جهود حثيثة لحماية السلاحف ..والوعي المحلي خط الدفاع الأول لصون المهددة بالانقراض
حياة تحت الرمال "2"
الثلاثاء / 13 / صفر / 1448 هـ - 16:34 - الثلاثاء 28 يوليو 2026 16:34
يمثل الوعي المحلي لسكان محمية السلاحف في محافظة جنوب الشرقية خط الدفاع الأول في إنقاذ السلاحف، وإعادة توجيه صغارها إلى البحر بالشراكة مع مراقبو البيئة في المحمية، حيث تم إعادة وإنقاذ آلاف السلاحف خلال موسمي التعشيش والتفقيس سنوياً، كما يشارك أهالي المحمية بشكل يومي مع مراقبو البيئة في تنظيف الشواطئ من المخلفات البلاستيكية والأخشاب وغيرها التي تشكل خطورة على السلاحف خلال موسم التعشيش، وتعد سلطنة عمان من أهم الموائل الطبيعية للسلاحف الخضراء في العالم حيث تقطع هذه المخلوقات مسافات طويلة في أعماق البحار للعودة إلى نفس الشاطئ الذي رأت فيه النور لأول مرة في سلطنة؛ عمان إذ تختزن بحسب هيئة البيئة 'البصمة الجيومغناطيسية' في ذاكرتها كبوصلة أزلية، في واحدة من أكثر الظواهر غموضاً وإثارة في علم الأحياء البحرية، ومع وصولها لمرحلة البلوغ في سن الثلاثين عاماً تعود إلى شواطئ محمية السلاحف للتعشيش، وحذرت هيئة البيئة من تسبب ارتفاع درجات حرارة الرمال بزيادة إنتاج الإناث على حساب الذكور بسبب التغيرات المناخية التي تمثل أحد أبرز التحديات التي تواجه السلاحف البحرية عالميًا.
وقالت المهندسة عايدة بنت خلف الجابري، أخصائية إدارة حياة بحرية بهيئة البيئة: إن قدرة السلاحف الخضراء على العودة إلى شاطئ ميلادها تُعد من أكثر الظواهر إثارة في علم الأحياء البحرية، وتشير الدراسات العلمية إلى أنها تعتمد على مزيج من الآليات الملاحية، أهمها البصمة الجيومغناطيسية للأرض، حيث تقوم صغار السلاحف عند خروجها من العش بتسجيل الخصائص الفريدة للمجال المغناطيسي للشاطئ الذي وُلدت فيه، وتستخدم هذه 'الخريطة المغناطيسية' لاحقًا للعودة إليه بعد عقود من التجوال في المحيطات، كما يُعتقد أن السلاحف تستخدم إشارات إضافية عند اقترابها من السواحل، مثل التيارات البحرية، وروائح المياه، والخصائص الطبوغرافية للقاع، وربما مواقع النجوم خلال بعض مراحل هجرتها، ورغم التقدم العلمي، لا تزال هذه الظاهرة محورًا للعديد من الأبحاث العالمية.
دورة الحياة
وأوضحت الأخصائية أن متوسط عمر السلاحف الخضراء يُقدّر ما بين 60 و80 عامًا، وقد يتجاوز ذلك في بعض الحالات. وتتميز بدورة حياة طويلة ومعقدة؛ إذ تمر بعدة مراحل، بدءاً بمرحلة البيضة والتي تستغرق نحو 50 ـ 60 يومًا داخل العش، ثم مرحلة الفقس والحياة المحيطية المبكرة والتي تمتد من عدة سنوات حتى نحو 5 سنوات، وتُعرف بـ'السنوات المفقودة' لصعوبة دراستها، ثم مرحلة النمو في المناطق الساحلية وتمتد عادة من 15 إلى 25 عامًا، تليها مرحلة النضج الجنسي حيث تبلغ السلاحف عادة بين عمر 25 و35 عامًا، وقد يتأخر النضج في بعض المناطق إلى أكثر من 40 عامًا، وبعد البلوغ، تعود الإناث للتعشيش كل سنتين إلى خمس سنوات، وتضع عدة أعشاش خلال الموسم الواحد.
أسرار بيولوجية
وأضافت: من أبرز الحقائق العلمية أن جنس صغار السلاحف لا تحدده العوامل الوراثية كما هو الحال لدى الإنسان، وإنما تحدده درجة حرارة الرمال أثناء فترة حضانة البيض؛ فارتفاع الحرارة يؤدي إلى إنتاج نسبة أكبر من الإناث، بينما تنتج درجات الحرارة المنخفضة نسبيًا ذكورًا أكثر، ومن الحقائق المهمة أن السلاحف الخضراء تُعد من الحيوانات القليلة التي تنتقل من نظام غذائي متنوع في مراحلها المبكرة إلى نظام غذائي يعتمد بشكل رئيس على الأعشاب البحرية والطحالب عند البلوغ، مما يجعلها عنصرًا أساسيًا في الحفاظ على صحة المروج البحرية والتوازن البيئي، كما تمتلك قدرة استثنائية على الغوص لفترات طويلة، حيث قد تبقى تحت الماء عدة ساعات أثناء الراحة، وتقطع آلاف الكيلومترات بين مناطق التغذية والتعشيش، ومن أبرز الحقائق العلمية أن السلاحف الخضراء البالغة غالبًا ما تمتنع عن التغذية أو ينخفض معدل تغذيتها بشكل ملحوظ أثناء موسم الهجرة والتكاثر والتعشيش، وتعتمد على احتياطيات الطاقة المخزنة في أجسامها لإتمام رحلة الهجرة الطويلة وإنتاج مئات البيض خلال الموسم، ولذلك قد تفقد الأنثى نسبة ملحوظة من وزنها قبل أن تعود إلى مناطق التغذية لاستعادة مخزونها الغذائي.
الأقمار الاصطناعية
وبينت المهندسة عايدة الجابري أن هيئة البيئة نفذت برامج لتتبع السلاحف الخضراء باستخدام أجهزة الإرسال عبر الأقمار الاصطناعية، وأسهمت النتائج في توثيق مسارات هجرتها الإقليمية، وأظهرت أن السلاحف التي تعشش في سلطنة عُمان تنتقل إلى مناطق تغذية داخل المياه العُمانية، كما تعبر إلى المياه الإقليمية للدول المجاورة في بحر العرب وخليج عُمان، وتستخدم موائل بحرية محددة بشكل متكرر، وقد ساعدت هذه البيانات في تحديد المناطق ذات الأهمية البيئية العالية، وربط مناطق التعشيش بمناطق التغذية، وهو ما يدعم التخطيط المكاني البحري، وتطوير إجراءات الحماية على المستويين الوطني والإقليمي.
رصد السلوكيات
وعددت المهندسة مجموعة من السلوكيات التي تم رصدها للسلحفاة الخضراء بينها عودة الإناث إلى الشاطئ نفسه الذي فقست فيه قبل عقود، ووضع عدة أعشاش خلال موسم التعشيش الواحد، إضافة إلى اختيار مواقع التعشيش بعناية لتجنب غمر الأعشاش بمياه المد، وقدرة السلاحف على السباحة لمسافات تتجاوز آلاف الكيلومترات بين مناطق التغذية والتعشيش، وإظهار درجة عالية من الوفاء لمناطق التغذية، حيث تعود إليها بشكل متكرر بعد كل موسم تعشيش، كما تقوم بتنظيف المروج البحرية أثناء التغذية، وهو ما يعزز نمو الأعشاب البحرية ويحافظ على إنتاجيتها.
التأثيرات المناخية
وأشارت إلى أن تغير المناخ يمثل أحد أبرز التحديات التي تواجه السلاحف البحرية عالميًا، فارتفاع درجات حرارة الرمال قد يؤدي إلى زيادة إنتاج الإناث على حساب الذكور، مما قد يؤثر مستقبلاً ويؤدي إلى اختلال التوازن بين الإناث والذكور، كما أن الارتفاع الشديد في درجات الحرارة قد يقلل من نسب نجاح الفقس، ويزيد من نفوق الأجنة داخل الأعشاش، إضافة إلى ذلك، يؤدي ارتفاع مستوى سطح البحر وزيادة شدة العواصف إلى تآكل الشواطئ وغمر بعض الأعشاش، بينما قد تؤثر التغيرات في درجات حرارة المياه والتيارات البحرية في توزيع مناطق التغذية ومسارات الهجرة .. مشيرة إلى أن نتائج الدراسات العلمية توفر الأساس الذي تُبنى عليه خطط إدارة المحميات البحرية ومناطق التعشيش المهمة، مثل محمية السلاحف وغيرها من الشواطئ الرئيسية، وتساعد هذه النتائج في تحديد المناطق ذات الأولوية للحماية، وتنظيم الأنشطة السياحية خلال موسم التعشيش، وإدارة الإضاءة الليلية والحد من الإزعاج، بالإضافة إلى توجيه مشاريع حماية الشواطئ من التدهور، وتقييم أثر المشاريع التنموية قبل تنفيذها، وتطوير خطط الإدارة التكيفية في ظل تغير المناخ.
الشراكات والتقنيات الحديثة
وقالت الأخصائية: إن هيئة البيئة تستخدم مجموعة من التقنيات الحديثة إلى جانب التتبع عبر الأقمار الاصطناعية، منها الطائرات بدون طيار (الدرون) لمسح الشواطئ وتقدير أعداد السلاحف، واستخدام أجهزة تسجيل درجات الحرارة داخل الأعشاش لدراسة تأثير الحرارة على نجاح الفقس وتحديد الجنس، والتحليل الوراثي لتحديد البنية السكانية ومستويات التنوع الوراثي، واستخدام أنظمة المعلومات الجغرافية لرسم خرائط موائل التعشيش والتغذية، وذلك بالتعاون مع جامعات ومراكز بحثية وطنية ودولية، بما يعزز تبادل الخبرات وتطوير المعرفة العلمية.
تحديات البقاء
وأكدت أن السلاحف الخضراء تواجه مجموعة من التحديات، أبرزها فقدان وتدهور موائل التعشيش نتيجة التنمية الساحلية، و التلوث البلاستيكي، حيث تبتلع السلاحف المخلفات البلاستيكية أو تتشابك فيها، بالإضافة إلى الصيد العرضي في معدات الصيد، والتغيرات المناخية وارتفاع درجات الحرارة، والإضاءة الصناعية التي تُربك الإناث وصغار السلاحف أثناء خروجها إلى البحر، أضف إلى قيادة المركبات على شواطئ التعشيش، وما تسببه من تدمير للأعشاش وانضغاط الرمال، والأنواع الدخيلة والمفترسات الطبيعية التي تهاجم البيض والصغار، وتعمل هيئة البيئة على مواجهة هذه التحديات من خلال حماية مواقع التعشيش، وتعزيز الرقابة، وتنفيذ برامج الرصد والبحث العلمي، والتوعية المجتمعية، والتعاون مع الشركاء المحليين والدوليين، بما يضمن الحفاظ على هذه الأنواع المهددة بالانقراض للأجيال القادمة.
من جهته قال علي بن سالم العريمي، مسؤول وحدة الرقابة والإشراف العام بمحمية السلاحف: إن المحمية تستقبل في موسم التعشيش الذي يبدأ في يونيو وينتهي في نوفمبر ما بين 100 ـ 500 سلحفاة في اليوم الواحدة، أما موسم التفقيس فإنه يبدأ من متنصف شهر أغسطس إلى ديسمبر من كل عام، حيث يتم إرجاع الآلاف من صغار السلاحف إلى البحر .. مضيفاً: أن هيئة البيئة تنفذ حملة سنوية في محمية السلاحف بدءاً من شهر يونيو لإنقاذ السلاحف الكبيرة التي تقصد شواطئ المحمية للتعشيش، وحماية مواقع التعشيش، وبدءاً من منتصف أغسطس تبدأ الحملة بجمع صغار السلاحف التائهه وإرجاعها إلى البحر حتى شهر ديسمبر، ويتم إرجاع ما بين 3 آلاف إلى 15 ألف من صغار السلاحف يومياً.
وذكر العريمي أن أكبر سلحفاة استقبلتها المحمية يبلغ طولها متر ونصف المتر، ووزنها 163 كيلوغراما، ويقوم المراقبون في المحمية بترقيم السلاحف التي تضع بيوضها في شواطئ المحمية الممتدة على طول 45 كيلومتراً، ويتم قياس عرضها وطولها، ويتم وضع جهاز تتبع في البعض منها لمعرفة مسار هجرتها خلال 4 سنوات، وأظهرت نتائج التتبع وصول السلاحف الخضراء إلى المالديف، وماليزيا، والهند، والصومال، واليمن، ثم تعود مرة إلى شواطئ محمية السلاحف، ورغم أن المحمية تشتهر بالسلاحف الخضراء إلى أنها تستقبل سلاحف الريماني بأعداد قليلة جداً.
وأوضح العريمي أن السلاحف الخضراء من الممكن أن تعمر حتى 150 عاماً، وتتميز بحاسة بصر قوية، أما حاسة السمع فهي ضعيفة للغاية.
حماة البيئة
أحمد بن تعيب الحربي، صياد حرفي برأس الحد يقوم سنوياً بإنقاذ العديد من السلاحف الكبيرة، وإعادة توجيه صغار السلاحف إلى البحر يقول: إن معظم حالات إنقاذ السلاحف الخضراء الكبيرة تتم في منطقة الحور البيضاء والتي تبعد عن رأس الحد بنحو 25 كيلومتراً وتتميز هذه المنطقة ببيئة جبلية وجروف صخرية .. مشيراً إلى أنه قام بإنقاذ ما بين 20 إلى 15 سلحفاة خضراء كبيرة، ويسهم القاطنين في إعادة الآلاف من صغار السلاحف إلى البحر خلال موسم التفقيس وإنقاذ مئات السلاحف الكبيرة من الجروف الصخرية خلال موسم التعشيش سنوياً وذلك لضمان عودة هذه السلاحف مستقبلاً إلى شواطئ المحمية مرة أخرى والمحافظة على استمرار هذه الموائل الطبيعية كبيئة ملائمة ، كما يشارك الأهالي بشكل يومي قبل الغروب في تنظيف الشواطئ برفقة المراقبين البيئيين للتأكد من خلو الشاطئ من المخلفات البلاستيكية والأخشاب وغيرها من المخلفات التي تم مخاطر بيئية للسلاحف الخضراء.