عندما تكون مكروهًا!
الجمعة / 16 / صفر / 1448 هـ - 19:55 - الجمعة 31 يوليو 2026 19:55
من عجائب الزمن، أن البعض يتعمد أن يكون شخصًا 'مكروهًا' لدى الآخرين، إما بأقواله الذميمة، أو أفعاله النكراء، ومن الغرائب في ذات الوقت أنه يرى نفسه شخصًا 'منزهًا عن الخطأ'، أو مختلفًا عن الآخرين، لا يعترف مطلقًا بحتمية الخطأ والصواب!
تجده لا يستكين في مكانه، ولا يترك شاردة ولا واردة إلا ويقحم نفسه فيها، يتبع أسلوب اليسر أمام القطيع، لكن لا يتبعه إلا من هم على شاكلته.
من المثير للضحك أن بعض هذه الفئة يعتقد بأن الوصف القريب إليه، والمحبب إلى قلبه، وصفه بأنه شخص 'مجنون'!
لكنه ليس مجنونًا بقدر ما هو سيئ الأخلاق، وطارد لمعنى المعاملة الحسنة والصفات الحميدة التي أمرنا أن نتمسك بها في تعاملاتنا مع الناس.
لسنا نبالغ في توصيف مثل هذه النماذج المؤذية التي ترى في نفسها 'صفة الكمال والتمام، وأن الأخطاء لا تقترب من ذاتها'، إنهم أشخاص أشقياء؛ لأنهم لا يأمنون من غدر الزمن، وتساقط الوجوه من حولهم مع أول امتحان صعب يُعرَض عليهم.
القصة لا تنتهي عند هذا الحد، فمثل هؤلاء الأشخاص لا يراجعون أنفسهم، ولا يخشون من تقلبات الزمن أو عقاب منتظر، هم لا ينظرون إلى من سبقهم، والحال الذي وصلوا إليه، ولا يجدون في البحث عن الأشياء التي يمكن أن تخيفهم أو تردعهم عن جلد الآخرين بعصا الحقد والحسد والبغضاء، ونشوء العداوات مع الغير بدون وجه حق!
كراهية الناس لنا لا تأتي من منبع واحد، فالمواقف هي المحك الذي يجعل الناس يصيبون الأهداف المعلقة بدقة متناهية، حتى ولو من مسافة بعيدة، إذا كانت نظرة الآخرين إليك على أنك 'شخص متكبر'، فعليك أن تبحث عن ترياق يعيد إليك رشدك، فالتواضع من سمات الكبار.
بعض الأخطاء تكشف عما يخبئه الشخص في جوفه من سواد تجاه الآخرين، فرب هفوة كشفت الكثير من الأسرار المخفية، فالذين يقولون بأن الناس تتغير مع الوقت هم أشخاص مخطئون، ما ظهر لاحقًا هو نتاج حقيقي للصورة التي تأخر ظهورها إلا مع المواقف.
لذلك نرى أن بعض خبث الناس لا يظهر في وقت سريع، ولكن ربما تطول المدة، ولهذا يُصدم البعض أن الشخص الطيب الذي كانوا يرون منه الابتسامة العريضة هو شخص خبيث ومتآمر على الضعفاء، وكل الصفات الذميمة التي يخفيها قد ظهرت مع الوقت.
الصفحات البيضاء لا تظل على حالها، فعندما ينسكب عليها الحبر الأسود يختفي البياض، فمهما حاولت إزالته، لا بد أن يعلق بالورقة شيء من الأثر، كذلك البشر، تجد وجوههم ضاحكة باسمة، بينما أفعالهم وما يضمرونه في قلوبهم أحلك من ليلٍ ماضٍ.
صناعة الكراهية، في نظري، مجرد قرار 'فردي'، لذلك بعض الأشخاص يُنصح بعدم الاقتراب منهم، والمسافات القريبة تعد بمثابة إنذار خطر، فلماذا نردد دائمًا: 'فلان ليس له صاحب ولا خليل يُذكر'!؟
ربما الكثير من الناس لاحظ أمرًا غريبًا يحدث معهم، وهو قابلية التحول عند البشر من حالة إلى أخرى، بمعنى تجده معك في مرة، وضدك في ألف مرة.. يبدو أن الصورة اقتربت من الإيضاح، أمثلة كثيرة نقرأ عنها في منابرنا الإعلامية، ونسمعها من أصحاب الخبرة والعقل، ترشدنا بأن البعض يتركك لمجرد موقف واحد، بينما المواقف الماضية تشهد لك بأنك شخص رائع، لكنه لا يلتفت إلى ما قد مضى!
إذن نحن من نصنع الكراهية في نفوس الغير، ونحن من نغذي أشجارها وحشائشها السامة، لنبقى أشخاصًا مذمومين ومحاربين من الغير بسبب تصرفاتنا وأسلوبنا الذي يخرجنا للعلن على هيئة بشر غير طبيعيين.