أفكار وآراء

تفكيك منظومات الوهم

نصف قرن من الوهم. هكذا وصف معالي السيد بدر بن حمد البوسعيدي وزير الخارجية في مقال نشره في صحيفة (لوموند) الفرنسية منظومة الاحتواء التي تقوم عليها السياسة الأمنية في دول الخليج العربية. 

ويأتي هذا المقال استمرارا لنهج ينتهجه الوزير بهدف طرح وجهة نظر سلطنة عُمان وموقفها من القضايا والأحداث الجارية في الخليج العربي، يشرح فيه معاليه بلغة رصينة هادئة وبشكل مقتضب وتحليلي وقادر على مخاطبة الرأي العام الدولي، والعواصم الإقليمية والعالمية بعيدا عن لغة البيانات والقاعات والمؤتمرات الصحفية واللقاءات العابرة. 

ففي المقال السابق قدم معالي السيد سردية عُمانية رسمية مختلفة عن تلك السرديات التي يتم تداولها والترويج لها على منصات مبرمجة ومسيسة. شرح فيه ما جرى بعد انتهاء المفاوضات بين أمريكا وإيران. وأوضح بشكل لا لبس فيه أن الولايات المتحدة تخوض حربا ليست لها. وهي رسالة وصلت إلى المعنيين وإلى العالم. 

مقال لموند يبدو أقرب إلى رسائل دبلوماسية، وموقفا وفكرا مغايرا ونقدا بناء للمعايير السابقة في التعامل مع قضايا المنطقة، تهدف كلها إلى فتح فوهة في الجدار المتصلب، ونافذة تعيد الأمل لشعوب المنطقة وتحافظ على مكتسباتها في وجه الآخر. 

عبّر معالي السيد عن القلق الذي تعيشه شعوب دول المنطقة من تداعيات هذه الحرب العبثية التي أصبحت تصيب الناس في معيشتهم اليومية وأصبحت نتائجها الكارثية تتلمس بشكل يومي، يكفي أن نذهب إلى أحد المتاجر ليقول البائع بأن السلعة غير موجودة أو أن سعرها مرتفع والسبب هو إغلاق المضيق وعدم قدوم الشحنات من الدول الموردة. 

إن حماقة إشعال الحروب لن تتوقف في المنطقة طالما أن الأرضية مهيأة لذلك. صحيح أن المسؤول عن إشعال تلك الحروب هو المجتمع الدولي برمته، ولكن وبكل صراحة نحن من يهيئ المسرح ويبسط الأرضية ويعد العدة لذلك. والمشكلة قد تبدو أعمق من ذلك، فمضيق هرمز كما قال معاليه «ليس سوى عنصرا واحدا ضمن منظومة استراتيجية أوسع بكثير يستدعي بدورها تفكيرا معمقا». وهذه هي النقطة الجوهرية والمحورية التي تدعو إلى التفكير بشكل معمق وجذري، بعيدا عن تبسيط الأشياء والسطحية والآنية. 

إن الدروس المستخلصة من هذه الحرب هي بالفعل كثيرة ومتعددة. أول هذه الدروس هي منظومة الوهم الكبيرة التي تعشعش في العقول والنفوس. إن الوهم الذي تحدث عنه معاليه حول منظومة أمن الخليج التي قامت منذ عام ١٩٧٩على مفهوم (الاحتواء) واستندت إلى الإقصاء وقامت على أساس حماية دول الخليج والمصالح الغربية في المنطقة وعلى التهديد الوجودي الإيراني. هذه الفرضية كانت خاطئة حسب ما يرى معاليه، وأن التهديد الحقيقي لدول الخليج يأتي من تلك القرارات التي تتخذ خارجيا وفي مقدمتها في إسرائيل. وإن العدو الحقيقي هي إسرائيل التي تمثل خطرًا وجوديا. 

ولكن ما خفي أعظم، وخلف الأكمة ما خلفها. تنبؤ الأحداث التي مرت وتمر على المنطقة، بأن هناك أوهاما كثيرة ومتعددة تقوم عليها منظومات دول المنطقة، ويوم عن آخر تترسخ تلك الأوهام وتزداد وطأتها وحدتها. أوهام تجذرت سواء في علاقات دولنا مع مواطنيها أو علاقاتها مع الخارج الإقليمي والدولي. ما يستعدي تفكيك تلك المنظومة الوهمية الكبيرة التي تحكم سيطرتها على كل شيء. إن ما يرسخ الوهم هو أشياء كثيرة، المصالح الذاتية والآنية ترسخ الوهم، التحالفات الخارجية ترسخ الوهم، المذهبية العقائدية ترسخ الوهم، التعالي والتفاخر يرسخ الوهم، الارتهان إلى الماضي والتاريخ يرسخ الوهم، بناء منظومات داخلية صلبة تقوم على الفساد والمناطقية ترسخ الوهم، الوهم بامتلاك القوة ترسخ الوهم، تغير المفاهيم والمبادئ وعدم المصارحة والشفافية في العلاقات البينية بين دول المجلس ترسيخ آخر للوهم، عدم التصدي والوقوف في وجه من يحاول شق الصف والخروج عن المنظومة الوحدوية بدواعي السيادة، يعزز الوهم، المجاملات الظاهرة، تعزز الوهم، وهناك منظومات وهمية كثيرة يصعب حصرها في هذا الحيز. 

أعاد معالي السيد تحديد مفهوم العدو الحقيقي والوجودي الذي يهدد منطقة الخليج، وهي إسرائيل وليس إيران وتلك حقيقة غير خافية ويفهمها الجميع، لكن في الوقت نفسه لا يجب أن ننظر إلى الدول الأخرى بأنها الحمل الوديع البريء، فتلك الدول تنظر إلى نفسها بأنها كبيرة ولها مصالحها، دول مهددة من قبل العدو، لذلك تعمل على ترسيخ قوتها العسكرية وذلك من حق كل الدول في العالم، ومن حقنا نحن أن نشعر بالقلق. إن ما يثير القلق هو أن تستخدم تلك الدول قوتها وترسانتها ضدنا، وضد مصالحنا وتعمل على تفتيت دولنا وزعزعة استقرار مجتمعاتنا. القلق من دول لها مطامع توسعية وإيديولوجية. 

إن من الأهمية بمكان - مع أننا نتفق مع ما قاله معالي السيد - ضرورة وجود منظومة وحدوية متكاملة بين الدول المطلة على الخليج، إلا أن المتتبع لما يجري وقد يكون من منظور تجريبي ومشارك في بعض المحطات، يكتشف أن الوحدوية والمشاركة ليستا إلا وهما كبيرا، ونقول - للأسف - إن هذه الدول ليس في أولوياتها الوحدة والاتحاد ولا المصير المشترك، ولا تعر أي أهمية للمنظومات الموحدة والمشتركة، بل العكس عملت على تخريبها من الداخل، وذلك بطغيان المصالح الذاتية على المصالح المشتركة، وبتحالفات مع دول خارج المنظومة ربما تتوافق معها مذهبيا عقائديًا أو مصلحيًا أو غيرها، وأصبحت هذه المنظومات بما فيها مجلس التعاون لدول الخليج العربي بكل تركيباته الداخلية ليست إلا تزودا وللمظاهر الخارجية أمام العالم، ولا تخدم مصالح الدول المشتركة ولا شعوبها. ولو نظرنا لما يحدث حاليا لمضيق هرمز لاكتشفنا أن هذه الدول ليس لها موقف واحد مشترك يسند بعضه بعضا، ولا همّ موحد ولا حتى تعريف موحد. تتباين هذه الدول وتختلف في تعريف العدو، لكل دولة عدوها الخاص وصديقها الخاص بالرغم أن التهديد الوجودي كما قال معاليه يأتي من جهة معروفة ولا يحتاج مزيدًا من التبصر. 

الشيء الآخر المستفاد منه، هو أن العماد المتين الذي تقوم عليه العلاقات الدولية قد توارى وتراجع إن لم يكن قد اختفى تمامًا، لم يتبق شيء من حسن الجوار ولا المصالح المشتركة ولا حل الخلافات بالطرق السلمية، فأصبحت القوة بشقيها، القوة الصلبة والقوة الناعمة هي العلامة البارزة بين الدول، القوة هي القادرة دون سواها على حماية الدول ومنجزاتها، وهي القادرة على أن تكون للدول قوة بين الدول تستطيع من خلالها تسويق أفكارها وفرضها، من واقع القوة وليس من واقع أشياء أخرى. 

يبقى أن تفكيك منظومات الوهم يتطلب أولا أن تلتفت الدول إلى الداخل وتعيد ترتيب البيت من داخله وتقيم أركانه، وأن تضع ذلك من أهم أولوياتها، تفكيك منظومات الوهم الداخلي هي القوة الحقيقية التي تعيد ترتيب العلاقة مع الخارج، والاعتماد على القوة الداخلية هي القوة الأهم في مواجهة الآخر الخارجي، وليس الاعتماد على الخارج أيا كان ذلك. إن إعادة التفكير في البنية الأمنية للخليج بصورة شاملة الذي أشار إليه معاليه بين الدول المطلة على الخليج، يتطلب في الحقيقة من هذه الدول وخصوصا الكبيرة منها تفكيك أوهامها وتغير مفاهيمها والتنازل عن بعض الأشياء لصالح الكل، وعلى الدول الصغيرة ألا تعيش في بوتقة الوهم، وعليها أن تعيد التفكير في تحالفاتها الخارجية البعيد كل البعد عن المصالح المشتركة، ويتطلب قبل كل شيء إخلاص النوايا من الجميع. 

بدر الشيدي كاتب عماني