، في شغف رياضي وطموح متوهج رأت نتائجه حينما رفعت راية الوطن على رأس قمة إيفريست في العام 2019، لتنطلق بعدها إلى قمة جبل أما دابلام في جبال الهمالايا الشرقية في النيبال، التي تُعد من أشهر القمم الجبلية الخطيرة في العالم، نظرا لتلالها الشاهقة شديدة الانحدار، فقد تمكنت نظيرة من بلوغ أما دابلام في العام 2021، لتكون أول امرأة عربية تصل إلى هذه القمة. 

لقد شكَّلت نظيرة الحارثي حالة استثنائية من الطموح والشغف والصبر، الذي تتطلَّبه هذه الرياضة، ففي سبتمبر من العام نفسه اعتلت قمة جبل ماناسلو في سلسلة جبال الهمالايا، وهي ثامن أعلى قمة في العالم، تمثِّل للرياضيين تحديا ليس من حيث علوّها، إذ تعتبر أقل من الجبال الأخرى تعقيدا أثناء التسلق الصخري، ولذلك فهي مثالية للمتسلقين، إلاَّ أن طبيعتها الثلجية المتقلِّبة والاحتمالات الكبرى لحدوث انهيارات ثلجية مفاجئة يجعلها ذات خطورة عالية، وبالتالي فإنها تحتاج إلى مهارات وقدرات رياضية خاصة. إن احتراف رياضة تسلق الجبال ليست بالأمر السهل، فهي من الرياضات التي تحتاج إلى تدريب ودربة وقدرات ذاتية وشغف لا يعرف التراجع، ولعل هذا ما جعل امرأة مثل نظيرة الحارثي واحدة من أبرز المتسلقات على مستوى العالم؛ فمن يعرفها يُدرك تلك الإمكانات الشخصية التي تمثِّل جوهر نجاحها وقدرتها على الاستمرار. إنها نموذج للرياضي الذي يجعل هدفه أمام بصره، ويمضي في إصرار لتحقيقه، والمواطن الذي يصل بوطنه إلى العالم ليجعله في مصاف الدول المتقدمة. 

نظيرة الحارثي ليست رياضية شغوفة وحسب بل امرأة صنعت ما هي عليه من خلال التدريب والتمرين بلا كلل أو ملل، فعوَّدت نفسها على تحمل مشاق تسلُّق الجبال، واستعدَّت بالكثير من القوة والعزم لخوض مغامرات لم تكن لتتحقَّق لولا ذلك الصبر وتلك العزيمة؛ فكم من مرة وصلت إلى منتصف الطريق وتراجعت لأسباب خارجة عن إرادتها، لكنها في كل مرة تعاود الكرة وتقود المحاولة إلى أن تصل إلى هدفها، هكذا اعتلت في العام 2022 قمة K2 أو قمة شوغوري، المعروفة بـ (الجبل الوحشي)، وهي ثاني أعلى قمة جبلية في العالم بعد إيفريست، تقع في سلسلة جبال قراقرم في باكستان، وهو إنجاز عالمي لما تمثِّله هذه القمة من أهمية في حياة الرياضيين، كونها من أخطر الجبال وأصعبها، فهي هرم صخري وجليدي شاهق، يحتوي على أخطر ممر شديد الانحدار في العالم، وطقس شائع بكثرة العواصف الثلجية والرياح العاتية المفاجئة. 

إن الوصول إلى قمم هذه الجبال الشاهقة في مثل تلك الظروف يُعد نصرا ليس فقط للرياضي المتسلِّق بل أيضا لوطنه، ولذلك فإن نظيرة الحارثي تمثِّل أنموذجا وأيقونة للعزيمة والإصرار والتحدي، ليس للمرأة العمانية وحسب بل للعماني القادر على بلوغ أهدافه، وتحقيق طموحاته، والوصول إلى ما يمثِّل وطنه خير تمثيل. لقد كانت نظيرة حالة من الإنسان المسكون بشغفه، الذي يشعر بعمق المسؤولية الملقاة على عاتقه، لذا فإنها في قيادتها للاتحاد العُماني للرياضة المدرسية، تنظر إلى كل رياضي صغير بوصفه مشروعا رياضيا واعدا. 

ففي ختام دوري الألعاب الجماعية 2026، وهي تتأمّل مهارة اللاعبات اللاتي جئن من المحافظات المختلفة وتشجعهن، قالت لي: (في جوهر كل لاعبة من هؤلاء شغف، يحتاج إلى دعم). هكذا كانت نظيرة تقود الرياضة المدرسية، فهي تعرف معنى الشغف، وتلتقط الوهج الذي يسطع من الموهبة، محاولة القبض عليه والانطلاق نحو تعزيزه وتمكينه، فلأنها رياضية متمرِّسة، صنعت نفسها واستثمرت في جهدها وتبعت الوهج الداخلي الذي يسطع أمامها، تعرف الحاجة إلى الدعم، والتمكين، فالطموح وحده لا يكفي إذا ما كان هناك بيئة محفِّزة داعمة قادرة على صناعة الرياضي. لقد كانت نظيرة الحارثي حالة متفرِّدة من النضج والوعي والقدرة على بناء الذات، وتحقيق الأهداف، والسعي من أجل الوصول إلى الغايات؛ فحتى فجيعتنا بنبأ وفاتها قبل أيام قليلة إثر حادثة انهيار ثلجي هائل، أثناء محاولة صعودها مع فريقها قمة برود بيك في سلسلة جبال قراقرم الوعرة في شمال باكستان على الحدود الصينية، فإنها تمثِّل النموذج المثابر، الذي يحاول في كل مرة بلوغ غاياته، وينطلق إلى هدفه حاملا الكثير من الأمنيات والعديد من الاحتمالات، فهذه الرياضة رغم الاستعداد والتدريب محفوفة بالمخاطر الخارجة عن الإرادة، كونها مرتبطة بطبيعة المنطقة وجغرافيتها. 

فعلى الرغم من أن هذه القمة تصنف بأنها القمة الثانية عشرة بين أعلى القمم الجبلية في العالم، والتي تُعد في عالم هذه الرياضية بوابة الاستعداد لصعود قمة K2، إلاَّ أنها ذات خطورة عالية بسبب التغيُّر المناخي خاصة في السنوات الأخيرة، مما يجعلها عرضة للانهيارات الثلجية الهائلة المفاجئة، لذا فإن فجيعة وفاة نظيرة الحارثي وبعض زملائها وفقدان بعضهم الآخر، لم يكن ناتج عن قلة الاستعداد أو الاحترافية، فهذا الفريق الدولي يضم أساطير هذه الرياضة من بينهم نيرمل بورجا المعروف بـ (نيمز)، المصنف بوصفه أحد أعظم الأساطير المعاصرين في تاريخ رياضة تسلق الجبال. لقد رحلت نظيرة الحارثي وهي في أوج تألقها ووهجها، رحلت وهي أنموذج للمرأة العمانية الرائدة، التي صنعت تاريخا عظيما لا يُقاس بالسنوات بل بما سطَّرته عالميا في سرديات هذه الرياضة الشاقة، وما قدمته محليا للرياضة العمانية وللرياضيين، وما كشفته لنا من عالم يحتاج إلى الإصرار والتحدي والعمل المثابر لبلوغ الغايات، إنها نظيرة القائلة (لقد دفعتُ الكثير لأتعلم كيف أكتفي بالقليل). 

د.عائشة الدرمكي باحثة متخصصة فـي مجال السيميائيات وعضوة بمجلس الدولة.