الاقتصادية

هل يمكن للعالم الاستفادة من سعي الصين لتأمين الغذاء؟

 

كريون بتلر – المعهد الملكي للشئون الدولية

ترجمة قاسم مكي

قلّل التحولُ الاقتصادي اللافت للصين خلال العقود الأربعة الماضية نسبة سكانها الجوعى بشدة من 30% في عام 1980 الى أقل من 2.5% حاليا. حدث ذلك جزئيا بتأمين حصولها على وسائل شراء ما لا تستطيع انتاجه بنفسها من الغذاء ومُدخلاته. واليوم الصين أكبر مستورد زراعي في العالم. فقد استوردت 60% من واردات فول الصويا المتداولة في العالم ونسبة كبيرة من وارداته من لحوم الأبقار في عام 2024.
مساعي الأمن الغذائي
يُعتبر الأمن الغذائي في الصين 'مركزيا' في الحفاظ على مشروعية الحزب الشيوعي الصيني. لكن يتزايد قلق الصين بشأن استمرار توافر وارداتها من الغذاء ومدخلاته بسعر مقبول. فنقص الغذاء المرتبط بالطقس وسط مجموعة محدودة نسبيا من الموردين الرئيسيين مهدِّدٌ شكَّل مصدرَ قلق منذ فترة طويلة وفاقمه التغير المناخي.
كما عززت التوترات المتزايدة مع الولايات المتحدة مخاوف الصين من مهددات مصادر امدادها الخارجية وطرق النقل.
أول خطوة اتخذتها الصين في مواجهة ذلك كانت تنويع مصادر الإمداد الغذائي وخصوصا تقليل اعتمادها على الولايات المتحدة. فقد حلت البرازيل محلها كأكبر مورِّد زراعي أجنبي (لفول الصويا ولحوم الأبقار أساسا) إلى الصين في عام 2023.
وتعكف الشركات الصينية على تشييد موانئ وبنية تحتية للسكة حديد بهدف تطوير قدرات موردين جدد وخفض التكاليف وتجنب نقاط الاختناق. فإنشاء ميناء جديد في شانكاي في بيرو وخط سكة حديد رابط بالبرازيل سيقلصان الاعتماد على قناة بنما. كما تحتفظ الصين أيضا بمخزونات احتياطية تشكل أكثر من 60% من إجمالي المخزونات العالمية للذرة الشامية وما يقارب 50% من مثل هذه المخزونات من القمح.
يتكامل مع هذه الجهود إصرارٌ متزايد بالتحول الى مزيد من الاكتفاء الذاتي في انتاج الغذاء. وتعتمد مقاربة الصين على تطوير واستخدام تقنيات جديدة وعلى التنظيم الإجرائي والدعم المالي والتنسيق بين الشركات الحكومية والخاصة. لقد تحققت سلفا تحسينات رئيسية في البنية التحتية الزراعية الصينية أدت الى تقليل الهدر وصون المياه.
استراتيجية شبيهة بالصناعة التحويلية
يرى بعض الخبراء أن استراتيجية الغذاء الصينية تشبه مقاربتها السابقة للتحول الى قيادة العالم في الصناعة المتقدمة (خصوصا منتجات التقنية الخضراء) لإحلال الواردات وتحقيق زيادة كبيرة في الصادرات.
هنالك جوانب في استراتيجية الأمن الغذائي الصينية تماثل ما حدث في قطاع صناعتها التحويلية. لكن هنالك أيضا اختلافات مهمة. فاستراتيجية الغذاء تواجه قيودا إضافية لا توجد في الصناعة. ولدى الاستراتيجية أهداف أخرى الى جانب تحقيق قدر أكبر من الاكتفاء الذاتي في الغذاء تشمل الحفاظ على توافر امداداته وتحسين مرونتها واستدامتها وصحة السكان.
قدرة الصين على تحقيق الاكتفاء الذاتي في الغذاء مقيّدة بالنقص الحاد في الأراضي القابلة للزراعة وندرة المياه. وفاقمت ذلك التنمية الحضرية والتلوث الصناعي.
ربما يكون توظيف الاستثمار والتقنية لتحسين كفاءة تصنيع وحفظ الغذاء أمرا يسيرا. لكن استخدام التقنية لتحسين الإنتاج الزراعي أشد صعوبة بقدر كبير. وأيضا تطوير مصادر بديلة للبروتين ومستساغة للمستهلكين الصينيين.
هنالك أيضا مخاطر تتعلق بتركيز انتاج الغذاء داخل حدود الصين. فالقيام بذلك يمكن أن يعرض إمداد الغذاء بقدر أكبر للصدمات المناخية. كما يمكن أيضا أن يزيد من حجم وكثافة الزراعة مما يهدد بازدياد التلوث وندرة المياه وتدهور التربة والطلب على الطاقة.
أيضا من المرجح أن يؤدي التقليل من الاعتماد على الإمدادات الأجنبية من العلف الحيواني والاستخدام المتزايد لمصادر البروتين الجديدة الى رفع أسعار الغذاء المحلية، على الأقل في الأجل القصير. ويمكن أن تكون الآثار على العلاقات الخارجية كبيرة. فخفض الواردات قد يضعف النفوذ السياسي للصين على البلدان المصدرة للغذاء فيما ستفاقم زيادة صادرات الغذاء (الى جانب الفائض الصناعي الحالي) التوترات التجارية.
وأخيرا هناك مشكلة المنافسة غير المنتجة أو الصفرية العائد. لقد ساهم تدخل الدولة الصينية في الصناعة التحويلية في إيجاد تنافس مفرط. نفس هذه المشكلة يمكن أن تؤثر على الزراعة. فاستخدام الدعم المالي لتحسين الكفاءة وتقليل التكاليف عبر الابتكار والاستثمار قد يصطدم بهدف الحفاظ على دخول المزارعين.
الآثار العالمية
إجمالا، على أية حال، يبدو أن استراتيجية الصين للأمن الغذائي ستقود حقا مع تراجع عدد سكانها في نهاية المطاف الى تدني مستدام في متوسط الواردات الزراعية والى قاعدة امدادات أكثر تنوعا. كما يلزم أن تكون هنالك مدة زمنية معقولة لكي يتكيف موردو الغذاء الرئيسيون للصين مع ذلك.
ربما تعقب ذلك عدة منافع محتملة للعالم. أهمها أن تقليل الطلب الإجمالي لواردات الصين من الغذاء يمكنه خفض إزالة الغابات في بلدان التصدير. وقد توظَّف الأراضي الزراعية المخصصة لواردات الصين لتصدير المواد الغذائية الى بلدان أخرى تتزايد فيها أعداد السكان بسرعة مثل افريقيا جنوب الصحراء. أو أن تُستخدم لإنتاج الوقود الحيوي في المستقبل والذي يمكن أن يلعب دورا مهما في التخلص من الكربون في قطاع النقل.
قد يوجِد ذلك أيضا طاقة إنتاجية إضافية ومجالا لوسائل احتجاز الكربون التي ترتكز على الطبيعة مما سيساعد في تيسير التحولات الضرورية في استخدام الأرض لتحقيق الحياد الكربوني. وقد تنعكس معايير الاستدامة المتزايدة التي تعتمدها الصين في الداخل على مشترياتها الغذائية من الخارج.
في الأثناء من المحتمل أن تطبق بلدان أخرى التقنيات المعززة التي تم تطويرها لتعزيز الاكتفاء الذاتي الصيني من الغذاء. ذلك يمكن أن يساعد في تعزيز الإنتاج ومقاومة التلوث وتقليل الهدر والتخلص من تدهور التربة وإيجاد منتجات غذائية جديدة. كما يمكن أيضا أن تسرِّع جهودُ الصين لتنويع مصادر وارداتها تحديثَ الزراعة في الأسواق غير التقليدية وتحسين الإمداد المحلي للغذاء الى جانب النمو الاقتصادي.
لكن هنالك مخاطر ليست هينة ينبغي التعامل معها. فتطوير أسواق غير تقليدية يمكن أن يفاقم إزالة الغابات إذا لم يتم تنظيمه بطريقة فعالة. وتحويل استخدام الأراضي الزراعية الى الوقود الحيوي يمكن أن يقلل من قدرة نظام الغذاء العالمي على الاستجابة للتغير المناخي أو صدمات الإمداد الأخرى. ويمكن أن يقترن انخفاض الطلب الخارجي الصيني للغذاء مع تزايد مخاطر انعكاسه سواء إيجابا أو سلبا على الأسواق العالمية. وسيكون للزيادة المفاجئة في الصادرات الصينية المدعومة بشدة ضررٌ بالغ للمزارعين في البلدان النامية.
دواعي التعاون الدولي
ما يريده باقي العالم من الصين أن يكون هنالك أكبر قدر ممكن من الاستقرار في صافي طلبها الخارجي على الغذاء بمرور الوقت والقدرة على التنبؤ به.
وهي ليست المصدر الوحيد للصدمات المحتملة للنظام الغذائي العالمي. فالإقبال المتسارع على عقاقير إنقاص الوزن عامل تغيير آخر محتمل.
لكن ضخامة حجم الطلب الصيني على الغذاء تجعله حالة خاصة. ويحتاج العالم أيضا الى حفاظ كبار منتجي الغذاء على قدرة الاستجابة بمرونة لصدمات الإمداد. ويحتاج الى استخدام الصين قوَّتَها السوقية للحث على تعزيز معايير الاستدامة الغذائية حول العالم. ستستفيد الصين أيضا من مثل هذه النتيجة. وتعزيز التعاون بين المنتجين والمستهلكين هو المسار المرجح لتحقيقها.
لقد بدأ اتخاذ بعض الخطوات مثل الحوار الذي يدور حاليا في منظمة التجارة العالمية حول وضع معايير استدامة مشتركة للتجارة في الغذاء. لكن هذه الخطوات بحاجة الى دعم سياسي أقوى وتسريعها بقدر أكبر. كما هنالك حاجة لتوسيع مجالات التعاون.
إضافة الى ذلك، تحتاج البلدان النامية منخفضة الدخل الى الحصول بشروط معقولة على التقنية الجديدة المرتبطة بالغذاء والتي تتولى تطويرها الصين وبلدان الاقتصادات المتقدمة بما في ذلك تلك التي تستخدم الذكاء الاصطناعي. ومطلوب أيضا قدر أكبر من الشفافية حول الطلب والعرض خصوصا فيما يتعلق بالدور المستقبلي لإنتاج الوقود الحيوي.
ونظرا إلى أن مخزونات الغذاء قد تلعب دورا حيويا ومتزايدا في موازنة الصدمات هنالك حاجة للمزيد من الشفافية حول مستواها وكيفية استخدامها بما في ذلك في الأزمات الغذائية.
يحرك التوترُ الجيوسياسي المتزايد استراتيجيةَ الصين للأمن الغذائي. لكن يمكن للتعاون الدولي تحويل نتائجها الى مكسب للطرفين، الصين وباقي العالم. ويجب ألا يضيع أيٌّ منهما هذه الفرصة.
كريون بتلر مدير برنامج الاقتصاد الدولي والتمويل بالمعهد الملكي للشئون الدولية (شاتام هاوس)