في شارع Gran via
الأربعاء / 14 / صفر / 1448 هـ - 13:39 - الأربعاء 29 يوليو 2026 13:39
6:00 صباحا
يا صديقي
لا أحدَ يحكي شيئاً في مدريد
لا أحدْ
الخطواتُ تجاه ليلٍ موسيقيٍّ منهكة
والشجرةُ الخضراءُ على باب المقهى
تمنح ضحكتها للعابرينْ
ثم تبكي
ثمة حلمٌ يبحثُ بين أغصانها
يسألُ حمامةً عن اتجاهٍ
مضى إليه عاشقٌ
ولم يعدْ
لا أحدَ يُشبهُ أحداً هنا
لا أحدْ
لم أعرفْ نفسي
الكتابُ الذي في يدي يتحدّثُ
عن أسطورةٍ من عمانَ
لا صوتَ لها
تُشبه ذلك الفارسَ الممتطي جواده
الواقفَ في ميدانٍ كبير
تنهشُهُ الشمسُ
ويجرحُهُ المطر
12:25 ليلا
المدينةُ تُقلقني هذه الليلة
أصواتُ السياراتِ تُقلقني
صوتُ حذاءِ فتاةٍ شقراءَ
في الشارع يُقلقني
منظرُ الشروقِ وحدَهُ
يبعثُ فيَّ أملاً للغناءِ
شروقُ الشمس هذا
يُذكّرُني بفتاةٍ
تمشي حافيةَ القدمينِ على شاطئِ صحار
تجلسُ متأملةً زُرقةَ البحرِ
الزرقةُ تتأملُ عينيها
الاثنان يبتسمان في وجه بعضهما.
الآن تنطفئ المصابيح دون قصدٍ
مانحةً عينيكِ أولوية الفناء.
13:10 ظهرا
في شارع Gran via
المكتظِّ بخطواتٍ عابرةٍ للمسافة
قالت لي فتاة إسبانية:
أنتَ عربيٌّ؟
قلت: نعم.
- لمَ لا تحملُ عَلَمَ فلسطينَ مثلي؟
- تأمّلتُ شعرَها المنسابَ،
وسكتُّ
أجَّلْتُ حواري
إلى خيبةٍ جديدةٍ
وألمٍ جديدٍ.
ماذا تريد الحياةُ مني أكثرَ من ذلك؟
أمشي في الشارعِ
فأصطدمُ بعمودِ إنارةٍ
لأنَّ فتاةً تحملُ عَلَمَ فلسطينَ
عاتبتْني قبلَ قليل
أمشي في الشارعِ
فأتعثَّرُ بعازفِ الكمانِ
لأنّني تذكّرتُ اللونَ الأحمرَ في العَلَم
كم قطرةِ دمٍ
تكفي ليرى العالمُ صرخةَ طفلٍ
أو نحيبَ أُمّ؟
أمشي في الشارعِ
تُوقفني إشاراتُ المرورِ
فألتفتُ
باحثاً عن فتاةٍ جميلةٍ
يتدلّى على ظهرها عَلَمُ دولةٍ عربيةٍ
لتسألني بالإسبانية:
هل أنتَ عربيٌّ؟
11:18 صباحا
اللون لا يكفي
كي أُعبّر لفتاةٍ أنّ قميصها
يُذكّرُني بليلةٍ ماطرةٍ.
شعرُها الأسودُ فاتحةُ حروبٍ ومعارك
ومجازاتٌ قالها الشعراءُ من قبل
لم أفهم خطواتها
باتجاهِ ظلّي
باتجاهِ نبضي
لم أفهم
سرَّ العطرِ على الكُرسيِّ الخشبيِّ
عيناها لغةٌ أخرى
لم أقرأها بعد
وابتسامتُها قصيدةٌ أبحثُ عنها
إلى الآن.
4:15 فجرا
على الشُبّاكِ ترسُمُها الفُصولُ
ويرقُصُ في حديقتها الذهولُ
أنا المجهولُ والمفتاحُ ذكرى
وهذا البابُ أَغْلَقَهُ الأفولُ
عصافيرُ الصباحِ تقولُ أهلاً
وكم عينٍ يُكحِّلُها الطلولُ
تقولُ الريحُ عن عينيكِ شِعراً
وفي كَفَّيْكِ تَخْضرُّ الحقولُ
وفستانُ المساءِ يفوحُ عِطراً
وهذا القلبُ مَزَّقَهُ النحولُ
15:55 عصرا
غمزةٌ واحدةٌ
لا تكفي
كي تستيقظَ مدريدُ من غفوتها
لا تكفي
كي يمضيْ قطارُ الساعةِ الثالثةِ
مخالفاً قواعدَ السيرِ
غمزةٌ واحدةٌ
جعلتْني أدخلُ المصعدَ الخطأ
وأكتبُ عن غاباتِ الحرمان.
17:58 مساء
عناقٌ دافئٌ في محطةِ القطارِ
قُبَلٌ
دموعٌ
وداعٌ
هل ثمة شيءٌ آخرَ
لم تَبُحْ به العينان؟!
خالد المعمري شاعر عُماني