أفكار وآراء

سياحة المهرجانات والصناعات الإبداعية

منذ سنوات عديدة طرأت تحولات جوهرية في مفاهيم السياحة والتنمية الاقتصادية أسهمت في إيجاد نموذج تنموي متكامل في ظل النمو الذي يشهده الاقتصاد المعرفي حول العالم، وبرزت أدوات جديدة اكتسبت أهمية في التنويع الاقتصادي مثل سياحة المهرجانات Festival Tourism والصناعات الإبداعية Creative Industries، تزامن ذلك مع تصاعد أهمية الاقتصاد المبني على المعرفة والثقافة والتكنولوجيا. 

من منظور اقتصادي وتنموي لا يمكن النظر إلى هاتين الأداتين أو النمطين المتلازمين من جانب أحادي؛ فالمهرجانات في الحقيقة هي الواجهة الاستهلاكية التي تستقطب الجمهور والصناعات الإبداعية هي البنية الأساسية الإنتاجية التي تضمن استدامة المهرجانات عبر صناعة المحتوى، وبالتالي فإن العلاقة بين المهرجانات والصناعات الإبداعية هي تكاملية، ويمكن توظيفها من خلال أبعادها الاقتصادية والثقافية في التنمية الاقتصادية المستدامة. 

سياحة المهرجانات بمفهومها الواسع هي «نمط من أنماط السياحة الثقافية ذات طابع فني أو تراثي أو احتفالي، تقوم على السفر؛ بهدف حضور فعاليات محددة زمنيا ومكانيا»، أما الصناعات الإبداعية فعُرفت وفقا لمؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية UNCTAD بأنها «دورات إيجاد السلع والخدمات وإيجادها وإنتاجها التي توظف الإبداع ورأس المال الفكري كمدخلات أساسية»، وتشير الدراسات التي أجرتها منظمة السياحة العالمية إلى أنّ كل دولار ينفقه السائح في المهرجانات، ينتج عنه 1.6 دولار في الاقتصاد المحلي للدولة التي توظف الصناعات الإبداعية في سياحة المهرجانات، وبالتالي تولد فرص عمل للباحثين عن عمل في مجالات جديدة مرتبطة بالصناعات الإبداعية مثل إنتاج الأفلام، والتسويق الرقمي، وإدارة الفعاليات، إضافة إلى إسهام هذه المهرجانات القائمة على الصناعات الإبداعية في تعزيز الدبلوماسية الثقافية التي تعد أداة مهمة في تصدير السردية الثقافية الوطنية إلى العالم من خلال إعادة إنتاج التراث بأسلوب معاصر غير تقليدي عبر إشراك المجتمع المحلي في صناعة المحتوى، مما يعزز الانتماء المجتمعي لهذه الموروثات الوطنية، ويسهم في استدامتها وتطوّرها وتنميتها، مثل إحياء المدن والمواقع التراثية إلى وجهات سياحية عالمية كتحويل المناطق البعيدة أو غير المأهولة بالسكان إلى مسرح عالمي مرتبط بالإرث التراثي والثقافي لتلك المنطقة، أو تحويل الجبال إلى منتجعات سياحية وقاعات للحفلات أو تطوير المكان وإعادة تأهيله لاستضافة بعض الرياضات العالمية مثل تسلق الجبال Hiking، هذه الأفكار تحقق أهداف التنويع الاقتصادي الذي يدعم تحقيق «رؤية عُمان 2040»، وهي حقيقة من منظور اقتصادي قليلة الكلفة لكنها تحقق عائدا اقتصاديا كبيرا. 

أعتقد أن سلطنة عُمان تزخر بالعديد من المقومات التي تجعلها رائدة في مجال سياحة المهرجانات؛ لتنوّع تضاريسها، وقدرتها على تنظيم مثل هذه الفعاليات، لكن في الوقت ذاته نحن بحاجة إلى استدامة سياحة المهرجانات عبر إيجاد منظومة وطنية للمهرجانات على مدار العام؛ لضمان الجدوى الاقتصادية من تنظيمها وعدم تذبذب الدخل في مختلف المواسم، وبالتالي أقترح إنشاء هيئة وطنية للصناعات الإبداعية؛ بهدف التنظيم والتنسيق بين الجهات الحكومية وضمان توفر المحتوى المحلي في هذه الصناعات بالتنسيق مع هيئة المناقصات والمشاريع والمحتوى المحلي دون الحاجة إلى استيراد المحتوى الفني من خارج سلطنة عُمان، أيضا توفّر هيئة الصناعات الإبداعية، مؤشرات لأثر المهرجانات الوطنية الإبداعية تقيس الأثر الاقتصادي والثقافي من تنظيمها وانعكاس ذلك على الاقتصاد الوطني من حيث مساهمتها في الناتج المحلي الإجمالي لسلطنة عُمان؛ لقناعتي بأن سياحة المهرجانات والصناعات الإبداعية لم تعد خيار أو ترفا ترفيهيا، بل بنية أساسية ناعمة للدول التي تسعى إلى تطوير منظومة اقتصاداتها بشكلٍ عام. 

أرى من الجيد دراسة مقترح إدارة منظومة المهرجانات الوطنية ذات الطابع الإبداعي والمستدام ذات هوية وطنية موحدة أو يكون مهرجان واحد يصل إلى العالم بشعار واحد على غرار المهرجانات العالمية في الإقليم، بدلا من تنظيم الفعاليات المتخصصة كلٍ على حدة من خلال التنسيق المشترك بين وزارات السياحة وقطاع الثقافة في وزارة الثقافة والرياضة والشباب، وقطاع الاقتصاد الرقمي في وزارة النقل والاتصالات وتقنية المعلومات؛ لتكون في إطار واحد وتوجه وتنظيم مشترك عبر منظومة لإدارة المهرجانات الوطنية، مع تأسيس أكاديميات للإنتاج الفني والإعلامي، وإدارة الفعاليات، وكذلك ريادة الأعمال الإبداعية بالاستفادة من التكنولوجيا وتوظيفها في استخدام الواقع المعزز والذكاء الاصطناعي من خلال دراسة تطبيق فكرة تحويل المحتوى المحلي إلى منتجات وخدمات رقمية وتصديرها خارج سلطنة عُمان. 

إنّ بناء اقتصاد مستدام قائم على التنويع الاقتصادي، يتطلب توظيف الممكنات المتاحة والاستفادة من الإمكانيات والمقومات التي تزخر بها سلطنة عُمان في مختلف المجالات، والاستفادة منها بالطريقة المثلى؛ لبناء اقتصادٍ متين متنوّع ومتطوّر قادر على الصمود أمام التحديات الاقتصادية الناتجة عن المتغيرات الجيوسياسية التي يشهدها العالم، وبالتالي فإن استثمار الصناعات الإبداعية وتعزيز المحتوى المحلي وإقامة المهرجانات السياحية هي النافذة على العالم التي ستسهم في تنمية الاقتصاد الوطني من خلال نمو مختلف القطاعات والأنشطة الاقتصادية. 

راشد بن عبدالله بن محمد الشيذاني كاتب عماني