المدن في مواجهة النزعة الاستبدادية
ترجمة - نهى مصطفى
الخميس / 15 / صفر / 1448 هـ - 20:19 - الخميس 30 يوليو 2026 20:19
منذ عودته إلى منصبه، شن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب حملة على المدن الأمريكية، شملت نشر عناصر من إدارة الهجرة والجمارك (ICE) والحرس الوطني في عدد من المدن، وسحب مليارات الدولارات المخصصة للبنية التحتية، وتقليص أو التهديد بإلغاء تمويل برامج الإسكان، ومكافحة التشرد، والغذاء، والطاقة، والرعاية الصحية.
رغم أن استهداف المدن ليس مألوفًا في الولايات المتحدة، فإنه سمة متكررة لدى القادة غير الليبراليين حول العالم، الذين يرون في المدن معاقل للديمقراطية ومراكز للمعارضة والقوة السياسية البديلة. ومع إحكام ترامب قبضته على السلطة التنفيذية، أصبحت المدن الأمريكية هدفًا للضغط الفيدرالي، وفي الوقت نفسه إحدى أبرز بؤر المقاومة.
بحلول عام 2050، تتوقع الأمم المتحدة أن يعيش نحو سبعة من كل عشرة أشخاص في المدن، بينما يقيم فيها بالفعل نحو 80% من السكان في الولايات المتحدة. ولم تعد المدن مجرد ساحات للمعارك السياسية، بل أصبحت طرفًا رئيسيًا فيها. وقد وجد رؤساء البلديات حول العالم أنفسهم في مواجهة قادة غير ليبراليين وحكام مستبدين منتخبين. وفي كثير من الحالات، أسهمت مقاومتهم في حماية الحقوق الفردية، وصون المعايير والمؤسسات الديمقراطية داخل مدنهم، ومنع الحكام من ترسيخ سلطتهم بالكامل. وينبغي لقادة المدن الأمريكية أن يدركوا أن بإمكانهم هم أيضًا التأثير في مسار ترسيخ النزعة غير الليبرالية.
في دول مثل الصين وروسيا، تؤدي المدن دورًا محوريًا في إدارة الدولة، وتسهم بنصيب كبير من النشاط الاقتصادي والإيرادات العامة. أما في بعض الأنظمة غير الليبرالية المنتخبة، فقد تتحول المدن إلى مراكز قوة موازية للسلطة المركزية، لأن رؤساء البلديات يحظون غالبًا بثقة المواطنين أكثر من القادة السياسيين. وتُظهر استطلاعات الرأي في الولايات المتحدة وأوروبا ودول أخرى أن الحكومات المحلية تحظى بثقة أعلى من الحكومات الوطنية، وهو ما يمنح رؤساء البلديات وزنًا سياسيًا متزايدًا.ليس من المستغرب، إذن، أن يتحدى رؤساء البلديات، في كثير من الأحيان، القادة والمرشحين غير الليبراليين في الانتخابات الوطنية. ففي تركيا، رشح حزب الشعب الجمهوري المعارض أكرم إمام أوغلو، رئيس بلدية إسطنبول المعروف ببرامجه الداعمة للنساء والأطفال من ذوي الدخل المحدود، للمنافسة في انتخابات عام 2028. وفي بولندا، ترشح رافال تشاسكوفسكي، رئيس بلدية وارسو، للرئاسة عامي 2020 و2025، في مواجهة مرشحين مدعومين من حزب القانون والعدالة، الذي عمل بصورة ممنهجة، منذ وصوله إلى السلطة عام 2015، على إضعاف منظومة الضوابط والتوازنات في البلاد، بما في ذلك وسائل الإعلام المستقلة والسلطة القضائية.
غالبًا ما تسخر الحكومات الوطنية أجهزتها لمواجهة هذه التحديات. فقبل أيام من ترشيح أكرم إمام أوغلو، سحبت جامعة إسطنبول شهادته الجامعية، مما أفقده، بموجب القانون التركي، أهلية الترشح للرئاسة. ثم وجّه الادعاء العام إليه 142 تهمة، وهي تهم تصل عقوبتها الإجمالية إلى أكثر من ألفي عام من السجن.
في بولندا، شنت وسائل الإعلام الرسمية حملةً لتشويه سمعة رافال تشاسكوفسكي خلال حملته الرئاسية الأولى عام 2020، واصفةً إياه بأنه يمثل «جماعة ضغط أجنبية نافذة» مرتبطة بجورج سوروس. وخلصت منظمة بولندية لمراقبة الإعلام لاحقًا إلى أن 87% من البرامج الإخبارية الرسمية التي تناولت تشاسكوفسكي كانت سلبية، في حين كانت جميع التغطية تقريبًا لمنافسه، الرئيس أندريه دودا، إيجابية. وفي فنزويلا، في عهد الرئيس هوجو تشافيز، مُنع ليوبولدو لوبيز، رئيس إحدى بلديات كاراكاس، من الترشح لمنصب أعلى.
كثيرًا ما يستهدف القادة غير الليبراليين رؤساء البلديات، حتى عندما لا ينافسون على مناصب وطنية. ففي موزمبيق وبلغاريا، تعرض رؤساء بلديات معارضون للاعتقال أو لضغوط سياسية ومالية، في حين واصلت الحكومات المركزية تقليص صلاحيات المدن واستهداف قياداتها المحلية. وقد يكون تولي رئاسة بلدية معارضة أمرًا بالغ الخطورة؛ ففي بولندا، قُتل رئيس بلدية جدانسك باويل أداموفيتش عام 2019 بعد حملة تحريض إعلامية، بينما شهدت الفلبين، خلال حكم رودريجو دوتيرتي، مقتل نحو 28 رئيس بلدية، في مؤشر على حجم التهديد الذي قد يواجهه القادة المحليون.
مكَّن رؤساء البلديات، الذين يحظون بثقة المواطنين وشعبيتهم، مدنهم من أن تصبح معاقل للديمقراطية، قادرة على الحيلولة دون ترسيخ أي حاكم مستبد منتخب سلطته بالكامل. فالمدن هي مهد الديمقراطية، ولا تزال تحميها. فقد وضع السياسي الأثيني كليستينيس أسس النظام الديمقراطي نحو عام 500 قبل الميلاد، عبر إصلاحات شاملة منحت الرجال البالغين سلطةً سياسيةً مباشرة. وسرعان ما تبنت المدن المستقلة، مثل كورنث وإسبرطة، النموذج الأثيني، مما أرسى دعائم المشاركة الشعبية في الحياة العامة.
يحمي معظم رؤساء البلديات، الذين يعملون في ظل أنظمة استبدادية منتخبة، بغض النظر عن توجهاتهم السياسية، الوظائف الأساسية للديمقراطية في إطار عملهم اليومي. فهم يصدرون تصاريح التظاهر، ويحمون دور العبادة، ويتعاونون مع مؤسسات المجتمع المدني، ويستجيبون للاحتياجات الأساسية للسكان، وغالبًا ما يشرفون على الانتخابات. وبعضهم يخاطر بحياته لتهيئة فضاءات مدنية تجمع الناس، وتمنحهم منبرًا لتحدي سياسات التفرقة التي تنتهجها الأنظمة الاستبدادية.
وفي أفضل حالاتها، تُظهر المدن للمواطنين قدرة الحكومات على تحسين حياتهم وجعلها أكثر أمانًا وجودة، من خلال ابتكار أساليب جديدة لإشراك السكان في إدارة الشأن العام. ففي جدانسك، تمول البلدية المدارس الثانوية لتنظيم مسابقات طلابية حول سبل تطوير المدينة مستقبلًا. أما مدينة بولونيا الإيطالية، فقد أبرمت اتفاقيات تعاون تتيح للسكان المشاركة في إدارة الحدائق العامة والمباني المهجورة، وأنشأت مختبرات تشاركية يساهم فيها المواطنون في تصميم المشروعات الحضرية، ويشاركون مباشرة في توجيه جزء من مخصصات البلدية إليها. كما طبقت مدن عديدة حول العالم برامج «الميزانية التشاركية»، التي يقرر السكان من خلالها مباشرة كيفية إنفاق جزء من ميزانية البلدية.
مع تزايد نفور الأمريكيين وغيرهم من البيروقراطيات الوطنية المعقدة والمتشعبة، تمنحهم المدن فرصة لاختبار الديمقراطية في حياتهم اليومية. فنجاح الحكومات المحلية أو إخفاقها يكون، في الغالب، ملموسًا وواضحًا للجميع. وكما أظهرت ردود الفعل الشعبية تجاه شخصيات بارعة في التواصل، مثل زهران ممداني، فإن حتى التحسينات البسيطة قد تصبح ترياقًا فعالًا للتشاؤم واللامبالاة والاستسلام، التي يسعى الحكام المستبدون المنتخبون إلى ترسيخها.
عندما تستهدف الحكومات المركزية المدن مباشرة، يستطيع رؤساء البلديات الحد من بعض التجاوزات باستخدام صلاحياتهم ومواردهم المحلية. ففي عام 2019، أخرجت بلديات بريطانية موظفي الهجرة التابعين لوزارة الداخلية من مكاتبها المحلية، لمنعهم من استخدام قواعد بيانات البلديات في إعداد قوائم الترحيل. وخلال جائحة «كوفيد-19،» وضعت مدن برازيلية كبرى، مثل ريو دي جانيرو وساو باولو، إجراءاتها الخاصة للتباعد الاجتماعي، رغم معارضة الرئيس جاير بولسونارو. كما دعمت مدن، مثل وارسو، منظمات المجتمع المدني بتوفير مقار دائمة لها.
يمكن للمدن أيضًا أن تدعم الاحتجاجات السلمية التي تعزز المشاركة الشعبية في مواجهة الحكومات غير الليبرالية. ففي بولندا، شارك رئيس بلدية وارسو رافال تشاسكوفسكي في احتجاجات واسعة ضد قانون الإجهاض، ساهمت لاحقًا في هزيمة حزب القانون والعدالة عام 2023، بينما أشعلت الاحتجاجات في فارنا، بعد اعتقال رئيس بلديتها، موجةً من الاحتجاجات انتهت بانهيار الائتلاف الحاكم في بلغاريا أواخر عام 2025.
حتى عندما لا تؤدي هذه التحركات إلى إسقاط الحكومات، فإنها قد تشكل تحديًا حقيقيًا لها. ففي نيكاراجوا، قاد دينيس أوباندو، رئيس بلدية نويفا جينيا، احتجاجات على تزوير الانتخابات المحلية عام 2012، مستندًا إلى نتائج فرز الأصوات لإثبات التلاعب. وفي فنزويلا، واصل ليوبولدو لوبيز تحدي نظامَي تشافيز ثم مادورو عبر القضاء والاحتجاجات، وهو ما دفع السلطات إلى سجنه سنوات عدة، إدراكًا منها لتأثيره الشعبي.
في عالم يزداد ترابطًا، أصبح التعاون بين المدن عبر الحدود ضرورةً للقادة المحليين. فالاستثمار الأجنبي والتجارة يخلقان فرص عمل، كما تواجه المدن تحديات مشتركة، مثل خفض أسعار الطاقة، وتحسين جودة الهواء، ومكافحة الأوبئة، والاستعداد للظواهر الجوية المتطرفة. ومع تصاعد النزعة الاستبدادية، لم يعد التعاون بين المدن يقتصر على تبادل الخبرات، وإنما امتد إلى تنسيق الجهود لمواجهة التراجع الديمقراطي.
في عام 2019، أسس رؤساء بلديات براتيسلافا وبودابست وبراغ ووارسو «ميثاق المدن الحرة» للدفاع عن قيم الحرية والكرامة الإنسانية والديمقراطية والمساواة وسيادة القانون والعدالة الاجتماعية والتسامح والتنوع الثقافي. ومنذ ذلك الحين، توسعت الشبكة لتضم عشرات المدن، بينها 11 مدينةً أمريكية.
عندما غزت روسيا أوكرانيا، نسقت مدن الحلف جهودها لإرسال المساعدات واستقبال اللاجئين، كما أرسل رئيس بلدية وارسو مولدات كهرباء إلى كييف بعد استهداف شبكة الطاقة فيها. أما في الولايات المتحدة، فقد بدأ رؤساء البلديات بدورهم في استخدام نفوذهم لمواجهة سياسات إدارة ترامب. فخصصت لوس أنجلوس ومدن أخرى موارد لحماية السكان المهددين بالترحيل، ورفعت بوسطن وشيكاجو وفيلادلفيا عشرات الدعاوى القضائية اعتراضًا على خفض تمويل البرامج المحلية وسياسات الهجرة. كما اتخذت مواقف علنية متزايدة؛ إذ كانت شهادة عمدة بوسطن، ميشيل وو، أمام الكونجرس في مارس 2025 من أوائل صور المقاومة الرسمية لسياسات إدارة ترامب في ولايتها الثانية. ومنذ ذلك الحين، أصدر مؤتمر رؤساء البلديات الأمريكي بيانات تنتقد سياسة الرسوم الجمركية، ونشر قوات إدارة الهجرة والجمارك. وبعد مقتل متظاهرين في مينيابوليس، أعلن المؤتمر: «بصفتنا رؤساء بلديات أمريكيين نمثل مدنًا كبيرة وصغيرة، وجمهورية وديمقراطية ومستقلة، نتحدث اليوم بصوت واحد: يجب أن يتوقف هذا الاضطراب». كما حذر عمدة مينيابوليس، جاكوب فراي، زملاءه من أن الصمت سيجعل مدنهم الهدف التالي.
لم يكن أمام ميشيل وو، وفراي، ونظرائهم سوى التعلم سريعًا تحت الضغط. لكنهم يستطيعون الاستفادة من خبرات نظرائهم حول العالم، وهو ما نجح في مواجهة الضغوط التي تمارسها الحكومات المركزية. ولمواجهة العامين والنصف المقبلين، تحتاج المدن الأمريكية إلى توحيد صفوفها. ويمكن لرؤساء البلديات أن يبدؤوا، مع انعقاد الكونجرس الجديد في يناير 2027، بالضغط من أجل كبح ممارسات إدارة الهجرة والجمارك واستعادة تمويل البرامج الحيوية. وعندما يغادر ترامب منصبه، ينبغي لمنظمات مثل «مؤتمر رؤساء البلديات الأمريكي» و«الرابطة الوطنية للمدن» أن تحذو حذو رابطة الحكومات المحلية المجرية، التي سارعت إلى فتح حوار مع الحكومة الجديدة لاستعادة صلاحيات البلديات وتمويلها فور إعلان فوز خليفة أوربان، بيتر ماجيار.
لا ينبغي أن تظل الحكومة الفيدرالية المحتكر الوحيد للموارد التي تحتاجها المدن لتقديم خدماتها الأساسية. واستلهامًا من تجارب دول أخرى، ينبغي للمدن الأمريكية أن تدعو إلى إصلاحات ضريبية تسمح لها بالاحتفاظ بحصة أكبر من حصيلة ضريبة الدخل الفيدرالية، إلى جانب إيراداتها المحلية. ففي وارسو، على سبيل المثال، تحتفظ المدينة بنحو 50% من هذه الإيرادات، بينما تضمن المدن البرازيلية الحصول على 22.5% من الضرائب الفيدرالية المحصلة. ومن شأن حماية ميزانيات البلديات، التي تعاني أصلًا من محدودية الموارد، أن تُحصِّن الخدمات الأساسية ضد أي حكومة قد تستهدفها مستقبلًا.
مع استمرار نمو المدن حول العالم، سيظل الصراع بين المدن والحكومات المركزية سمةً بارزةً في السياسة العالمية ما دامت النزعة غير الليبرالية في صعود. وعلى المدى القريب، ينبغي لرؤساء البلديات في الدول التي يحكمها قادة مستبدون منتخبون أن يتوقعوا مزيدًا من الضغوط. لكن عندما يرحل هؤلاء في نهاية المطاف، ستكون المدن، التي حافظت على شعلة الحرية متقدة، في طليعة إعادة بناء الديمقراطية.
نينا هاشيجيان رئيسة ومديرة تنفيذية لتحالف القادة المحليين الدولي. شغلت منصب أول ممثلة خاصة للولايات المتحدة لشؤون الدبلوماسية على مستوى المدن والولايات بين عامي 2022 و2025.
الترجمة عن Foreign Affairs