عمان الثقافي

صار غريبا

صار غريبًا عني، كأني لم أقضِ معه ثلاثين عامًا بحلوها ومرها. كان القلق يسيطر عليه، رغم محاولته إثبات العكس. رفضه الجلوس أتاح لي رؤية انفعالاته وقراءة لغة جسده؛ حركاته المضطربة والمتكررة، ونظراته الحائرة التي تجوب الأرجاء، تشع بوهج غريب من التيه وفقدان الاتجاهات.

دعوته للجلوس، فرفض بإصرار غريب. تتابعت حركته الدائبة بلا توقف وبلا هدف. حاول رسم ابتسامة ذابلة عدة مرات، وكان فشله واضحًا، فظهرت تلك الابتسامة بصورة باهتة وبلا طعم ولا لون.

فتح هاتفه النقال أكثر من مرة، كأنه يهرب من الوجود ومن المواجهة. سلم على الآخرين بهدوء، وخرج من الباب الرئيسي دون صوت.

عاد عادل في ذاكرتي طفلًا صغيرًا يمسك يديّ الصغيرتين. كان فرق العمر بيننا لا يتجاوز السنتين. خطواته الصغيرة دائمًا تتبع خطاي، يلعب معي في أزقة الحارات الضيقة، وأدافع عنه حين يتشاجر مع الأولاد الأكبر منه. كان يملك ابتسامة جميلة رغم أسنانه غير المنتظمة، ويملك وجهًا جميلًا رغم ملابسه المتسخة.

كل مكان في الحارة شهد على خطواتنا الكثيرة التي قطعناها معًا، وعلى ألعابنا التي لعبناها برفقة أولاد الحارة، وعلى أحلامنا التي نسجناها على السطوح بينما النجوم تحدق فينا ونحن نعدها ونخطئ دائمًا في حصرها.

وقوفنا تحت المطر يرسم لوحة كبيرة مطرزة الأطراف؛ ملابسنا المبللة، وقصورنا الجميلة التي نبنيها من التراب الرطب بعد توقف المطر، بينما يبني عادل تشكيلًا لمجرى مائي صغير ويحدده بمجموعة من الأحجار اللامعة، وأشكل أنا مجموعة من البشر على هيئة أعواد خشبية متباينة الأحجام والأشكال، ألبسها مجموعة من القطع القماشية المتباينة التي أجمعها من بقايا القماش الذي تحتفظ به أمي في صندوقها الخشبي.

أيامه الأولى في المدرسة جعلتني أكثر قربًا منه. كنت أمسك عنه القلم وأقوم بتعديل اسمه الذي يكتبه دائمًا دون ألف المد، وأحاول رسم نقاط خفيفة على هيئة اسمه ليكتبه صحيحًا قدر الإمكان. كان عنيدًا، يرفض الكتابة وحل واجباته، ويهرب إلى الخارج ويعود بملابس ممتلئة بالغبار والتراب.

الإجازة الصيفية الطويلة كانت فرصة ذهبية لنا جميعًا نقضيها بين المزارع، وفي الحارات، وبين أمواج البحر. كان يحب اللعب معي أكثر من شغفه باللعب مع أصدقائه. نبني قلعة رملية كبيرة ونزينها بالأصداف المتباينة الأشكال، بينما ننتظر العم حمد بن حارب وهو يدفع قاربه بمساعدة الرجال المجتمعين على الشاطئ. يستخدم العم حمد مجموعة من الأخشاب المدهونة بالشحم؛ لتسهل عملية خروج القارب من البحر. نقف أنا وعادل بالقرب من القارب لنتأمل الأسماك الصغيرة التي قد يعطينا العم حمد إياها طواعية وبطيب خاطر.

النار الصغيرة التي نشعلها أنا وعادل، نضع فوقها آنية نحاسية، ونترك فوقها الأسماك الصغيرة. يجمع عادل ما استطاع من أعواد حطب صغيرة يجدها متناثرة في أرجاء الحارة. ننتظر السمكة الصغيرة حتى يتغير لونها، ونخرجها لنضعها فوق لوح سحارة خشبية ونأكلها بنهم، بينما أيدينا ووجوهنا تكتسي بلون الرماد ورائحة السمك.

نعود بملابسنا المتسخة لنسمع صراخ أمنا وتهديدها الطويل. نشعر بالسعادة حين ترمي لنا ملابس نظيفة، وتأمرنا بالاستحمام لنتخلص من رائحة الدخان والسمك.

حين طالت قامة عادل ونما شاربه وتغير صوته، انكب على كتبه لينهي دراسته الثانوية. أصبحت أحاديثنا ترتبط بمستقبله، وبالجامعة التي يريد الدخول إليها، وبالوظيفة التي يحلم بها، وتزداد مساحة الحديث والكلام حين يتحدث عن السيارة التي يتمنى امتلاكها.

كانت الغبطة التي يشعر بها تنتقل من لسانه إلى قلبي. أشعر بفخر كبير حين أسمع كلماته الممزوجة بالفرح والحبور، وتزداد مساحة الفرح لتشمل بيتنا كله حين تخرج من الجامعة واستلم وظيفته الجديدة.

الطعام الذي وُزِّع بنية الصدقة على جميع بيوت الحارة وزعتُ معه الكثير من سعادة روحي. خطواتي تسابق الجميع بلا استثناء، والأرض تتسع من حولي، بينما أشعر بخفة تحلق بي نحو سماوات عليا لا حد لها ولا نهاية.

التغيير الذي ألم بعادل لم يأتِ فجأة، لكنه تدرج في مراحل متباينة حتى سيطر عليه. تبدلت ضحكاته، وأصبح شخصًا عصبيًا يفقد أعصابه بسرعة، وتغيرت أفكاره وكلماته، وانسلخ من إهابه القديم كاملًا بعد زواجه. صرت، حين أجده، أبحث عن ملامحه القديمة، وضحكاته الطويلة، وأحاديثه التي لا تنتهي، فلم أجدها منذ فترة غيبتها الأيام المتطاولة. حتى الذكريات القابعة في أعماق ذاكرتي أجدها أحيانًا تعيش حالة من السبات، أحاول إيقاظها من رقدتها الطويلة.

تبدل عادل عدة مرات. في كل سنة أجده يبتعد عنا أكثر، وتتباعد الأجساد، وتتنافر القلوب. أصبح يدخل بيتنا كغريب، ويخرج منه كزائر لا تربطه أي صلة بالمكان. كلماته معدودة، وحركات جسده تفضح الكثير من الكلام الذي لم يُقل، وابتسامته الشاردة تعكس عالمه الداخلي المضطرب وتوتره. حين اختفى لأسبوع كامل لأول مرة، شعرت بالتوجس والخوف. ذهبت إلى بيته، فوجدته جالسًا يعبث بهاتفه. جلست معه، وحين تحدثت شعرت بأن كلماتي لم تكن تصل إلى أذنه، وأحسست بأن قلوبنا المتآلفة دخلها شيء من العطب، فتعفنت أجزاء كبيرة منها. سيطر عليّ الاختناق في تلك اللحظات، فخرجت أجر أذيال الخيبة والإحباط، وسقطت دمعة كبيرة بحجم الخيبات التي ألمت بنا.

أمل المغيزوي قاصة عُمانية