حكاية جدتي أفضل من الحقيقة
الأربعاء / 14 / صفر / 1448 هـ - 16:54 - الأربعاء 29 يوليو 2026 16:54
'كانت أورسولا، وقد صارت شبه عمياء، هي الوحيدة التي احتفظت بالهدوء لتحدد طبيعة تلك الريح التي لا راد لها، فأفلتت الملاءات تاركة إياها بتصرف الضوء، وهي ترى ريميديوس الجميلة تلوح لها بيدها مودعة، وسط الخفقان المبهر للملاءات التي راحت ترتفع معها، مغادرة هواء الخنافس والأضاليا، وتجتاز معها طبقات الأثير، حيث لا تعود الساعة الرابعة بعد الظهر، لتضيع معها إلى الأبد، في طبقات الهواء العليا، حيث لا تستطيع الوصول اليها حتى أعلى طيور الذاكرة تحليقاً'
هكذا يصف غابرييل غارسيا ماركيز في روايته الأشهر 'مائة عام من العزلة' (ترجمة صالح علماني، دار المدى) ما حدث لريميديوس الجميلة؛ الفتاة التي كان جمالها مبهرا للجميع، وقاتلا لعدد من محبيها. يصف ماركيز نهايتها البديعة وكيف ارتفعت إلى السماء، وكيف لم يصدق الغرباء هذه النهاية لـ'ملكة النحل' وقالوا إن أسرتها تحاول إنقاذ شرفها بترديد خرافة الصعود إلى السماء. ما قاله الغرباء أكده ماركيز في أكثر من مقال وحديث وذكريات؛ قريبته الجميلة فرت –في الحقيقة– مع أحد عشاقها، لكن ماركيز وهو يكتب وقف أمام الخيارين، وبلا تردد اختار ما هو أجمل فنيا.
في ذات الرواية مثال آخر على تقديم الروائي للخيال على الحقيقة. فعندما خسر الكولونيل أوريليانو بوينديا الحرب ووقع على الاستسلام كان من مساعديه دوق مارلبورو؛ وهو –تاريخيا– جون تشرشل القائد البريطاني وجد رئيس الوزراء الشهير. يحكي ماركيز لصديقه اللدود ماريو فارغاس يوسا أنه في طفولته كان يغني مثل كثير من الأطفال أنشودة تقول 'مامبرو شد الرحال إلى الحرب'؛ وهي أنشودة فرنسية قديمة، وعندما سأل جدته عن 'مامبرو' هذا، يقول: 'أما جدتي التي يظهر أنها لا تملك أدنى فكرة فلقد أجابتني بقولها إن ذلك السيد قد قاتل إلى جانب جدي في الحرب. وفي وقت لاحق عندما أدركت أن مامبرو هو دوق مارلبورو، تراءت لي حكاية جدتي أفضل من الحقيقة، فتركت الحكاية على تلك الحال' (عزلتان –ترجمة مارك جمال، منشورات الجمل). هكذا ينقل ماركيز –بلا تردد– قائدا بريطانيا قاتل في حرب الخلافة الإسبانية (1701 – 1714) ضد الفرنسيين ليصبح ثائرا مع الكولونيل بوينديا.
يقف كثير من الروائيين أمام هذين الخيارين؛ الالتزام بالصدق الواقعي أم الانحياز للصدق الفني. وهي مفاضلة بين العمل التسجيلي والخيال، ولكل روائي طريقته كما لكل شيخ طريقة، ولكل حكاية، أيضا، ضرورياتها. لكن يبقى الانحياز للخيال هو الخيار المفضل لأغلب الروائيين.
من هنا تأتي إشكالية الرواية التاريخية لدى كثيرين؛ إذ يعتبرون الحدث التاريخي 'مقدسا' يجب إعادة حكايته في الرواية لا إعادة إنتاجه. ولا يجيز كثيرون دخول الخيال على الحدث التاريخي ويحاكمون النص الروائي بالمراجع التوثيقية، وهي إشكالية تلقي بظلالها في المقام الأول، يبدو فيها التفاهم بين الكاتب والقارئ مشوشا إلى حد ما؛ رغم أن الانحياز للخيال أو للحكاية الشعبية والشائعات الشفاهية على حساب الوثائق التاريخية هو نهج أدبي معروف.
من نماذج ذلك رواية 'قصة مدينتين' لتشارلز ديكنز، والتي خلدت سجن الباستيل كرمز للظلم المطلق والطغيان الذي ينكل بالأبرياء، بينما تخبرنا الوثائق التاريخية أن الباستيل عند سقوطه (يوليو 1789) لم يكن به إلا سبعة سجناء، أربعة منهم من المزورين! فمن أين جاء ديكنز بالمئات المحتجزين ظلما والذين زحفت الآلاف لتحريرهم؟ إنها الروايات الشعبية وما استقر في الخيال الجماهيري، وتلقاه سيد الرواية في العصر الفيكتوري ليصنع الصراع في الرواية التي تريد أن تقول شيئا أهم من توثيق ضحايا سجن الباستيل.
في رواية 'الفرسان الثلاثة' لألكسندر دوما يدافع الفرسان عن ملكة فرنسا آن النمساوية من مؤامرات ومكائد الكاردينال ريشيليو. لكن التاريخ يقول إن الملكة كانت متورطة في مؤامرات مع أخيها ملك إسبانيا في وقت حربها مع فرنسا. لم يكن الكاردينال إلا رجل سياسة له رؤية خارجية يراها مفيدة لفرنسا، لكن ذلك ما كان ليصنع حبكة جيدة لرواية خالدة؛ فاختار دوما الصراع بين 'الوزير الشرير' و'الملكة الطيبة'، وهي حبكة مضمونة النجاح منذ حكايات ألف ليلة وليلة.
لا تقدم الرواية التاريخية نفسها باعتبارها وثيقة أو درسا في التاريخ، لكن لا يمكن نفي تلقي كثير من القراء لها بهذا الشكل. وهي معضلة تواجه أنواعا أخرى من الفنون مثل السينما ذات الانتشار الواسع والأقدر على التأثير. وما زالت أفلام مثل 'الناصر صلاح الدين' ليوسف شاهين تواجه انتقادات بعدم الدقة التاريخية، دون أن يدعي فنان أنه يسعى لتكرار حكاية ما سجله المؤرخون. لكن بعض المتلقين يقررون هذا الأمر عن المبدع، ثم يشرعون في محاكمة العمل بتهمة تزوير التاريخ.
لا يمكن اعتبار الدقة التاريخية، تحت أي حجة، معوقا للكاتب عن استعمال خياله كما يشاء. لكن أيضا هناك فارق بين الاختيار والجهل؛ فأن يعدل الروائي الحدث التاريخي أو ينحاز لمرويات شعبية على حساب الموثق في التاريخ الرسمي والبحثي المستقل لا يعني هذا أن يجهل ولا يهتم بمعرفة ماذا حدث. فكون العمل روائيا لا يفتحه ذلك على الأخطاء المعرفية بحجة الخيال. لكن بين الصرامة الأكاديمية وفوضى الجهالة يقف الخيال الأدبي في نقطة يختار منها ما يعتبره الحس الجمالي: الأصدق فنيا، وإن لم يكن هو الأصدق واقعيا. لأن، كما قال ماركيز، حكايات الجدة دائما أفضل من الحقيقة.
***