أعمدة

الـ(هلال) الذي صنع النجوم

كلّما أستمع إلى أغنية المطرب (عبدالله الرويشد) «علّمني عليك»، أتذكّر ملحّنها الفنّان فاروق هلال (1935-2026م)، فهذه الأغنية انتشرت عربيًّا، ومثّلت نقطة انطلاق أسّست لمشروع تعاون فنّي، بدأ عندما زار الرويشد بغداد في عام 1989م، وخطّطا للعديد من المشاريع الفنية، ومن بينها إنشاء شركة إنتاج فني، وكذلك لحّن له أغنية «تعالي لي»، ومن المفارقات الموجعة التي ذكرها الفنان الراحل في جلسة أقيمت بنقابة الصحفيين، أدارها الإعلامي زيد الحلي، عام 1992م، أنهما كانا معًا في زيارة للندن لتعزيز هذا التعاون، لكن رنّ الهاتف بغرفة (الرويشد) صباح الثاني من أغسطس 1990م، لينقل له أحد أفراد العائلة خبر الغزو، وبدء حرب الخليج الثانية، وإجهاض الكثير من الأحلام، وبدوره نقل (الرويشد) الخبر للفنان فاروق الذي صُدم به، ثم عرض عليه استمرار تعاونهما على أن تكون القاهرة هي المركز، فشكره على موقفه، وعاد كلٌّ منهما إلى بلده.
شاهدتُ للمرة الأولى الفنان فاروق هلال في أغنيته الشهيرة «صياد السمك»، حين قدّم حفلًا غنائيًّا أحيته نخبة من نجوم الأغنية العراقية في منتصف السبعينيات، بإحدى المناسبات الوطنية في منطقة البستان بالحرية الأولى، يومها كان رئيسًا لجمعية الموسيقيين العراقيين، فصعد على خشبة المسرح المفتوح الذي غصّ بالجمهور، وسألهم: من الفنان الذي لحّن «إعزاز»؟ فارتفعت الأصوات: طالب القره غولي، قال: القره غولي معنا اليوم، وقد حضر ليشاركنا الحفل مغنيًا، وغنّى القره غولي، فيما تحوّل المطرب فاروق هلال إلى ملحن، ومنظّم لحفلات جماهيرية!
بعد أربع سنوات، كنت أتردّد على معهد الدراسات النغمية، وكان مديره الشاعر الراحل عبد الرزّاق عبد الواحد، فالتقيت بفاروق هلال، وكان يشرف على فرقة غنائية طلابية، من أعضائها: محمود أنور، وكريم محمد، وأحمد نعمة، وعواطف إبراهيم، ورعد بركات، ومالك محسن، وهادي الشاطي، وفي عام 1981 كنت مشاركًا ضمن وفد طلّابي ثقافي توجّه إلى الأردن، وكنت طالبًا في الثانوية، بمناسبة مرور ستة شهور على اندلاع الحرب العراقية - الإيرانية، وكان الفنان فاروق هلال على رأس الوفد، وأذكر أننا توجّهنا إلى عمّان عبر الطريق البري، فأمضينا أكثر من 12 ساعة في حافلة تشقّ الطريق الصحراوي عبر منفذ (طريبيل) الحدودي، وفي مقدّمة الحافلة لافتة عليها بيتان من الشعر كتبهما الشاعر لؤي حقي، ولحّنهما فاروق هلال، هما:
أيّ هوى نحكيه يا رفاق
والحب في قلوبنا قدر
يهبّ كل النخل في العراق
لو غصن في الأردن انكسر
في تلك الرحلة، اقتربتُ منه أكثر، وكان يتحدّث عن سعيه الدائم لتجديد الأغنية العراقية، ووقوفه ضد موجة الأغاني الهابطة، ولمست الجانب الإنساني منه، وشعور الفنانين بأبوّته الروحية لهم، فهو من الناس الذين دعموا الكثير من المطربين الشباب الذين صاروا اليوم نجومًا في الساحة الغنائية العربية، من خلال تقديمه برنامج «أصوات شابة»، حتى إن الصحافة الفنية أطلقت عليه لقب «صانع النجوم»، ومن بينهم: كاظم الساهر، وماجد المهندس، وأحمد نعمة، ومحمود أنور، ومهند محسن، وهيثم يوسف.
وفي عام 1993م، شاهدتُ فيلمه «درب الحب» للمخرج برهان الدين جاسم، الذي قُدّم ضمن أسبوع «خميس الفيلم العراقي»، وهو فيلم غنائي قام ببطولته، إلى جانب مديحة وجدي، أُنتج عام 1965م، وشارك فيه: مائدة نزهت، وإسماعيل شبانة، وحضيري أبو عزيز، وخليل الرفاعي، وفاروق فياض، وغادة سالم، وهو واحد من فيلمين أدّى بهما أدوار البطولة، فقد سبق له الظهور في فيلم «مع الفجر» للمخرج عبدالجبار العبيدي، عام 1964م، وقام أيضًا بتأليف موسيقاه، وقبل عرض الفيلم، تحدّث الفنان فاروق عن ظروف إنتاجه، وقال إنه غامر ببيع قطعة أرض كان يمتلكها، ووضع كل المبلغ في إنتاج الفيلم، الذي تعرّض لخسارة كبيرة عند عرضه الأول، فقد فوجئ بحشد كبير من الشباب حضروا العرض، وبعد انتهائه، رفعوه على الأكتاف، فظنّ أنهم يحتفون بنجاح الفيلم، لكن فجأة أطلقوا هتافات ضد السلطة، ووجد نفسه قائدًا لتظاهرة غرضها سياسي، فهاجمهم رجال الشرطة، ثم عرف لاحقًا أن المتظاهرين اتفقوا أن تكون ساعة الصفر بعد انتهاء الفيلم الذي أوقفت السلطة عرضه، وقال: «من تلك اللحظة بدأت الخسائر!».
وكأنّه كان يتنبّأ أنّه سيعيش نوعًا من الإهمال في السنتين الأخيرتين من حياته، ولم يبقَ معه من أسرته سوى ابن شقيقه (عباس أحمد هلال)، وعاش في (كرفان) صغير حتى وفاته، ومن الفنانين الذين ظلّوا على تواصل معه: قاسم ماجد، ووحيد علي، ونصير شمّة، وفيصل حمادي، وحتى تشييعه لم يكن يليق بمسيرته الفنية الطويلة، التي تحدّث عنها في مذكراته «نفق الأسماء» وإنجازاته، مشيرًا إلى لقاءاته بقامات فنية كبيرة، كمحمد عبد الوهاب، وناظم الغزالي، وصديقة الملاية، وحضيري أبو عزيز، وكل ذلك جرى توثيقه في كتب، من بينها كتاب حمل عنوان «فاروق هلال.. النهر النغمي الثالث» للإعلامي زيدان الربيعي، ولا ننسى أنه لحّن العديد من القصائد، وعن علاقته بالشعر، قال في حوار له مع وكالة «الحدث الإخبارية»، نُشر في 14 نوفمبر 2025: «خلال دراستي في معهد الفنون الجميلة ببغداد، في منتصف الخمسينيات، لحّنت أول قصيدة من الشعر الحر، حيث لم يكن منتشرًا آنذاك كما هي الحال اليوم، وقد كتبها لي الدكتور والفنان التشكيلي ماهود أحمد، وكان الأستاذ الشاعر عبدالرزاق عبدالواحد يدرّسنا مادة اللغة العربية، وعرضت النص عليه، وأُعجب بطريقة تلحيني له»، ثم لحّن له قصيدة «النخلة» التي غنّاها جمعة العربي.
وبعد سنوات طويلة أمضاها في القاهرة، عاد إلى (بغداد) ليسلم الروح فيها، ويأفل ضوء الـ(هلال) الذي صنع نجوم الغناء العراقي.