ثقافة

خواطر "أوديسية": البحث عن الأب المفقود

 

(1)
..... وما زلنا في هذه الحلقة من (مرفأ قراءة) مع الأصداء المدهشة لفيلم «أوديسي» لكريستوفر نولان، الذي ما زال يستحوذ -حتى كتابة هذه السطور- على اهتمام الملايين ومشاهداتهم في كل أنحاء الأرض، وما زال يحصد الإيرادات الفلكية، والأرقام المذهلة، لكن الأهم فعليًّا من وجهة نظر كاتب هذه السطور حالة 'الإحياء' الأدبي والمعرفي والثقافي التي تتصل بموضوع الفيلم، وأبطاله وحواراته مع إنطاق المسكوت عنه أو المضمر (بلغة النقد الحديث) في هذه المشاهد والحوارات..
وإذا كان الفيلم كله مَداره رحلة عودة 'أوديسيوس' إلى مملكته إيثاكا، وإلى زوجته الوفية الجميلة 'بينلوبي' وابنه الذي تركه رضيعا 'تليماكوس'، فإن الفيلم أيضا قد استعرض رحلة عكسية (خارجية وداخلية معا) بعد أن صار الرضيع شابا في العشرين من عمره؛ يتساءل عن والده وعن مصيره الغامض وعن حقيقته.. وهل سيعود أم لا؟
كل هذه الأسئلة، وما اتصل بها شكل رحلة بحث تليماكوس عن والده؛ والارتحال إلى ممالك وجزر يحكمها من شاركوه الانتصار على طروادة لكنهم جميعا عادوا إلا 'أوديسيوس'..
إنها رحلة موازية للبحث عن الأب المفقود؛ وترميم صورته المشوشة، واستعادة قيمته الرمزية والإنسانية بأي شكل كان..
وإذا كان الفيلم لم يجسد فقط رحلة 'أوديسيوس' بطل الملحمة الشهيرة «الأدويسة» في العودة إلى دياره بعد الانتصار على طروادة واقتحام أسوارها المنيعة، إنما أيضًا عالج عدة رحلات مجازية أخرى داخل وجدان أبطال الفيلم، فضلا على رمزية الرحلة الفرعية الأخرى التي قرر الابن 'تليماكوس' أن يخوضها بحثا عن والده الغائب وبحثا عن قيمته ورمزيته، وما إذا كان بطلا فعلا أم غير ذلك.. فإننا هنا بإزاء معالجة خاصة جدا لموضوع أثير من أهم وأبرز الموضوعات التي عالجتها الأساطير اليونانية..
بهذه الرحلة أصبح الفيلم متعرضًا بشكل مباشر للعلاقة بين الابن والأب في الأساطير اليونانية والأدب الإغريقي عمومًا. فماذا تخبرنا الأساطير (ويخبرنا الفيلم تحديدا) عن هذه العلاقة الإشكالية الخاصة؛ علاقة الآباء بالأبناء في الملاحم اليونانية القديمة؟
(2)
يؤكد أستاذ الكلاسيكيات المعروف جويل كريستنسن، بصفته باحثاً في الأساطير والملاحم اليونانية القديمة، أن الأساطير اليونانية سلطت الضوء على العديد من اللحظات في العلاقات بين الأب والابن، وأن هناك لحظتين اثنتين 'محددتين' تمثل أقوى اللحظات الأبوية في الأدب اليوناني؛
ففي نهاية قصيدة هوميروس الكلاسيكية، 'الإلياذة'، يتوسل بريام، ملك طروادة، لقاتل ابنه، أخيل، لإعادة جثة هكتور، أعظم محارب في المدينة؛ لدفنها. وبمجرد أن ينحي أخيل غضبه الشهير جانباً ويوافق، يبكي الاثنان معاً قبل أن يتقاسما وجبة، ويرثي بريام فقدان ابنه، بينما يفكر أخيل في أنه لن يرى والده مرة أخرى.. هذه هي اللحظة الأولى في (الإلياذة).
أما اللحظة الثانية؛ فكانت في الكتاب الأخير من ملحمة (الأوديسة)، حيث جمع مؤلفها بين الأب والابن بعد عشر سنوات من الحرب والعديد من الأسفار في البحر، حيث يعود أوديسيوس إلى الديار ويمر بسلسلة من لقاءات لم الشمل، تنتهي مع والده لارتيس، قبل أن تكلل بلم الشمل الأخير والنهائي بين 'أوديسيوس' وابنه الصغير 'تليماكوس'.
ومع ذلك، فعندما يلتقي أوديسيوس بوالده، فإنه لا يحييه على الفور. وبدلاً من ذلك، يتظاهر بأنه شخص قابل أوديسيوس ويكذب بشأن مكانه. وعندما يبكي لارتيس على استمرار غياب ابنه، يفقد أوديسيوس السيطرة على عواطفه أيضًا، ويصرخ باسمه لوالده؛ لكنه لا يصدقه. ثم يكشف عن 'ندبة' حدثت له عندما كان طفلاً، ويظل لارتيس متشككاً فيه؛ لكن بعد ذلك يشير أوديسيوس إلى الأشجار في بساتينهما، ويبدأ في سرد أعدادها وأسمائها، كما كانت في القصص التي رواها له لارتيس عندما كان صغيرًا.
(3)
منذ زمن أرسطو، شكك المترجمون الشفويون في الكتاب الأخير للأوديسة. بينما تساءل البعض عن سبب قسوة أوديسيوس تجاه والده، بينما تساءل آخرون حتى عن سبب أهمية لمّ الشمل. ولماذا نقضي وقت السرد الثمين في الحديث عن الأشجار، في حين أن الجمهور ينتظر سماع ما إذا كان أوديسيوس سيعاني على أيدي الأسر التي قتل أبناءها؟!
يحتل الآباء مكانة كبيرة في الأساطير الإغريقية؛ فهم الملوك والنماذج التي يُحتذى بها، وفي كثيرٍ من الأحيان تحديات يجب التغلب عليها.
وفي الملاحم الإغريقية، يكون الآباء هم علامات الغياب والتفكك. فعندما علم أخيل أن صديقه، باتروكلوس، قد مات في 'الإلياذة'، بكى وقال إنه تخيَّل دائماً أن يعود أفضل صديق له إلى الديار، ويقدم ابن أخيل، نيوبتوليموس، إلى والد أخيل، بيليوس.
ولعل أكثر لحظات هكتور، أمير طروادة، إنسانية هي عندما يضحك على صرخة ابنه المذهول لرؤية درع والده الملطخة بالدماء؛ حيث يمثل حزن بريام على فقدان هكتور حزن جميع الآباء المحرومين من الأطفال الذين توفوا قبل الأوان. فعندما سمع بوفاة ابنه، سجد على الأرض، وأهال على رأسه التراب وبكى؛ حيث تنذر عذوبة ضحكة هكتور بألم والده المرير.
وفي اللغة اليونانية كلمة 'نوستوس' أو العودة إلى الديار، تعني أكثر من مجرد العودة إلى مكان؛ إنها استعادة الذات، ونوع من العودة إلى عالم الأحياء، ففي نظر أوديسيوس، فإن هذا يعني العودة إلى ما كان عليه قبل الحرب، ومحاولة التوفيق بين هويته كملك، ومحارب مخضرم يعاني، ورجل له زوجة وأب، فضلاً عن ابنه ذاته.
(4)
ويحقق أوديسيوس 'النوستوس' الخاص به من خلال سرد القصص والاستماع إليها. وكما يشرح علماء النفس المتخصصون في العلاج السردي، فإن هويتنا تتألف من القصص التي نرويها، ونؤمن بها عن أنفسنا. إن القصص التي نرويها عن أنفسنا تحدد كيف نتصرف في العالم.
وقد أظهرت الدراسات النفسية كيف أن فقدان الشعور بالقدرة على الفعل، أو الاعتقاد بأننا قادرون على صياغة ما قد يحدث لنا، من شأنه أن يبقينا محاصرين في حلقات من التقاعس عن العمل، ويجعلنا أكثر ميلاً إلى الاكتئاب والإدمان.
كما أن ألم فقدان أحد أفراد الأسرة يمكن أن يجعل أي شخص يشعر بالعجز. وفي السنوات الأخيرة، قام الباحثون بدراسة كيف أن الحزن العميق أو المعقد -حالة الحداد المستمرة والمتفاقمة- يمكن أن يقلب الحياة ويغير الطريقة التي يرى بها الشخص نفسه في العالم. ومن ثمَّ يتولد المزيد من الألم من الأشخاص الآخرين الذين لا يعرفون قصصنا، ولا يعرفون مَن نحن حقاً.
وقد أظهر علماء النفس أنه عندما لا يعترف الناس بحالاتهم العقلية أو العاطفية، فإنهم يتعرضون إلى 'الإعاقة العاطفية' التي يمكن أن تكون لها عواقب عقلية وجسدية سلبية من الاكتئاب إلى الألم المزمن. فأوديسيوس لم يتعرف على المناظر الطبيعية لجزيرته 'إيثاكا' عندما وصل لأول مرة، وقد احتاج إلى الخوض في عملية لمّ الشمل والمراقبة أولاً؛ ولكن عندما يخبر أوديسيوس والده بقصص الأشجار التي اعتنيا بها معاً، فإنه يذكرهما بقصتهما المشتركة والعلاقة والمكان الذي يجمعهما معاً.
(5)
تعلمنا 'الأوديسة' أن المنزل ليس مجرد مكان مادي؛ بل هو المكان الذي تعيش فيه الذكريات؛ إنه تذكير بالقصص التي شكلتنا. وتنتهي 'الأوديسة' بوقوف لارتيس وأوديسيوس جنباً إلى جنب مع الجيل الثالث، 'تيليماكوس' الصغير. وبطريقةٍ ما، يحصل أوديسيوس على النهاية الخيالية التي لم يكن بوسع أخيل أن يتخيلها لنفسه، وهي أن يقف في منزله بصحبة والده وابنه.
إنها تعلمنا أننا نتشكل من قِبل الأشخاص الذين يعرفوننا والقصص التي نتشاركها معاً. وعندما نفقد أحباءنا، نخشى ألا تكون هنالك قصص جديدة تُروى؛ ولكن بعد ذلك نجد القصص التي يمكن أن نرويها لأطفالنا.
(وللحديث بقية)..