عمان الثقافي

سينمائي يكتب بخيبة شاعر

 

مشهد نهاريّ/ خارجي/ داخلي

مقهى بواجهة زجاجيّة في الزاوية، الزاوية لا تطل سوى على الإسفلت، نادلة أوكرانيّة تعمل بداخله، شعر رأسها قصير، وجهها دائريّ، تتوسطه ابتسامة، ابتسامة تشرق من وجهها، ابتسامة لا تدرك معناها، ابتسامة محايدة ومخاتلة، موسيقى ذات نكهة إفريقيّة تهطل من سقف المقهى، يدخل رجل إلى المقهى حاملًا حقيبة سوداء معلقة على كتفه، يطلب قهوته في الحادية عشرة صباحا، المقهى خال، إلا من الرجل الذي يفتح الآن حقيبته، ويتفقد زوايا المقهى بعينيه، قلقًا من شيء ما، شدته صورة امرأة تحمل جرة ماء فوق رأسها، وهي تعود من النبع، كان يريد أن يجلس تحت الصورة، خاف أن تسقط الجرة فوق رأسه.

أخرج عدة كتب، ودفترًا، تصل قهوته، فتح حديثًا عابرًا مع النادلة الأوكرانيّة، التي أخبرته بأنها من كييف، منذ شهور معدودة تعمل هنا، وفي هذه المدينة. تراقصتْ في مشيتها مع الموسيقى الإفريقيّة، بعدما وضعت كوب القهوة على طاولة الرجل. لم تحدّثه عن الحرب ولا عن القتلة، ولا عن طفولتها المنسية، ولا عن أبيها الذي لم يعد من جبهة الحرب.

قالت له: إن الجبال في هذه المدينة موحشة، ووجوه البشر جامدة وجافة.

ردَّ عليها: الوحشة الحقيقية هي ألّا يستطيع المرء أن يتأقلم مع المكان. الجبال في المدينة هي أحصنة في شطرنج الحكاية، عليكِ أن تطاردي فِيَلة طفولتك بالخيال، وأن تراوغي وزراء الخديعة في ساحة الوقت قبل أن ينقض عليك الملك النائم، والجفاف القاتل أن تموت شجرة جذورها في النبع.

لم تفهم معنى كلامه، رفعتْ كتفيّها، ورمته بابتسامة، ومضتْ إلى طاولتها. أصلحت باقة الورد الذابلة.

أمسك كوب القهوة، أمسكتْ هي هاتفها، أبحرتْ هي في بحر الرسائل وأدغال الأغاني، وقف هو يتأمل المشهد، ليصطاد سمكة هاربة من فخ الشعر، ومن ضجر السرد، امرأة تجلس على الشرفة الزجاجيّة للمقهى المُطلّ على شارع لا يلتفت لأحد، ولا أحد يفكر بشارع جانبيّ وهامشيّ، تنظر إلى الخارج، لا يعلم هو هل تُفكر في بلادها وأمها، أم تفكر في ضجرها؟ هل تفكر بأطفالها، أو ربما لا تفكر في شيء، ومن خلف الزجاج شجرة وحيدة، ومن خلف المرأة والشجرة مِئذنة عالية يقف فوقها طائر أبيض، وفي البعيد جبال تحيط بالمدينة، تطوقها، تُحاصرها، وفوق رؤوس الجبال غيوم بيضاء؛ وكأنها قبعة تلبسها الجبال.

فتح الرجل الذي كان يتأمل المشهد دفتره، وكتب:

«ـ ماذا تفعل أيها المتسرد؟

ـ لا شيء، أُحدّقُ في النادلة التي تفكر في بلادها، وفي الشجرة التي تحنُّ إلى أمها الغابة، وفي الطائر الذي تقلقه فكرة المنفى والوطن، وفي الغيمة القادمة من المحيط البعيد، وخلف كل هذا المشهد جبال تحرس الأشياء بصمت وريبة، ولا شيء يحرس ضجر الجبال، وفي البياض الذي يغطي رؤوس الجبال، والسواد الذي يغطي سقف المقهى.

التقط صورة للنادلة والشجرة والجبال التي خلف المشهد، أرسلها مع ما كتبه إلى صديقه المُهاجر في جامعة تكساس، الذي يعمل فني مختبرات طبية بعقد، بعدما ضجر من حياته وبلاده وخيباته.

*** *** ***

الطائر الذي كان يقف فوق المئذنة، دفعه صوت الأذان إلى الطيران من فوق المئذنة إلى أعلى الشجرة القريبة من شرفة المقهى.

رفعت النادلة الأوكرانية رأسها من محيط هاتفها وأدغال الأغاني، لترى طائرًا يحدّقُ بعينيها، رفعت هاتفها، التقطت صورة للطائر، وعادت إلى محيط هاتفها لتغوص في بحيرة رسائلها وموسيقاها. عاد الرجل إلى دفتره، كتب عن مشهد الطائر الذي يحدق في عيني النادلة «هما مهاجران، لكنهما لا يدركان ما يشغل روح الآخر».

مشهد نهاري/ داخلي.

النادلة ترجع إلى خلف ماكينة القهوة، تفتح حقيبتها، تخرج دفتر مذكراتها، تكتب في أعلى الصفحة كلمات وتاريخ اليوم. «رجل ثلاثينيّ يحمل حقيبة سوداء وكتبا، لا أدري هل هو عاطل عن العمل أم موظف هارب من عمله، أم شاعر يبحث عن عزلة لقصيدته، أم لص، أم متسول». 2/2/2023، العامرات.

تأمل الرجل الجالس بكسل مشهد الغيوم، وهي تتشكل بأشكال مختلفة، حدّثه خياله الطفوليّ بأن هذه الغيوم تشبه سفن قراصنة هاربة من كتب التاريخ، أو من المحيط الهنديّ، أو ربما تشبه قططا بيضاء خائفة من نباح كلب مشرد وجائع، ماذا يفعل القراصنة في «وادي الميح»؟ وماذا ستأكل القطط البيضاء المتخيّلة من صناعية العامرات؟ ما الذي ستحمله سفن القراصنة من قمم جبال جرداء؟ لن يطعم خيال الرجل القراصنة ولا القطط الهاربة، ولا حتى الكلب المتشرد في خياله الجامح، طرد خياله الطفوليّ، تذوق القهوة، لم يعجبه طعمها.

نزل الطائر من الشجرة، حط على شرفة المقهى، «الطيور لا تشرب القهوة سوى في مخيلة الشعراء، وفي أحلام الأطفال»، دوّن الرجل الجالس بكسل هذه الجملة في دفتر ملاحظاته.

حاول الرجل الجالس جمع ما كتبه، وعلقه على جذع عنوان جاف ومرتبك «سينمائي يكتب بخيبة شاعر»، لا يهم إن كان هذا العنوان المرتبك سيعجب جدنا الجاحظ، الذي حرضنا أن نجمع الأفكار من قارعة الطريق، لأنه لم يجلس في مقهى في بغداد، ولم يسمع في حياته بمدينة تُدعى العامرات؛ ولأنه سينفر من لفظة سينمائيّ، وسيردها بقوله إنها كلمة يونانيّة أو فارسيّة.

النادلة التي رأت انهماك الرجل في دفتره، ورأت تحديق الطائر الأبيض في عينها، فتحت دفتر مذكراتها مرة أخرى، وكتبتْ «لا أعلم، ربما أضيف احتمالا آخر عن هذا الرجل الذي دخل المقهى هذا الصباح، ربما يكون رجلا أنهكته الديون ومصاعب الحياة، أو تاجرا خرج للتو من السجن بعدما أحرقت كارثة كورونا أحلامه، للعلم سمعت أن البنوك تسجن البشر هنا، لا رحمة تحت سكاكين الرأسمالية. على ذكر كلمة الرأسمالية، أتذكر جيدا كلام ومحاضرات أستاذي الدكتور في جامعة كييف في علم الاقتصاد كان يساريًّا شرسًا، ها هي سكاكين الرأسمالية تخرجني من جامعتي وترمي بي في مدينة موحشة تُدعى العامرات، لم أخبر هذا الرجل الغامض الذي يُحدق في الشرفة والشجرة والطائر، بأنني كنت طالبة في كلية الاقتصاد، في جامعة تاراس الوطنية في كييف.

أرجع الرجل رأسه قليلًا إلى الخلف، تسلل النوم والتعب إلى عينيه قليلا، رأى ما يراه الحالم في كوابيسه: رأى الطائر الأبيض يدخل إلى المقهى، يقف على طرف الطاولة، يطلب لنفسه قهوة، وتجلس النادلة في الطاولة نفسها التي جلس فيها الطائر، بعدما وضعت كوب القهوة للطائر، حدّث الطائر النادلة عن حياته ورحلاته، وقال لها: إن جديّ عاش في غابات قريتك الأوكرانية، وكانت جدتكِ في العاشرة من عمرها، وفترة وجود جديّ في غابة القرية، زار كاتب أمريكي قريتكم ليصطاد الحيوان، فصاد غزلانا وزرافة وجاموسا، وأقام لمدة ثلاثة أيام، وكان يحمل معه كاميرا، كتبًا، عندما ألتقط صورًا تذكارية، كان جدي يقف فوق الشجرة التي جلس تحتها أطفال القرية، وسمع ضحكات الأطفال، ربما سترين صورة طفلة هي أمك أو جدتكِ، صرختْ النادلة من هول الصدمة، وركضتْ لدفتر مذكراته، لتسجل الأغاني التي جمعها الطائر من القرى الأوكرانيّة، وحملها معه إلى هذه المدينة الموحشة، عندما عادت النادلة حاملة دفترها ولهفتها وصدمتها، لم تجد الطائر على طاولته، ولم يدفع لها قيمة قهوته. قهقه الرجل النائم من خيبة النادلة الباحثة عن تاريخ سلالاتها من خيال طائر عابر. قبل أن يهرب الطائر من المقهى بعدما شرب قهوته، خبط رأس الرجل النائم الذي نهض مفزوعًا. رأى النادلة على طاولتها، ربما تدوّن ما حلمت به.

«من أين تأتي هذه الكوابيس في نهار هذه المدينة الضجرة»، سكب هذه الجملة في أسفل نص «خيبة السينمائيّ».

أغلقت النادلة صوت الموسيقى، التي كانت تهطل من سقف المقهى، رفع الرجل الجالس بكسل رأسه إلى السقف، رأى السقف مطليًّا بلون أسود. لا تلم الكوابيس إذًا أيها المتسرد، ولا تعاتب الضجر الذي يحاصرك.

وضعت النادلة أغنية إنجليزية، لتغير مزاجها، أو لتعكّر مزاج الرجل الجالس في الزاوية، حدّق الرجل في الشجرة، لعله يجد الطائر الذي هرب من كوابيسه.

عندما طار النوم من عيني الرجل، رأى النادلة لا تزال تغوص في بحيرة هاتفها، وأحيانًا تكتب أشياء في دفترها.

كتب الرجل المستيقظ من حلمه الغرائبيّ في دفتره: «الأحلام لا تكتب تاريخ السلالات، والسلالات لا تنمو في أحلام المغتربين».

تسلل النوم، إلى عيني النادلة هذه المرة، دُهش الرجل من سرعة غفوتها، قال لعلّها مندمجة مع أغنيتها الإنجليزية، أو ربّما تذكرت أحد أصدقائها الذي لم يعد من الحرب. ما أغرب هذا المقهى الذي لا يدخله أحد، ويحاصرك فيه الضجر والكوابيس والنوم. لم يلتفت إلى اسم المقهى، لعلّ البلدية لم تجد له اسمًا، قال في نفسه سأطلق عليه اسم مقهى الكوابيس النهاريّة.

تسلل النوم والتعب والضجر إلى عيني النادلة الأوكرانيّة، أدخلها في أحلام غرائبية لم تكن تتخيلها، رأت الرجل الذي دخل إلى المقهى، هو الروائي الأمريكي أرنست هيمنجواي، دخل بقبعته، ومدوخه، وشعره الكث، صرخت به النادلة أن التدخين ممنوع.

أنت لست في حانات أوروبا، أنت في مقهى يأكله الضجر في العامرات.

لم يلتفت لصراخها، قذف عبارة بكل أريحية، وكأنه في تمرد شبابه:

ـIs there coffee in this noisy city?

في حلمها القلق، سألته هل تريدها قهوة باردة أم ساخنة؟

ـ only fools drink coffee cold

استيقظت من حوارها المُتخيّل مصعوقة من ردّ الروائي، لم تجد الرجل الجالس على الزاوية.

حمود سعود كاتب عُماني