فهم فلسفة الحياة من منظور العمر
الجمعة / 16 / صفر / 1448 هـ - 19:56 - الجمعة 31 يوليو 2026 19:56
بعضنا يدعي بأنه يستطيع أن يلخص لك الحياة وما فيها في بضع سطور قليلة، لكن ما إن ينتهي من حديثه يكتشف بأنه قد نسي فصولًا وأبوابًا لا تزال مغلقة، لم تُفتح ليعرف ما تخبئه خلفها الحياة!
فهم الحياة بكل تفاصيلها أمر مرهق وطريق طويل، وينبوع متجدد، فكلما تنتهي من شيء يظهر لك شيء آخر، ربما تمسك ببعض الخيوط وتتحكم في تفنيدها بعمق، لكن هناك أمورًا أخرى لا تزال مخفية ومجهولة أمامك.
في كل محاولة لفهم الحياة، تنكسر أمام عينيك بعض الأشياء التي كنت تحلم بها، مثل الأمنيات والتوقعات، وتدرك بأن فهم الحياة ليس من السهولة كشف أسرارها وأبعادها بدقة متناهية، فكل موقف أو حدث يترك أثره في النفس والذاكرة معًا، وتظل محتاجًا لفهم أعمق وقدرة على الاستكشاف لما هو أبعد من عقلك.
إذا كنا في عصر الذكاء الاصطناعي، والانجراف الحاد نحو استخدام أدواته، فلك خيار أن تمنحه الإذن في تلخيص الحياة في جمل قليلة، ستجده يخبرك بأن الحياة هي عبارة عن بداية ونهاية، دون أن يشبع رغبتك في المعرفة.
يتهم البعض الحياة بأنها قد سلبت منه عمره وطاقته، فالعمر هو الشيء الوحيد الذي ينمي قناعاتك حول الدنيا وما فيها من محفزات ومثبطات، لكن شظايا تقدم العمر قد تتجلى أكثر عندما تمر بمرحلة وتنسحب من أخرى.
المفاجآت قد تكسر قواعد لعبة الحياة، فتتناثر من حولك الأشياء الصامتة، وقد لا تهتم بأمور معقدة، فالسهولة هي من تمنحك اتخاذ القرار السريع والسهل لاستيعاب بعض المواقف التي حدثت من حولك، وبالتالي تمنحك رأيًا مخالفًا عن الرأي الذي اعتقد الآخرون بأنه الصواب.
ربما لن تهتم كثيرًا في حتمية مرور الزمن، ولا تشغل ذهنك به، لكن في مرحلة ما تصبح مثقلًا بالأوجاع الماضية، وقدمك في الدنيا تجرها بصعوبة، هنا أصبح الوقوف جبريًا وليس اختيارًا لفهم معنى الحياة!
هذا الوقوف في منتصف الطريق عبارة عن محاسبة للنفس، وتارة هو تأسف على ما فات من وقت، واسترجاع لأحداث لم تعد حاضرة أو مهمة بالنسبة لك، لكنها تشكل حيزًا في ذاكرتك.
عندما تستفيق من جلد الذات، ترى بأن ما قد مضى لن يعيد شيئًا من القوة المفقودة، أو يصلح بعض القرارات الخاطئة، لكن الثابت أمامك هو أن هذه الاستراحة ستجعلك ترى الحياة بعين 'الحكيم' الذي يرنو دائمًا لتكملة ما تبقى من المشوار بهدوء العزلة.
في هذه المرحلة من التجلي والتعقل والتفكر، يكتشف الإنسان -الذي سرق الزمن منه عمره- أسرارًا لم يكن يرغب في معرفتها في مرحلة ما من حياته، لذا لم يمنحها الوقت الكافي لتظهر أمامه على أنها محور مهم في تكوينه العقلي، على أقل تقدير.
لذا يكتشف الإنسان بأنه لم يسيطر على مشاعره تجاه نفسه في بعض الأوقات، وحتى الآخرون من حوله لم يحسن اكتشاف ما يخفونه أو يضمرونه تجاهه، لذا عندما يخيب ظنه بهم يتهم الحياة بأنها جعلته يقابلهم.
بعض الناس ينشغل كثيرًا في إطفاء الشموع، مبتهجًا بأنه أصبح قادرًا على القفز فوق عجلة الزمن، فرحًا بعيد ميلاد يستنزف من عمره سنة كاملة، بدون أن يحقق شيئًا يُذكر!
إذا كان كل إنسان منا يحمل في داخله مقبرة صغيرة، يدفن فيها ماضيه وحاضره ومستقبله، فإن تلك القبور هي ذاتها التي تتسع لدفن أحلامه التي لم تكتمل، حتى وإن لم تعد سوى سراب يغطيه الضباب.
في مقبرة الأرواح، هناك أشخاص أعزاء لم يغادروا الذاكرة، رغم أن رفاتهم قد اندثرت مع تراب الأرض، وما قالوه يومًا من كلمات لا تزال تسمع صداها الباقون على سلالم العمر.