هل هناك انخفاض في معدل الباحثين عن عمل؟
الأربعاء / 14 / صفر / 1448 هـ - 22:23 - الأربعاء 29 يوليو 2026 22:23
حددت الخطة الخمسية الحادية عشرة إيجاد وظائف للباحثين عن عمل لعدد يصل إلى ستين ألف فرصة عمل سنويا خلال زمن الخطة بالقطاعات العامة والخاصة، وبرامج ومبادرات التدريب المقرون بالتشغيل. ونظرا لتعدد المقالات التي كتبناها سابقا فيما يتعلق بالباحثين عن عمل، ولكن هذا المقال يعتبر الأول من نوعه الذي نتناول فيه معدل الباحثين عن عمل. نهدف من ذلك معرفة تطور معدل الباحثين عن عمل خلال النصف الأول من هذه العام. مع العلم بأن بعض الأرقام والمعدلات التي نستند إليها تعتبر مبدئية نظرا لحداثتها، ولكن إن تغيرت لاحقا، فتكون التغييرات ليست جوهرية.
لتوضيح الصورة أكثر، فإن معدل الباحثين عن عمل هو نسبة مئوية من أعداد الأفراد الذين وصلوا لسن العمل، ولديهم الاستعداد لدخول سوق العمل. وعند احتساب معدل الباحثين عن العمل، فإنه ينبغي إضافة عدد الباحثين عن عمل إلى إجمالي قوة العمل في المدة الزمنية التي تُحتسب، طالما قاموا بإضافة أسمائهم لقائمة الباحثين عن عمل حسب النظم المتبعة، وأيضا يقومون بتنشيط بياناتهم متى ما طُلب منهم ذلك.
تشير النشرة الشهرية الصادرة عن المركز الوطني للإحصاء والمعلومات لشهر يوليو إلى انخفاض في المعدل العام للباحثين عن عمل من (3.1 %) في نهاية العام الماضي، إلى (2.4 %) في نهاية شهر يونيو من هذا العام. كما أن توفر معدل الباحثين عن عمل بالإضافة إلى معرفة إجمالي أعداد قوة العمل (العمانيين + الوافدين) تتيح استخراج أعداد الباحثين عن العمل والذين قد يصل عددهم إلى (67) ألف باحث عن عمل حتى نهاية يونيو من هذا العام. هذا الرقم يعتبر منخفضا عما كان عليه في نهاية العام الماضي بنسبة تصل إلى (21 %)، كما إنه يعتبر الأقل خلال الأربع سنوات الماضية. الانخفاض في معدل الباحثين قد يكون نتيجة تسارع وتيرة البرامج والمبادرات التشغيلية التي تستهدف إيجاد فرص عمل مستحدثة، وأيضا الوصول إلى المؤشرات السنوية في الخطة الخمسية الحادية عشرة.
بتحليل أكثر فإن معدلات الباحثين عن عمل أيضا انخفضت على مستوى جميع المحافظات خلال نفس الفترة، وكان الانخفاض الأعلى في محافظة مسندم بنسبة بلغت (28%). وبالتالي، شمولية انخفاض معدل الباحثين بجميع المحافظات يعطي دلالة على الانسجام في توجهات المحافظات نحو إيجاد فرص عمل، وعدم مركزية الوظائف بالمحافظات النشطة تجاريا، وذات الثقل الاقتصادي. وقد تكون هناك علاقة بين معدل الباحثين عن عمل، والتمركز الاقتصادي للمحافظة، على سبيل المثال، هناك معدلات منخفضة في مسقط والوسطى وظفار مع معدلات أعلى في الظاهرة ومسندم، على الرغم من أن بعضا منها، وهي محافظة الظاهرة بها مناطق اقتصادية واعدة وحركة اقتصادية نشطة نظرا لقربها من بعض أسواق الدول الخليجية، مما يفترض أن يؤدي ذلك إلى انتعاش في توليد فرص العمل.
أيضا، فيما يخص جنس معدل الباحثين عن عمل بالمحافظات، فتشير الأرقام إلى انخفاض معدلات الباحثين عن العمل من الجنسين (ذكور/ إناث). ولكن المعدلات تشير إلى نسب منخفضة للباحثين من الذكور مع نسب مرتفعة من جنس الباحثات عن عمل على مستوى المحافظات. كما تصدرت محافظة مسندم النسبة الأعلى من الباحثات عن عمل بمعدل (15.5 %) تلتها محافظة الظاهرة، في حين كانت محافظة مسقط هي الأقل ثم محافظة الوسطى.
وإن كان هناك انخفاض للمعدل العام للباحثين عن عمل، ولكن بالنظر إلى الفئة العمرية يلاحظ استمرار ارتفاع معدلات الباحثين في الفئة العمرية بين (15 - 25) من الجنسين. أيضا، للفئات العمرية اللاحقة هناك ارتفاع في جنس الباحثات من الإناث مع الانخفاض للباحثين من الذكور. وقد يكون عدم التناسب بين الجنسين في معدلات الباحثين عن عمل ليس مقتصرا على المستوى الوطني، وإنما مشكلة عامة في أغلب دول مجلس التعاون الخليجي نظرا لمحدودة الوظائف للإناث، وأيضا مراعاة للجوانب الاجتماعية في عدم تناسب بعض الوظائف لجنس الإناث.
كما أن انخفاض معدل الباحثين عن عمل يتوقع منه، أن يؤثر ذلك في ارتفاع إجمالي العاملين في القطاع الحكومي نظرا لتحول أعداد من الباحثين عن عمل إلى عاملين في القطاعات الحكومية. بيد أن الأرقام تشير إلى الانخفاض في إجمالي العاملين من العمانيين في القطاع الحكومي خلال نفس الفترة، وبنسبة تصل إلى (0.5 %) تقريبا. بمعنى آخر، فإن تصريح وزارة العمل بتوظيف ما يزيد على ثلاثين ألف - لأول مرة - خلال النصف الأول من هذا العام لم يؤثر ذلك في تغيير إجمالي العاملين العمانيين بالقطاع الحكومي بل واصل الانخفاض، مع أن معدل الدوران الوظيفي في القطاع الحكومي ليس مرتفعا.
ومن الممكن تفسير ذلك، بأن أعداد الذين خرجوا من القطاع الحكومي أكثر من الذين وُظفوا أو أن البيانات لا زالت أولية وقابلة للتغيير. في المقابل، فإن إجمالي العمانيين العاملين بالقطاع الخاص شهدت ارتفاعا خلال نفس المدة؛ لترتفع الإضافة الصافية في عددهم بنهاية شهر يونيو إلى أحد عشر ألف تقريبا. وبالتالي، نقول: بأن سياسات التشغيل في القطاع الخاص انعكست مباشرة على الزيادة في إجمالي العمانيين العاملين بالقطاع الخاص على الرغم من طبيعة القطاع الخاص عادة تتسم بزيادة معدل الدوران الوظيفي عنه بالقطاع الحكومي.
كما أن انخفاض معدل الباحثين عن عمل قد يعطي دلالة على الارتفاع في أغلب الوظائف القيادية والإشرافية والفنية، ولكن ذلك لم يحدث حيث إن إجمالي العاملين العمانيين حسب المجموعات المهنية ظل منخفضا، وخاصة في وظائف مديري الإدارة العامة والأعمال بنسبة عالية وصلت إلى (5.5 %) وانخفاض بنسبة أقل في وظائف الاختصاصيين في المجالات العلمية والفنية والإنسانية. في المقابل، كان هناك ارتفاع في أعداد العمالة الوافدة في جميع المجموعات المهنية التسعة، ومن بينها، مجموعة مديري الإدارة والاختصاصيين، الأمر الذي يمكن تفسيره بأن القطاع الخاص قادر على استيعاب وظائف جديدة للعمالة الوافدة سواء تلك التي تحتاج إلى مؤهلات عالية أو متوسطة أو دون مؤهل.
اعتماد السياسة الوطنية للتشغيل التي أُعُلن عنها مطلع هذا الأسبوع - بلا شك - خطوة في الاتجاه الصحيح نحو حوكمة فاعلة لسوق العمل.
هذه السياسة، والتي بُنيت بمشاركة منظمة العمل الدولية سوف تعمل على إيجاد إطار عمل تقوم بتنفيذه الجهات الحكومية والخاصة بقصد توفير فرص عمل لائقة، وبصفة مستدامة للعمانيين الباحثين عن عمل. تدشين السياسة الوطنية للتشغيل ينبغي أن تعطى تمكينا من الموارد المالية الكافية بهدف تأهيل الكوادر الوطنية حسب متطلبات وظائف المستقبل، وأيضا النظر في تحليل الفجوات في البرامج الأكاديمية بمؤسسات التعليم العالي لتكون ملاءمة لسوق العمل بحيث تكون مخرجات التعليم بفئاته كافة تتمتع بكفايات عملية ومهارات مهنية عالية تكون منافسة للعمالة الوافدة.
انخفاض معدل الباحثين عن عمل خلال النصف الأول من هذا العام، مؤشر إيجابي على المتابعة المستمرة لخطط التشغيل المعتمدة. كما ينبغي للجهات المختصة، ومنها وزارة العمل أن تعطي المعدل العام للباحثين عن عمل ومعدلات الباحثين حسب المحافظات والفئات العمرية والمجموعات المهنية، والمستوى التعليمي، الأهمية؛ لأنها أكثر دقة عند رصد التغييرات الكلية في سوق العمل الوطني.
د. حميد بن محمد البوسعيدي خبير بجامعة السلطان قابوس