أعمدة

بلا هوية..

يحتكم البعد الأخلاقي عند الإنسان إلى كثير من المعززات، وهذه المعززات في تقييم الكثيرين أنها قائمة على عدة عوامل: فطرية، أسرية، تهذيب (صناعة) تراكم خبرات، تجارب ومواقف، محفزات آنية (مصلحة) دينية، اجتماعية، عرقية، جذرية (متوارثة) هوية (قومية) فقر، غنى، حيث ينطلق كل من يختار محددا من هذه المحددات بناء على فكرة متداولة، أو مشاهدات آنية، أو مواقف مؤقتة، ولذلك فالذين ينحازون إلى هذه الصور أو جزء منها للحكم على البعد الأخلاقي، كثيرا ما يتراجعون بعد فترة، انعكاسا لمواقف تتناقض والحقيقة التي بنوا عليها قناعتهم، وحاربوا من أجلها زمنا معينا، وهذا ما يؤكد على أن البعد الأخلاقي الذي يتقاسمه الناس على امتداد الكرة الأرضية ليس له هوية محددة يمكن الرجوع إليها عند التقييم، ولذلك عايشنا، ولا نزال، مشاهدة الحشود المستنفرة في مشارق الأرض ومغاربها، وانعكاسا لعمليات الإبادة التي يقوم بها «الصهيوأمريكي» في غزة وفلسطين عموما، مع توسع ذلك في أقطار أخرى، واللافت للنظر هنا أن هذه الحشود المستنفرة لا تنتمي إلى الهوية العربية المسلمة بصورة مطلقة حيث تقع فلسطين، بينما ظهرت الصورة باهتة في الوطن العربي الأم إلا الاستثناء وهو قليل جدا، نتيجة ضغوطات سياسية، وحسابات المصالح الخاصة للأنظمة السياسية التي لم ولن تسمح بحرية الشعوب في التعبير عن آرائها فيما يحدث، وهذا مثال ليس مقصودا لذاته.

ولأن المسألة نسبية بالدرجة الأساس حيث يصعب الاحتكام إلى أي عامل من هذه العوامل حكما مطلقا، فإن المسألة الأخلاقية قابلة للنقاش، وقابلة لنقض كل القناعات التي يؤمن بها فلان من الناس بخلاف فلان من الناس آخر، ذلك لأن المسألة مرتبطة كثيرا بالفطرة الإنسانية، ولأن الفطرة يصعب تحجيمها أو إلصاقها بآخر دون غيره، ولهذا فإن المسألة الخلقية ستبقى محل تساؤلات وحيرة لدى من يتقصى الورقة الاجتماعية في هذا الجانب، وهي الورقة المنبثقة من النظرية الاجتماعية الكبرى.

هل يعي الجميع هذه الحقيقة؟ أتصور، لا، ولذلك تأتي ردات الفعل مندهشة من تصرف فلان من الناس في موقف معين، يناقض تصرفه في موقف سابق، ويربط هذا التصرف بالامتداد الطبيعي لأسرة هذا الفرد، أو قبيلته أو دينه، أو عرقه، أو هويته الكبرى على سبيل المثال (عربية، أعجمية) وهذا الإدراك غير المكتمل في تقييم الحالة يعود لردات الفعل الفورية، فالناس في اشتغالاتهم اليومية قد لا يجدون الوقت للوقوف على هذه المسألة مع أهميتها في التقييم، وفي التصنيف أيضا.

يهتم البعض من الناس بهذا الجانب، خوفا من تصدع العلاقات القائمة بينهم، وهذا الخوف، أيضا، لا يمكن أن يلصق بهوية معينة، أو دين، أو عرق، أو قومية، الجميع، بلا استثناء يقلقهم حدوث أي خرق في البنيان الأخلاقي، وإنما تأتي هذه الانتماءات بناء على قناعات المنتمين إليها لا أكثر، فالعربي المسلم يهمه أن تكون سلوكياته متوافقة مع القيم العربية الإسلامية، ويفتخر بذلك عندما تعكس تصرفاته وفق القيم السامية، والقيم السامية لا يختلف عليها أحد عربيا كان أو أعجميا.

كما هو الحال عندما تكون التصرفات والسلوكيات المتناقضة مع هذه القيم، وقد جمعتني لقاءات مصادفة مع أناس غير عرب وغير مسلمين أيضا، وعندما كان الحوار يدور حول القيم السامية التي لا يختلف عليها اثنان كنت أقرأ في تعاطيهم مع المسألة ذلك الأسف الكبير لما آلت إليه حالات الجيل من التراجع الكبير عن قيم من سبقوهم، لذلك أجزم تماما، وكقناعة شخصية، أن القيم الإنسانية السامية ليست لها هوية محددة تنتمي إليها، وإنما هي مشروع إنساني ممتد، خاضع لذات الفرد دون انتمائه لدين، أو عرق، أو قبيلة أو أسرة، وإنما تأتي هذه المفاهيم والمعاني باعتبارها محفزات داعمة في حالة قدرة الذات على توظيف خلق سام معين، والتعاطي به مع الآخر.