"أفلام من عمان" تستعرض إبداعات صناع الأفلام الشباب في الجمعية العمانية للسينما
الأربعاء / 14 / صفر / 1448 هـ - 19:19 - الأربعاء 29 يوليو 2026 19:19
اختتمت وزارة الثقافة والرياضة والشباب بالتعاون مع الجمعية العمانية للسينما فعالية 'أفلام من عمان'، التي خصصتها لعرض الأفلام الفائزة والأعمال الحاصلة على إشادة وتنويه ضمن مسابقة 'تواصل' للأفلام القصيرة للشباب، وذلك بعد العرض الأساسي الذي أقيم يوم الاثنين، وسط حضور من الشباب والعائلات والمهتمين بصناعة السينما وصناع الأفلام.
قدمت الفعالية مجموعة من التجارب السينمائية العمانية التي عكست تنوع الأفكار والأساليب الفنية لدى الشباب، إلى جانب إبراز جماليات المكان العماني من خلال اختيار مواقع التصوير التي شكلت عنصرًا بصريًا في الأعمال المعروضة، حيث ظهرت البيئات المحلية المختلفة من القرى والمواقع التراثية والطبيعية، التي عكست ثراء سلطنة عمان وتنوعها الجغرافي والثقافي، ومنحت الأفلام بعدًا جماليًا يعزز حضور المكان في السرد السينمائي.
'حس الأرض'
وشملت العروض الفيلم الوثائقي 'حس الأرض' للمخرجة ملاك الغافري، حيث ينطلق الفيلم من حرفة 'القَفْر' العُمانية،التي تعاملت معها المخرجة بوصفها موضوعًا تراثيًا للتوثيق، ومدخلًا لقراءة علاقة الإنسان العُماني بالأرض والذاكرة والهوية.
سعت فيها الغافري إلى إعادة تقديم هذه الحرفة بصياغة سينمائية تتجاوز بعدها المادي، لتصبح رمزًا للاستمرارية، وللإرث الذي يتوارثه الإنسان جيلاً بعد جيل، ويحمل في تفاصيله منظومة من القيم والمعاني الإنسانية، وذلك برؤية اخراجية دوكيودراما تدمج بين الطرح الاكاديمي التوثيقي والسينما الدرامية الروائية.
وأكدت الغافري أن الرسالة التي أرادت ايصالها أن التراث ليس ماضيًا منتهيًا، بل منظومة ثقافية حية قادرة على إنتاج المعنى في كل زمان. أن ما نحتاج إليه اليوم ليس مجرد الحفاظ على الموروث، وإنما إعادة قراءته بلغة معاصرة تُبرز قيمته وقريبة أيضًا من مشاهد ومُتلقّي اليوم المثقف سينمائيا.
وأضافت أؤمن بأن السينما تمتلك هذه القدرة؛ فهي لا تكتفي بتوثيق الذاكرة، بل تعيد صياغتها بصريًا، وتمنحها حياة جديدة تصل إلى أجيال مختلفة وجمهور يتجاوز الحدود الجغرافية.
'ورود محرمة'
كما عرض فيلم 'ورود محرمة' للمخرجة دليلة الدرعي، والذي سلط الضوء على قضايا اجتماعية حساسة من خلال قصة شقيقتين تعيشان في قرية ريفية بسيطة، وتواجهان مضايقات متكررة بسبب شائعات أطلقت بحقهما دون دليل أو حقيقة. وتتطور أحداث الفيلم لتكشف الآثار العميقة التي تتركها الشائعات حين تتحول إلى أحكام قاسية تؤثر في حياة الأفراد، ولا سيما الفتيات، حيث يدفع انتشار تلك الأقاويل والدتهما إلى مأساة تنتهي بقتل الأب لأمهما تحت وطأة تلك الضغوط والاعتقادات الخاطئة.
ويناقش الفيلم كيف يمكن لكلمة أو إشاعة عابرة أن تهدم حياة أشخاص لا علاقة لهم بما يتداول عنهم، وأن تتحول السمعة في بعض المجتمعات إلى عبء يفرض قيودًا قاسية على خيارات الإنسان وحريته. كما يتناول فكرة الحكم على الآخرين من خلال الظاهر، وكيف قد يجد الشخص نفسه يومًا في الموقف ذاته الذي انتقد فيه غيره، في إشارة إلى تناقضات الأشخاص والمجتمعات وتأثير الأحكام على العلاقات الإنسانية.
ويتطرق 'ورود محرمة' إلى قضايا الحب والاختيار والزواج، وكيف يمكن للضغوط الاجتماعية والتقاليد أن تتدخل في قرارات الأفراد ومصائرهم، إضافة إلى أثر الخوف من كلام الناس في تشكيل حياة الشخصيات وسلوكها. ويقدم الفيلم صراعًا داخليًا بين الرغبة في التحرر والعيش بكرامة، وبين الخوف من نظرة المجتمع وأحكامه، ليطرح تساؤلات حول مسؤولية الفرد تجاه الكلمات التي يطلقها، وأهمية التحقق قبل إصدار الأحكام التي قد تترك آثارًا لا يمكن تداركها.
'الساعة 25'
وتناول فيلم 'الساعة 25' الذي كتبته وجدان الكثيري وأخرجه محمود الرواحي فكرة الصراع بين الطموح والإبداع وثمن النجاح، الذي يأتي على حساب أشياء أكثر أهمية، مثل العلاقات الإنسانية ودفء العائلة واللحظات التي تمنح الحياة معناها ولا يمكن استعادتها.
وتدور أحداث الفيلم حول شاب شغوف بالعلم والاختراعات، ويحاول مرارًا وتكراراً الوصول إلى مشروع ناجح، إلا أن محاولاته تنتهي بالفشل في مواقف تحمل طابع الكوميديا السوداء، تكشف عن إصراره الكبير وعدم استسلامه. وفي إحدى اللحظات، تقوده الصدفة إلى العثور على ساعة أثرية غامضة داخل صندوق قديم في منطقة قديمة، ليكتشف أنها تمنحه وقتًا إضافيًا خارج الزمن المعتاد، حيث يتوقف العالم من حوله بينما يستطيع هو مواصلة العمل والإنجاز.
كانت الساعة تبدو وكأنها الفرصة التي كان يبحث عنها طوال حياته، إذ تمنحه القدرة على إنجاز أفكاره بسرعة وتحقيق نجاحات متتالية لم يكن يتخيلها. تبدأ شهرته بالانتشار، ويحصل على الجوائز والتكريمات، ويصبح مثالًا للنجاح والابتكار، لكنه مع مرور الوقت يبدأ في اكتشاف الجانب المظلم لهذه القوة التي يمتلكها.
حيث تحولت تلك الساعة من وسيلة تساعده على تحقيق أحلامه إلى عبء يسيطر عليه، فيبتعد عن الأشخاص من حوله ويصبح أكثر انعزالًا، معتقدًا أن قيمته مرتبطة فقط بقدرته على الإنتاج والإنجاز. ومع تصاعد الأحداث، يلاحظ أنه يفقد السيطرة على نفسه، وأنه يقوم بإنجازات كبيرة داخل 'الساعة 25' دون أن يتذكر كيف حدث ذلك، ليبدأ بالتساؤل عما إذا كان هو من يستخدم الساعة أم أنها أصبحت تستخدمه.
ليعود بعد فترة إلى المكان الذي وجد فيه الساعة، ليكتشف صندوقًا يحتوي على رسائل وأسماء لأشخاص مبدعون عاشوا التجربة نفسها، لكنهم دفعوا ثمنًا قاسيًا بعدما فقدوا علاقاتهم وحياتهم خارج عالم الإنجاز.
'همم'
كما قدم الفيلم الوثائقي 'همم' للمخرجة بشرى الهنائي قصة إنسانية عن الباحث والكاتب في مجال الفروسية سعيد العبري، الذي واجه التأتأة منذ طفولته، ووثق رحلته في تجاوز هذا التحدي من خلال الفروسية، وكيف أصبحت الخيل نقطة تحول في حياته، لتحول بشرى هذه التجربة إلى رسالة إنسانية تهدف إلى مساعدة الآخرين.
حيث سعى الفيلم إلى ترسيخ قناعة بأن الإعاقة أو الصعوبات الشخصية لا تقف عائقًا أمام النجاح، بل قد تكون نقطة انطلاق نحو صناعة أثر إيجابي في المجتمع، فقد أكد العبري في الفيلم أن الإرادة والعزيمة، عندما تقترنان بالشغف والإيمان بالقدرات، قادرتان على تحويل الألم إلى إنجاز، والتجربة الشخصية إلى رسالة أمل تلهم الآخرين وتدفعهم إلى مواجهة تحدياتهم بثقة وإصرار.
'الرجال الأقوياء'
ومن بين الأعمال المعروضة فيلم وثائقي آخر بعنوان 'الرجال الأقوياء' للمخرجين أحمد الشقصي ووليد الكعبي، يروي قصة مجموعة من الشباب العمانيين الشغوفين برياضة الكاليسثينكس، وهو نوع من التمارين الرياضية يعتمد بشكل أساسي على استخدام وزن الجسم كوسيلة للمقاومة، دون الحاجة إلى أجهزة أو أوزان خارجية، وتهدف إلى تطوير القوة والمرونة والتوازن والتحكم في حركة الجسم، وتشمل هذه الرياضة مجموعة من الحركات مثل تمارين الضغط، والعقلة، والقرفصاء، وتمارين التوازن والثبات، إضافة إلى حركات متقدمة تتطلب قوة وتحكم عالي. وتتميز الكاليسثينكس بإمكانية ممارستها في أي مكان، كما تجمع بين الجانب الرياضي والجمالي من خلال إظهار قدرة الشخص على التحكم بجسده وتنفيذ حركات دقيقة ومتناسقة.
واستعرض الفيلم التحديات والصعوبات غير النهائية التي واجهها الشباب بعزيمة وإصرار حتى نجحوا في تكوين مجتمع يجمعهم حول شغفهم، وعكس طموحهم في في نشر هذه الثقافة الرياضية وإلهام جيل جديد يؤمن بقوة الإرادة والعمل الجماعي.
'رنة'
وتناول فيلم 'رنة' للمخرج ماجد النبهاني، قضية الفجوة التي قد تنشأ بين الأبناء وذويهم بسبب الانشغال المستمر بالعالم الخارجي، سواء عبر الهواتف أو الألعاب أو العلاقات الاجتماعية، حتى يصبح وجود الأسرة أمرًا اعتياديًا لا يلتفت إليه الإنسان إلا بعد أن يفقده، ويركز الفيلم على العلاقة بين الأم وابنها علي، الذي يعيش معها في المنزل نفسه، لكنه أصبح غائبًا عنها عاطفيًا، منشغلًا بهاتفه وحياته الخاصة، دون أن يدرك حجم الوحدة التي تشعر بها والدته.
فالقرب لا يقاس بمجرد العيش تحت سقف واحد، ولكن بالاهتمام والمشاركة والاستماع، فالانشغال الدائم يضعف العلاقات الإنسانية، وتحول بين الفرد وأقرب الأشخاص إليه.
'حوار مع الماضي'
كما شهدت الفعالية عرض فيلم 'حوار مع الماضي' لنفس المخرج ، حيث بدأت القصة مع خالد، الذي يعود إلى غرفة قديمة لترتيب أغراضه، ليقوده الحنين والصدفة إلى العثور على قرص صلب يحتوي على تسجيل قديم له عندما كان طفلًا. وبينما يشاهد الفيديو، يجد نفسه أمام نسخة أصغر منه تحمل أحلامًا بسيطة وصادقة، وتبدأ بينهما مواجهة رمزية بين الماضي والحاضر. فالطفل خالد يتحدث عن شغفه بالتصوير، وعن رغبته في تطوير موهبته، بينما يجد خالد الكبير نفسه أمام سؤال مؤلم أين ذهب ذلك الشغف؟ ولماذا ابتعد عن الشيء الذي كان يحبه؟
يعتمد الفيلم على فكرة الحوار بين الإنسان وذاته الداخلية، حيث يصبح الطفل في التسجيل صوتًا للبراءة والرغبات التي غالبًا ما تهمل مع تقدم العمر. ومن خلال هذا الحوار، يكتشف خالد أن النجاح الحقيقي لا يرتبط فقط بالإنجازات أو الالتزام بالروتين اليومي، بل بقدرة الإنسان على الحفاظ على علاقته بالأشياء التي تمنحه الإحساس بالحياة.
يحمل الفيلم جانبًا عاطفيًا من خلال حضور الأم في تلك الذكريات، بعدما وجد خالد رسالة قديمة من أمه تحمل فيها عبارة 'كن في وسط الشي الذي تحبه' فقد كانت الشخص الذي آمن بموهبته وشجعه على اكتشاف نفسه، ليقدم الفيلم رسالة بأن الإنسان قد يبتعد عن الأشياء التي تمنحه السعادة بسبب ضغوط الحياة، لكنه يستطيع دائمًا العودة لاكتشاف ذاته والبحث عن الشغف الذي كان يسكنه منذ البداية، فبعض الأشياء التي نحبها في طفولتنا ليست مجرد هوايات عابرة، بل جزء من هويتنا، والعودة إليها قد تكون بداية لاكتشاف أنفسنا من جديد.
'بوتيك'
وكان الفيلم قبل الأخير بعنوان 'بوتيك' من كتابة وإخراج وسن خالد، التي كانت تدور أحداث قصة فيلمها القصير داخل بوتيك نسائي، الذي كان يتتبع رحلة الشخصية الرئيسية أثناء استعدادها للقاء حبيبها لقاءً واقعياً للمرة الأولى بمساعدة صديقتها. ويكشف الفيلم من خلال الحوار والصورة والأغنية كيف يمكن أن تسهم الخلفية الاجتماعية في تشكيل مفاهيم الحب والاختيار، وأن الحب المتكافئ يقوم على الاختيار المتبادل وليس على التضحية من طرف واحد.
'حكاية ظل'
واختتمت الأفلام بفيلم 'حكاية ظل' للمخرجة هدى المحروقي ناقشت فيه قضية التحرش بالأطفال من خلال طرح رمزي يعتمد على حضور 'الظل' كدلالة على الأثر النفسي العميق الذي تتركه هذه التجارب في حياة الضحايا، ويتناول الفيلم قصة معلم تحوم حوله شبهات التحرش بأطفال، حيث يظل أثره حاضرًا في ذاكرة الضحايا حتى بعد مرور سنوات، ويظهر ذلك من خلال وجود الظل في الصور التي التقطوها خلال مراحل حياتهم، في إشارة إلى أن آثار الإساءة لا تختفي بسهولة، بل تظل تلاحق الإنسان وتؤثر في مراحل حياته المختلفة.
ويعتمد الفيلم على الغموض والإيحاء في بناء الأحداث، إذ يترك للمشاهد مساحة للتأمل في حقيقة ما حدث، خصوصًا مع ظهور علامات تدعو إلى الشك وخصوصا عند مواجهة أولئك الشباب للمعلم بعد سنوات.
وتأتي هذه الفعالية لدعم الحركة السينمائية المحلية، وإتاحة المساحة أمام صناع الأفلام الشباب لعرض أعمالهم أمام الجمهور، وتعزيز التواصل بين المبدعين والمهتمين بالفن السينمائي، لتطوير التجربة السينمائية العمانية وإبراز المواهب في هذا المجال.