أفكار وآراء

ثمة تحوّل تاريخي يجري في آسيا

ترجمة: أحمد شافعي 

وكثَّفت أيضا الضغوط العسكرية والتجارية والدبلوماسية على اليابان، وأجرت اختبارا لإطلاق صاروخ باليستي من غواصة أظهر قدراتها النووية البحرية المتنامية. 

وبأعين ترقب تنامي القوة الصينية تقاربت بلاد أخرى من بعضها بعضا، كاشفة النقاب عن ملامح بنية أمنية جديدة. 

فقد عزَّزت اليابان من روابطها الدفاعية مع أستراليا والفلبين والهند، وتجري بيتها وبين كوريا الجنوبية مناقشات حول المزيد من التعاون. كما عدلت عن القيود القديمة المفروضة على الصادرات الدفاعية، وتتحرك نحو الانضمام إلى كوريا الجنوبية بوصفها مورِّدا إقليميا للسلاح في حين أن أستراليا وقعت اتفاقيات جديدة مع دول جزر المحيط الهادي، ومنها اتفاقية دفاع مشترك مع فيجي. 

منذ أن رجع الرئيس دونالد ترامب إلى السلطة أثارت الشكوك المحيطة بالتزامه بالدفاع عن آسيا تحذيرات من أن بكين قادرة على انتهاز الفرصة، والتحلي بالمزيد من الجرأة، فدفع ذلك حلفاء الولايات المتحدة إلى التكتل معا. 

والآن تدور هذه العجلات مسفرة عن مخاطر جديدة؛ ذلك أن التغيرات الكبيرة في الأمن العالمي نادرا ما تجري بسلاسة. 

لكن ليس من الحتمي أن يكون معنى هذا هو أننا ندخل حقبة جديدة من الاضطرابات في قسم من العالم له دينامية اقتصادية فضلا عن بقائه حيويا بالنسبة للولايات المتحدة ومصالحها الاستراتيجية. فبإمكان نظام تتولى فيه بلاد آسيوية قدرا أكبر من المسؤولية عن دفاعها، ويزداد اعتمادها على بعضها بعضا، ويقل اعتمادها على الولايات المتحدة التي تزداد تشتتا، أن يكون في نهاية المطاف نظاما آمنا وثابتا. 

وهذا على أي حال أمر لا مهرب منه؛ فالولايات المتحدة المثقلة بالأعباء أقل استعدادا من ذي قبل لضمان أمن آسيا إلى أجل غير مسمى. 

ولقد كشفت حرب إيران أوجه قصور في القوة العسكرية الأمريكية، ودفعت واشنطن إلى نقل بعض الأصول العسكرية من أماكن أخرى في العالم، ومنها منطقة آسيا والمحيط الهادئ، وقد أوضح الرئيس دونالد ترامب أنه يريد من حلفاء الولايات المتحدة مزيدا من الإسهام في شؤونهم الدفاعية. وأعلنت إدارته بالفعل عن تقليصات كبيرة في الحضور العسكري والالتزامات الأمريكية في أوروبا. ولم تظهر إلى الآن خطط مماثلة لآسيا. 

وتحول آسيا الآن إلى الاعتماد على نفسها لا بد من أن يدار إدارة حذرة. 

فإذا ما رأت بكين ضعفا سريعا في الالتزامات الأمريكية، أو إذا ما رأت حلفاء الولايات المتحدة حديثي العهد بالضعف، فقد تخلص من ذلك إلى أن لديها قدرا أكبر من الحرية لدفع مطامحها في الأرض والأمن بما يزيد من احتمال وقوع المواجهة العسكرية. 

والخوف من هذا الاحتمال، ومن تخلي الولايات المتحدة أيضا، قد يعجِّل من سباق التسلح الذي يستولي بالفعل على شرق آسيا. لقد أقامت الصين باطراد قواتها المسلحة، ووسَّعت ترسانتها النووية. وبدأت اليابان في الآونة الأخيرة في نشر صواريخ بعيدة المدى، ويناقش الكوريون الجنوبيون الآن ما إذا كان يجدر ببلدهم أن يصنع أسلحته النووية الخاصة، كما تستثمر أستراليا في غواصات تعمل بالطاقة النووية وفي قدرات صاروخية. 

وبقدر ما تبدو هذه التطورات منذرة بالسوء يعلمنا التاريخ أن البلاد الآسيوية لها مصالح متنوعة وأنماط من الحكم قادرة على إقامة شراكات ناجحة دونما مشاركة عميقة من الولايات المتحدة . 

فرابطة دول جنوب شرق آسيا المكونة من أحد عشر عضوا التي تأسست سنة 1967 غالبا ما ينتقد فيها البطء والتردد عن مواجهة التحديات المشتركة، وعدم بذلها الجهد الكافي لمواجهة مطامح الصين في الأرض في منطقة بحر الصين الجنوبي. لكن الآسيان ساعدت في الحفاظ على السلام بين أعضائها في جزء من آسيا كانت تمزقه من قبل عقود من الحروب، ووفرت أيضا إطار عمل لجنوب شرق آسيا في التعامل مع الصين. 

ولا يجب بالضرورة أن يؤدي اقتسام العبء الأمني اقتساما متوازنا إلى إضعاف الردع. بل إن من شأن تعاون أعمق بين بلاد من قبيل اليابان والفلبين وأستراليا أن يقوي بالفعل من خط الدفاع الأول في مواجهة التهديدات الأمنية بدعم من حضور عسكري أمريكي يزداد تقلصا، لكنه يبقى قويا. 

ومع ازدياد حلفاء الولايات المتحدة قدرة وتكاملا؛ فمن العدل أن ينهضوا بمزيد من تكاليف حماية أنفسهم، فيتيحوا للقوات الأمريكية المجهدة للغاية أن تواجه التحديات الأمنية في أماكن أخرى من العالم. وبوسع الولايات المتحدة من جانبها أن تستمر في تنسيق حثيث مع حلفائها في آسيا والمحيط الهادئ، وأن تتولى ريادة المهام ذات الأهمية المركزية للمصالح الأمريكية من قبيل الحفاظ على فتح المسارات البحرية الحيوية، والعمل على حفظ استقرار العلاقات مع الصين. 

ومن شأن هذا النظام التحالفي أن يكون أشد قوة من الناحية العسكرية، وأرجح دواما على المدى البعيد من فرط الاعتماد على الولايات المتحدة، وأن يكون قادرا على ترتيب العمل الجماعي إذا ما تأخر العون الأمريكي أو لم يتوافر. 

وعلى أي حال، يمثل الشرق الأوسط دليلا على أن كثافة الاشتراك الأمريكي لا تمثل ضمانة لعدم نشوب صراع بين الخصوم العالميين. 

فقد بدأت الولايات المتحدة الأمريكية ـ بالاشتراك مع إسرائيل ـ الحرب مع إيران، فتعرض شركاء أمريكا في الخليج العربي لهجمات إيرانية وانقطعت التجارة العالمية. ومن جراء ذلك، تعيد بعض بلاد الخليج التفكير في اعتمادها على واشنطن وتستكشف سبلا جديدة للحفاظ على أمنها من خلال شراكات بين بعضها بعضا، بل إن تلك الشراكات قد تتضمن إيران. 

وسوف تبقى الولايات المتحدة قوة في المحيط الهادئ، لكن التوازن الاستراتيجي تغير بالفعل. وحلفاء الولايات المتحدة الأمريكية وخصومها على السواء أغنى وأقدر مما كانوا عليه قبل عقد من الزمان، في حين أن القوات الأمريكية مجهدة. وما يجري الآن هو أن آسيا تتكيف مع هذا الواقع الجديد. 

 جينيفر كافاناج مديرة التحليلات العسكرية في مركز «أولويات الدفاع» البحثي المناصر لتقييد سياسة الدفاع الأمريكية. 

 خدمة نيويورك تايمز