تحولات القصيدة الشعبية العمانية «2-2»
الاثنين / 12 / صفر / 1448 هـ - 20:22 - الاثنين 27 يوليو 2026 20:22
(1)
لم يكن الحديث عن تحولات القصيدة الشعبية العمانية في المقالة السابقة إلا حديثًا يقوم على فكرة أنّ الكتابة الإبداعية لها مراحل متغايرة في الكتابة الإبداعية، وما دام أنّ الإبداع بشريٌّ فإنه متغاير في مراحل كتابته، ومختلف من كاتب لآخر، ذلك يقودنا إلى أنّ المغايرة في الكتابة تقوم على الكاتب نفسه في توظيف الأدوات المناسبة خدمة لنصه.
لذا فإن عملية الكتابة الشعرية في القصيدة الشعبية العمانية لم تكن سهلة في عملية تحولها الفني، بل مرّت بمراحل وواجهت صعوبات مختلفة ربما هي ذاتها ما مرت به القصيدة الفصيحة في الشعر العربي.
لعل من أهم ما واجهته القصيدة الشعبية العمانية هو فكرة التجديد نفسها؛ فالتجديد ليس تحولًا من شكل لآخر فحسب، أو من نمط لآخر، بل إنّ التجديد ذاته غاية وانتقال من مرحلة إلى أخرى أكثر دهشة وانفتاحًا. إنّ عالم الكتابة اليوم أكثر اتساعًا وشمولية في المزج بين عوالم الماضي والحاضر والمستقبل. هذا الانفتاح استوعبت معه القصيدة الشعبية عوالم متداخلة ومتغيرة ومتخيلة استطاعت لغتها الشعرية التوسع في توظيف الدلالات الشعبية وصهرها في بوتقة القصيدة، فما كان يُنتج سابقًا في صورة بسيطة مستمدة من الواقع هو اليوم أكثر استفادة من المرجع الخارجي وأكثر تنويعا وتوظيفًا.
لكن هل فهم الشاعر الشعبي هذه الفكرة أم أنه ما زال يرى في التجديد خروجًا على نمط الكتابة الشعرية السابقة؟ هنا أودّ الإشارة إلى أنّ مرحلة التجديد والتطور الكتابي لا تعنيان بالضرورة مخالفة النمط الشعري القديم بل هي فكرة قائمة على الاستفادة والبناء؛ الاستفادة في بناء مرجعية شعرية نابعة من تراثنا وهويتنا، وبناء نص جديد وحيّ يستفيد من أدوات سابقة في تشكيل نص شعري جديد، وهنا أقف على عبارة ذكرها أدونيس في كتابه: (زمن الشعر) عن الانتقال الكتابي الحديث حين عبّر عن مسارين زمنيين في الكتابة الشعرية الحديثة حين يقول: «فالشعر الحديث، في كل عصر وفي كل أمة -دون استثناء- هو حتى في ذروة رفضه، نوع من الاستعادة لوجه ما في القديم، أو لبعدٍ ما، أو لعنصر ما». بل إنّ أدونيس في موضع آخر يشير إلى فنية النص بعيدًا عن زمن كتابته فلا أفضلية لشكل أو مضمون معاصر على على ما كتب سابقًا كما يفهم البعض ذلك مع نمط الكتابة الحديثة، يقول أدونيس: «لا بدّ من التوكيد هنا على أنّ مجرد التغاير مع الماضي ليس كافيًا. فكوننا لا نكتب كما كتب امرؤ القيس أو المعري أو جبران مثلًا لا يعني أنّ ما نكتبه هو بالضرورة أفضل ممّا كتبوه أو أنّ له قيمة شعرية بذاته».
هنا ينبغي على الشاعر الشعبي فهم طبيعة المراحل التي تمرّ بها عملية الكتابة، وفهم الأدوات التي تُبنى بها النصوص، وفهم فكرة التجديد نفسها: ما طبيعتها وما آلياتها وما الفائدة منها؟ عندها سيدرك الشاعر أنّ الماضي جزء من الحاضر والمستقبل لا دخيلان عليه، وأنّ القصيدة الشعبية تسلك مسارًا أشمل للتعبير ينبغي أن تواكبه ثقافة الشاعر نفسه، وهي نقطة أخرى نقف عليها في هذه المقالة.
(2)
نقطة أخرى أقف معها في عملية التحول الشعري للقصيدة الشعبية وهي أنّ كثيرًا من شعراء هذه القصيدة لا يمتلك أسلحة تمكّنه من خوض عملية التجديد الشعري، ومنها سلاح الشاعر المثقف والقارئ المطّلع على مجالات الفكر والعلم والثقافة. أكتب ذلك وأنا أعلم أنّ كثيرًا من هؤلاء الشعراء لن يتقبّلوا هذا الرأي، ولكنه واقع مهم؛ إذ كيف يستطيع شاعر التعبير بفنية وإبداع وبراعة دون أن يكوّن له مساحة من التفكير العلمي والثقافي، وكيف يتسع الخيال والرمز في النص إذا كانت الثقافة مهملة؛ إذ إنّ القصيدة الشعبية اليوم تُبنى بأدوات فنية مغايرة عما كانت عليه، فالصوت الداخلي والرموز والتكثيف الدلالي والإيحاءات كلها تنطلق من ثقافة يمتلكها الشاعر. هنا أذكر أن شاعرًا -من شعراء القصيدة الشعبية- كان يسألني عن أحد الرموز التي يستخدمها شعراء القصيدة العربية، وبعد أن أجبته سألته لماذا تسأل عنه، أجابني أنّ القافية لديه ألجأته إلى استخدام هذه الكلمة دون أن يتفطن إلى معناها جيدًا. وهنا يمكن الإشارة إلى أنّ كثيرًا من الشعراء الشعبيين يتعامل مع القصيدة الشعرية بفطرته الشعرية دون أن يكسبها مزيدًا من التسليح الثقافي الذي بدوره يستطيع من خلاله توظيف الأدوات المناسبة التي يبني من خلالها نصه الشعري.
إنّ الثقافة عامل مهم في البناء الشعري، وفي عملية التحول الشعري، فما وجدناه من التنوع في التعبير الشعري بين شعراء مهمين -خليجيين عمانيين- كان التكوين الثقافي وراءه، يقول الرافعي عن القراء الذين يسعون إلى تكوين أساس ثقافي لديهم: «الذين يقرؤون يمتلكون دائمًا مخزونًا من الأرواح البديلة التي تحميهم من العزلة والسطحية». لا يمكننا إذن أن نغفل الثقافة في تكوين أرضية يقف عليها الشاعر الشعبي، وهذه دعوة إلى كثير من شعراء القصيدة الشعبية إلى العودة إلى الثقافة باعتبارها عاملًا مهمًا ليس في عمليتي التحول والتجديد فحسب بل هي عامل مهم في عملية الكتابة نفسها أيا كان نوعها وشكلها.
(3)
من الصعوبات التي تقف في وجه التحول الشعري للقصيدة الشعبية الخوف من طرق أبواب جديدة للقصيدة، والشك في النص الجديد أنه رهانٌ لمرحلة الكتابة الحالية، وأنّ القصيدة نفسها في مرحلة تطور وانتقال كتابي يتوافق مع الزمن الحديث للإبداع.
هنا فقط تبرز لنا الموضوعات كونها مطروقة من قبل، والأفكار ذاتها، والأساليب لم تتسع لتشمل آفاقًا أوسع، فظهرت في بعض النصوص الانتحال والسرقات بصورة جليّة، كما اتسمت بعضها بالعفوية والبساطة اللتين ربما أظهرتا وجهًا شاحبًا للقصيدة عند بعض الشعراء.
ربما في رأيي الشخصي أنّ القصيدة الحديثة تقترن أكثر بالشاعر المؤمن بفكرة التحديث ومواجهة الخوف الذي يعيق النجاح والتطور، لا أقول ذلك كما ذكرتُ أعلاه أن نتخلى عن هويتنا ومرجعياتنا الثقافية في عملية الكتابة، ولكنّ النهر إذا وقف فسد، والأذن تعشق الجديد؛ لذا جاءت الدعوة إلى المزج بين هويتنا الشعرية ومرجعيتنا الثقافية لبناء نص شعري شعبي يُعبّر عن أدوات المرحلة الشعرية التي يعيشها مجموعة من الشعراء الشباب، حملوا الكلمة في مخيلتهم ونقلوها فكرة عبر قصائدهم.
(4)
إذن لا يعني التحديث الشعري في القصيدة الشعبية خروجًا عن الهُوية والمرجعية الثقافية، كما لا يعني أنّ الشاعر الشعبي غير قادر على عملية التحول الشعري الحديث، وحتى لا أُفهم بطريقة سلبية، فإن هناك نماذج من شعراء للقصيدة الشعبية في عمان، من مراحل مختلفة، كتبوا مجموعات شعرية، وقصائد امتازت بالطابع الفني الأصيل، مزجت بعضها بين أدوات الكتابة الحديثة وبين طابع القصيدة التراثي دون إخلال فيها، فكانت تجارب إبداعية دالة على ثقة الشاعر الشعبي في نفسه وفي مشروعه التحديثي القادم.
خالد المعمري كاتب عُماني