«أبعد من الرماد» لعيسى مخلوف: كتابة تعبر إلى الأفق المفتوح
الأربعاء / 14 / صفر / 1448 هـ - 13:07 - الأربعاء 29 يوليو 2026 13:07
يشغل الكاتب والشاعر اللبناني عيسى مخلوف موقعا بارزا في المشهد الثقافي العربي المعاصر من خلال مشروع إبداعي متعدد المسارات جمع بين الشعر والسرد واليوميات والتأملات الفكرية والكتابة الرحلية والترجمة والعمل الثقافي. وخلال مسيرة امتدت عبر عقود، رسّخ صوتاً أدبياً يتمتع بحساسية عالية تجاه الإنسان وأسئلته الكبرى، وطوّر لغة تميل إلى الصفاء والاقتصاد والكثافة الدلالية، مع عناية خاصة بالإيقاع الداخلي للجملة وقدرتها على احتضان التأمل والمعرفة والحدس الشعري في آن واحد. وقد أسهمت إقامته في فضاءات ثقافية متعددة في توسيع أفق تجربته وإغناء رؤيته للعالم، فانعكس ذلك في أعمال تجمع بين الانفتاح الإنساني والعمق الفكري، وبين الإصغاء إلى التفاصيل اليومية والسعي إلى التقاط المعاني البعيدة الكامنة خلفها.
يفتتح عيسى مخلوف كتابه «أبعد من الرماد» من منطقة تتجاور فيها الذاكرة مع الفقد، والرحيل مع التطلع، والخراب مع الرغبة في استعادة المعنى. ويحمل العنوان حركة داخلية واضحة، فالنص يتجاوز حدود الاحتراق متجهاً نحو ما يعقب العاصفة، ونحو ما يستقر في الأعماق بعد انطفاء النار، ونحو الطاقة الكامنة في الإنسان حين يواجه هشاشته ويواصل السير. وهكذا يتحول الرماد إلى نقطة انطلاق نحو فضاء أرحب، وتغدو الكتابة رحلة استكشاف لما يبقى في الروح بعد انكسار الأمكنة والأحلام والوجوه.
البحر مركز الرؤية الشِعرية
يشغل البحر المساحة الأوسع داخل نصوص الكتاب، غير أن حضوره يتجاوز الجغرافيا والمشهد الطبيعي؛ إنه الذاكرة المفتوحة على الأزمنة، والمستودع الذي يحفظ آثار العابرين، والمرآة التي تنعكس فوق سطحها وجوه البشر وأحلامهم وخساراتهم.
يتحدث الكاتب إلى البحر كما يتحدث الإنسان إلى صديق قديم يعرف الأسرار التي عجزت الكلمات عن حملها، إذ يأخذ الحوار معه شكل الاعتراف أحيانا، وشكل المناجاة أحياناً أخرى، ثم يتحول إلى تأمل طويل في معنى الزمن والهجرة والولادة والموت.
كما تحمل المياه في الكتاب أرشيفاً إنسانياً هائلاً؛ أصوات الغرقى، وصدى السفن، وأحلام المهاجرين، وحنين المدن البعيدة، وكل ما مرّ فوق سطح العالم ثم اختفى عن العيون. لذلك يبدو البحر أقرب إلى ذاكرة كبرى للعالم، ذاكرة تحفظ ما يتساقط من ذاكرة البشر، وتعيد تشكيله داخل أمواجها المتعاقبة.
ومن خلال هذا الحضور تتسع التجربة الفردية لتلامس التجربة الإنسانية في معناها الأشمل، فتغدو حكاية الإنسان الواحد جزءاً من حكاية أوسع تمتد عبر القارات والعصور والحضارات.
في نص بعنوان «البحر» يقول: «هكذا تناهى إليّ صوتك الخالي من المفردات الآدميّة، وأخبرني بأنّ الأشرعة، حين تمتلئ بالريح، تشبه النساء الحوامل. من هنا تبدأ الرحلة، من ولادات آتية، ومن النَّفّسِ الحَيِّ الذي يقودُ السفينة نحو الفجر».
يكشف هذا المقطع إحدى الأفكار الجوهرية في الكتاب، والمتمثلة في ارتباط الحركة بالولادة والسفر بإمكانات التجدد. فالأشرعة تتحول إلى رمز للخصوبة والاستمرار، بينما يغدو الفجر صورة لبداية متجددة تستقبل الإنسان بعد كل عبور.
تستأثر فكرة السفر بالحيّز الأبرز في الكتاب؛ فالسفن والمرافئ والأشرعة والجهات البعيدة والنجوم التي تهدي المسافرين، جميعها عناصر تتكرر بإلحاح، وتنسج شبكة رمزية واسعة تحيط بالنص من مختلف جهاته.
وتغدو الرحلة عند عيسى مخلوف أكثر من انتقال بين مكان وآخر، إذ تمثل تحولاً داخلياً يطرأ على الإنسان أثناء الحركة. فالأمكنة تتغير والوجوه تتبدل والذاكرة تعيد ترتيب صورها كلما ابتعد المسافر عن نقطة البداية.
ومن هنا يطرح الكتاب سؤال العودة برؤية مغايرة؛ فالعودة تتحول إلى مناسبة لاكتشاف صورة جديدة للذات، وصياغة أخرى للعلاقة مع العالم. والإنسان العائد يحمل في داخله خبرات وأحلاماً وندوباً صنعتها المسافات، ولهذا يغدو المكان القديم مكاناً مختلفاً بمجرد الوصول إليه. ما يمنح الرحلة بعداً وجودياً عميقاً، ويجعل السفر مرادفاً للنمو والتحول واكتشاف المعنى.
الأسطورة داخل النسيج الشعري
يفتح الكاتب نوافذه على الأساطير القديمة، مستدعياً شخصيات وحكايات عبرت آلاف السنين، ثم يعيد صياغتها داخل السياق المعاصر. فالأسطورة تؤدي هنا دوراً يتجاوز الحضور الثقافي، لتغدو أداة لفهم التجربة البشرية عبر امتداد الزمن.
يتحول عوليس إلى صورة للمسافر الأبدي، ويغدو أورفيوس رمزاً للرغبة في استعادة ما غاب في العتمة، بينما تمتد ظلال الأساطير فوق الواقع المعاصر كاشفةً استمرار الأسئلة الإنسانية الكبرى رغم تحوّل الأزمنة والأمكنة.
ويضفي هذا المزج بين الأسطوري واليومي الكتاب عمقاً إضافياً، إذ يجعل النص يتحرك بين طبقات متعددة من الدلالة، بحيث ينفتح المشهد الواحد على قراءات متوازية ومستويات مختلفة من المعنى.
يتحرك الزمن في «أبعد من الرماد» وفق رؤية تتجاوز التصور الخطي المألوف؛ فالماضي يحضر في قلب الحاضر، والحاضر يمتد نحو المستقبل، بينما تتجاور الأزمنة داخل المشهد الواحد في تداخل يمنح التجربة عمقها الخاص. ويجعل هذا التصور الذكرى جزءاً من اللحظة الراهنة، ويمنح الأحداث القديمة قدرة على إعادة تشكيل الحاضر والتأثير فيه. ومن ثم تظهر الولادة والموت، والبداية والنهاية، ضمن حركة دائرية متواصلة، حيث يقود كل انتهاء إلى أفق جديد، ويفتح كل غياب مجالاً لحضور آخر.
ومن هنا تتجلى كثافة الصور المرتبطة بالشروق والبحر والفصول والنجوم، إذ تتحول هذه العناصر إلى إشارات رمزية على التجدد واستمرار الحركة داخل الكون.
اللغة وإيقاع الأمواج
تمتلك لغة عيسى مخلوف طبيعة موسيقية واضحة؛ فالجمل الطويلة تتقدم بإيقاع هادئ يشبه حركة المد والجزر، بينما تتكرر المفردات والصور في نسيج منسجم يجعل القراءة أقرب إلى الإصغاء.
وتحتل الصورة الشعرية موقعاً مركزياً في هذه اللغة؛ فالنجوم تتجاور مع السفن، والمرجان مع الوجوه، والغيم مع الذاكرة، والضوء مع الماء. وتتداخل هذه العناصر لتشكّل عالماً بصرياً رحباً تتحرك داخله الأفكار والمشاعر ضمن وحدة جمالية متماسكة.
كما تعتمد الكتابة على النداء والمخاطبة المباشرة، مما يمنح النص حرارة إنسانية عميقة، ويجعل القارئ شريكاً في الحوار الدائر بين الكاتب والعالم المحيط به.
في نص بعنوان «الذهاب أبعد من الرماد» يقدّم الكاتب رؤيته للذاكرة بوصفها قوة حية تتجاوز حدود الفقد، حيث يستحضر صورة الأشجار العطشى المنحنية فوق الماء، واتساع البحر، ليؤكد قدرة الذاكرة على مقاومة التلاشي وامتلاك أشكال متجددة من الحضور. حيثُ يقول: «إنّه الذّهاب أَبعد من الرّماد، وهل ثمّة أبعد من ذلك؟ ها نحن ننحني مع الأشجار العطشى المنحنية فوق الماء، لنؤكد أنّ النسيانَ عابرٌ ومؤقّت، وأن أشكال الذاكرة لا حدّ لها، كاتّساعك أيّها البحر».
وتكثف هذه العبارات الرؤية الفكرية للعمل كله؛ فالذاكرة تظهر كطاقة متحركة قادرة على التجدد والتحول والاستمرار، ويغدو تجاوز الرماد فعلاً متصلاً بحفظ الذاكرة من الذبول، وبناء صلة إنسانية متواصلة بين الماضي والحاضر.
المنفى الداخلي
يقترب الكتاب من فكرة المنفى بوصفها تجربة تتجاوز الحدود الجغرافية؛ فالإنسان يحمل منفاه الداخلي معه أينما اتجه، ويحمل في الوقت ذاته توقه الدائم إلى العثور على بيت أعمق من البيوت المادية، بيت تقيم فيه الطمأنينة والذكريات والعلاقات الإنسانية.
ويتجلى هذا الشعور في حضور المرافئ والطرق والسفن والنجوم والجهات البعيدة، حيث تتحول الأمكنة إلى محطات عابرة ضمن رحلة أوسع، بينما يبقى البحث عن المعنى الوجهة الأعمق للسفر.
ومن خلال هذا المنظور، ينجح الكاتب في نقل التجربة الشخصية إلى فضاء إنساني مشترك، يجد القارئ نفسه داخله مهما اختلفت جغرافيته أو سيرته أو ذاكرته.
تضيف الرسوم المرافقة للنصوص بعداً جمالياً لافتاً إلى الكتاب، إذ تقوم العلاقة بين الصورة والكلمة على الحوار والتكامل، حيث تفتح الرسوم آفاقاً جديدة للتأويل، وتمنح النصوص امتداداً بصرياً يوازي امتدادها الشِعري. وتدفع القارئ إلى التنقل بين فضاءين متجاورين؛ فضاء اللغة وفضاء اللون والخط، مما يضاعف كثافة التجربة الجمالية التي يقترحها الكتاب، ويمنحها أبعاداً حسية وبصرية متجددة.
يجمع عيسى مخلوف في «أبعد من الرماد» بين التأمل الفلسفي والحس الشِعري والعمق الإنساني، إذ يتحرك الكتاب بين البحر والذاكرة، وبين الرحيل والعودة، وبين الرماد والضوء، ليصوغ رؤية تنظر إلى الإنسان بوصفه مشروع عبور دائم نحو أفق أكثر رحابة.
وتتجلى القيمة الأبرز في هذا العمل بقدرته على استنباط الأمل من قلب الخسارة، وتحويل الخراب إلى بداية متجددة، وترسيخ الإيمان بأن الضوء يواصل امتداده في الجهات البعيدة مهما اشتدت عتمة الطريق.