أعمدة

لماذا يخلو الشعر العربي من العواء؟

أخبئ (عواء) في قلبي، أحس بنبضها ينبض نبضي، كم تشبه تعويذة أو حارس أمين، تحميني هذه القصيدة المقدسة من احتمال موت ذوقي الشعري يأسا، ومن الاحتمال أن تصير كلماتي جزءا من نص القطيع، أركض إليها، وأسالها من أنت بالضبط؟ فتيجيب: أنا ابنة قلب وعقل الشاعر الأمريكي (ألن غيسبرنغ،) 1926-1998، لماذا جئت في ذلك الزمن بالذات؟ كان يجب أن أنفجر هناك لأحمي قلب شاعري من الشلل. ولأستجيب للتحول العظيم الذي يشق شرايينه في منظومة الحياة الأمريكية التي خلّفت تحطما شاملا لجيل حائر يتوق للسلام والفهم والعدالة، أشكر القصيدة، أمسك بيدها وأمشي في هبوب الخراب، وهكذا كلما شعرت بعطش لحرية النص وحرية الذاكرة وحرية البلاد، وحين يعوي الجفاف في نصوص شعرية عربية أمشي معها، سيفا سيفا، وأناقة أناقة، ولغما لغما، أنادي (ألن): أحتاج عواءك أيها النبيل، أينك،؟ وعواء ليست مجرد قصيدة، يا أصدقاء إنها ثورة وبيان ووصية، وتحول في اللغة والرغبة، وشجاعة في مقاومة وتغيير الواقع الشعري والسياسي والفكري الاجتماعي.
قصيدة عواء لألن غيسبرنغ وهو أحد أهم شعراء وقادة حركة( جيل البيت) الأمريكية التي تشكلت بعد الحرب العالمية الثانية، وهم مجموعة من الشعراء والمثقفين والمفكرين الذين اكتشفوا فجأة انهم لا ينتمون إلى هذا الواقع الأمريكي الجديد بعد الحرب، وسرعان ما تطور هذا الموقف الفكري الاجتماعي إلى تحول شعري أدبي فني، في أساليب ولغة الكتابة والفنون كافة، من مسرح ورقص وموسيقى وتشكيل فني، من أبرز هؤلاء وليم بوروز وجاك كرواك وألن غيسنبرغ. في المقطع الأول يكتب ألن واصفا بدقة عبقرية تفاصيل الخراب الأمريكي بعد الحرب العالمية الثانية: (رأيتُ أفضلَ العقولِ في جيلي وقد دمرها الجنونُ، يتضوّرون، عراةَ ومُهَسْترين، يججرون أنفسهم عبر شوارع زنجيةٍ في الفجر باحثينَ عن إبرةِ مخدّرِ ساخطة، هَبائيون برؤوس ملائكةٍ؛ يتحرقون للوصال السماويّ العتيق، بالدينمو النجوميّ في مكننة الليل، الذين بفقرٍ وفي خرقٍ وبعيون مجوّفةٍ ومسطولين جلسوا يدخنون في الظلام العجائبي لشققٍ بلا ماء حارّ يطفو في أعلى المدن يتأملون في الجاز. مَنْ عرّوا للسماء أدمغتهم تحت سكة الـEL ورأوا ملائكة الإسلام المنيرة تترنح على سقوف الأحياء).
السؤال: لماذا لم يوجد (عواء) عربي شعري حتى الآن، عواء يصف محكا تاريخيا، مفككا عدالة غائبة، ونابشا جذور انهيار كبير، عواء يشكل فصلا بين مرحلتين، تتناقله الأجيال، ويحتفي به الأكاديميون ويستلهمه الشعراء، عواء يصف العربي في تحطم حساباته وفي تحولات بلاده الاجتماعية والسياسية العنيفة وفي غياب وضوح الرؤية وسقوط كل الآمال ويعكس حالة استجابة الأدب لتصوير هذه التصدعات في بنية الروح، وظهور حركات فنية وأدبية شعرية تحديدا تتبنى أشكالا جديدة في الكتابة والفن، كثير من التحولات والصدمات حدثت في التاريخ السياسي الفكري الاجتماعي العربي مثل: نكبة فلسطين عام48 ونكسة عام 67 وحركات الربيع العربي، وسقوط الأيدلوجيات في فترة التسعينيات، ومرحلة الإبادة المستمرة لفلسطينيي غزة، (وإن كانت الكتابة الجدية عنها تحتاج مسافة زمنية،)، كتب الكثير عن هذه الأحداث الكبرى من القصائد والروايات والمسرحيات والأفلام السينمائية، والأغاني، والقصص القصيرة، لكن أيا منها لم يكن بمستوى الأحداث، (حسب رأيي المفتوح على المراجعة و الذي يمكن مناقشته،) وإن كانت قد حامت حولها ولامست أطرافها، في ديوانه (هوامش على دفتر النكسة) حاول الشاعر نزار قباني التعامل مع صدمة النكسة شعريا، لكنه لم يتجاوز دائرة البكاء واللطم، كذلك قصيدة ( البكاء بين يدي زرقاء اليمامة) للشاعر أمل دنقل، والتي تقترب من عالم (عواء) بصفتهما صرخة احتجاج ضد واقع صعب ومفاجئ، لكن أسئلة (عواء )الملحمية فاقتها تأثيرا وبقاء، ومقدرة على التوثيق للخراب، وتفجيرا للغة الشعرية السائدة، وانعطافا في أسلوب الكتابة، وكانت أيضا قصيدته الشهيرة (لا تصالح ) التي جاءت ردا على استعداد مصر للتفاوض مع إسرائيل، قد لامست أطراف روح الصدمة هذه، لكنها لم تلتقط جوهر المأساة، ولم تربطها بتاريخ كوني أو أسئلة وجودية ولم تصنع شكلا أدبيا جديدا، وظلت حبيسة نفس أسئلة المقاومة المباشرة الرومانسية، والنصح الثوري، وهذا لا يصنع منها خلودا ولا يمكن اعتبارها عابرة للأجبال، ومغيرة ذوق جديد في الشعر والأدب، للأسف رغم أنها شكلت تفريغا مناسبا لاحتقان وغضب شعبي وراحة نفسية عند الجمهور تماما مثل قصائد مظفر النواب، التي كنا نرتاح ونحن نقرأها.
مالذي منع أو عرقل وجود عواء شعري عربي خالد؟ هل هو المركزية الأدبية الأوروبية،؟ وتجاهل الهامش العالمي، ؟ هل هو نقص تجارب الحياة لغياب الحريات الاجتماعية عند الشعراء العرب مما جعل تصوراتهم تتوقف عند حدود الثوري المباشر؟ هل هو نقص في المواهب الشعرية العربية؟ هل هو تقصير العرب في الاطلاع على التجارب العالمية في الكتابة؟ بسبب نقص حريات الحصول على كتب؟، هل هو نقص في شجاعة الشاعر العربي؟ بسبب حالة القمع المستمر في بنية السلطة تجاه الشعوب؟. هذا موضوع مفتوح للنقاش.