أفكار وآراء

في الصدق

لستُ أعني بالصدق هنا صدق اللسان، الذي طالما حضّت عليه المواعظ وكتب الآداب، وإنما أعني شيئًا أعمق غورًا وأشقّ مؤونة: ما سمّاه نيتشه Redlichkeit؛ أي الاستقامة مع النفس في طلب الحقيقة. ذلك أن يمتنع المرء عن تصديق ما يريحه حتى يستحق اعتقاده، وأن يحمّل نفسه من أعباء الدليل ما يحمّل به خصومه، فلا يلتمس لها الأعذار، حيث يطالب غيره بالبراهين. 

ولعل هذه أشد ضروب الشجاعة؛ إذ يسهل على الإنسان أن يواجه عدوًا خارجًا عنه، أما أن يواجه نفسه، وأن يرى فيها ما لا يحب أن يراه، فذلك امتحان آخر. وكان نيتشه يرى أن مقدار الحقيقة التي يطيقها الإنسان عن نفسه هو، في وجه من الوجوه، مقدار قوته. فالضعف لا يكره الحقيقة لأنها كاذبة، بل لأنها مؤلمة، فيستبدل بها وهمًا ألين وأقرب إلى الرضا. 

وما يصح على الأفراد يصح على الأمم. فالمجتمعات، هي أيضًا، تؤلف عن نفسها قصصًا تحبها، وتستريح إلى صور رسمتها لذاتها، حتى يغدو الحفاظ على هذه الصورة أهم من معرفة الواقع. وحينئذ لا يعود الكذب مجرد رذيلة أخلاقية، بل يصبح عجزًا معرفيًا؛ إذ تفقد الأمة الوسيلة التي تراجع بها نفسها، وتميز بها بين الصواب والخطأ. ولهذا لا تنهض الحضارات لأنها أقل خطأً من غيرها، وإنما لأنها أقدر على اكتشاف أخطائها والاعتراف بها؛ فالخطأ جزء من كل تجربة إنسانية، أما الإصرار عليه فليس قدرًا محتومًا. 

ولعل هزيمة عام 1967 أوضح شاهد على ذلك. فالهزيمة العسكرية كانت من الوضوح بحيث لا تخفى، لكن الخطاب العام آثر أن يسميها «نكسة»، فكأن الأمر عثرة عابرة لا خللًا في البنية. ولم يكن الخلاف في اللفظ وحده؛ لأن الاسم الذي نطلقه على الأشياء يرسم، في كثير من الأحيان، حدود التفكير فيها. فالهزيمة تستدعي سؤالًا عن الأسباب والمؤسسات والقيادة والثقافة السياسية التي أفضت إليها، أما النكسة فتوحي بأن الزمن كفيل بتجاوزها من غير مراجعة. ولذلك لم تتحول تلك التجربة إلى إعادة نظر في طرائق التفكير التي سبقتها، بل انتقلت قطاعات من النخبة من يقين إلى يقين آخر، ومن راية إلى راية، من غير أن يتغير المنهج الذي يصنع اليقين نفسه. تغيرت الأفكار، وبقيت طريقة التفكير على حالها. 

وقد تكون الدولة أولى ضحايا تدليسها. فكانت تونس، قبل عام 2011، تعرض أرقامًا عن النمو وارتفاع الدخل، بينما كانت بطالة الشباب والتفاوت بين الساحل والداخل يرسمان صورة أخرى، وكانت قوارب المهاجرين تحمل كل ليلة إحصاءً حيًا يناقض البيانات الرسمية. فلما انفجرت الأوضاع بدا كأن حقيقة البلاد ظهرت فجأة، مع أنها كانت ماثلة في حياة الناس منذ زمن. والنظام الذي يجمّل أرقامه لا يخدع جمهوره وحده، بل يخدع نفسه؛ يخطط لبلد لا وجود له، ثم يكون أول من تفاجئه الحقيقة. 

ومن الوجه نفسه بلاغة الصمود، تلك اللغة التي تتضخم كلما انكمش الواقع. فقد سُميت الهزائم انتصارات في العراق، وحلّت الشعارات محل بناء المؤسسات في ليبيا، وقُدّم الانهيار في السودان زمنًا بوصفه ثمنًا للمشروع لا دليلًا على إخفاقه؛ حتى غدا تضخم الحديث عن القوة مؤشرًا عكسيًا على مقدار الوهن. 

ويظهر الأمر نفسه في علاقتنا بالعلم. فالعلم لا يبدأ بنتيجة ثم يبحث لها عن أدلة، بل يبدأ بسؤال، ويظل مستعدًا لتغيير جوابه كلما تغيرت الأدلة. أما حين تصبح النتيجة معلومة سلفًا، ولا يكون البحث إلا وسيلة لتبريرها، فإن ما يبقى ليس علمًا مهما استعار لغته ومصطلحاته. فحيث يستحيل تغيير النتيجة، يستحيل التعلم. 

ولا يشذ سياقنا العماني عن هذا الواقع العربي، وإن اتخذت الظاهرة عندنا صورًا أهدأ. فلنا خطاب خاص في تمجيد عُمان، شعبًا وتاريخًا، حتى تبدو في بعض القول كأنها مستثناة من قوانين العمران. ولا أنكر لعُمان تاريخها ولا ما حققته في مراحل من تجربتها، وإنما أنكر أن يتحول التاريخ إلى ستار يحول بيننا وبين النظر. ولعل الأصدق أن نقول إننا، في إنتاج المعرفة والتقنية، نقف في هامش عالم عربي يقف هو نفسه بعيدًا عن مراكز الإنتاج العالمي. وليس هذا جلدًا للذات، بل تحديد للموضع؛ فمن ظن نفسه في المركز لم يشعر بحاجة إلى الحركة، أما من عرف موضعه على الخريطة فقد عرف المسافة والاتجاه، وتهيأ للسير. 

ولهذا الضرب من الخطاب اسم صاغه هاري فرانكفورت، في معناه الاصطلاحي لا في معرض السباب، حين تحدث عن «الهراء». فالكاذب، على الأقل، يعترف ضمنًا بوجود حقيقة يريد إخفاءها، أما صاحب الهراء فلا تعنيه الحقيقة أصلًا، وإنما يعنيه الأثر الذي يتركه كلامه. ويتواطأ القائل والسامع على هذا الضرب من القول لأن كليهما ينتفع به: هذا ينال مكانته، وذاك يحتفظ بوهمه. وحين يغلب هذا الخطاب، لا تعود المشكلة أن المجتمع يخطئ، بل أنه يفقد الاهتمام بالسؤال عما إذا كان مخطئًا. 

والنتيجة أفدح من فساد الخلق؛ إنها فساد آلية الفرز والتصحيح نفسها. فغياب الصدق لا يوقف حركة المجتمع: الكتب تصدر، والخطط تعلن، والخصومات تشتد؛ لكنه يمنعه من أن يميز جيده من رديئه، فلا تتراكم الخبرة ولا يصبح الإخفاق معرفة. إن الكذب لا يوقف عجلة المجتمع، بل يفصلها عن الأرض؛ فتدور وتدور ولا تتقدم. 

ولعل هذا هو المعنى الأعمق الذي أراده نيتشه. فليس السؤال الذي يواجه الأفراد والأمم: هل نحن صادقون؟ بل: كم من الحقيقة نستطيع أن نطيق؟ ففي الجواب عن هذا السؤال يُعرف مقدار القوة، ويبدأ طريق الإصلاح. 

حمد الغيثي كاتب ومترجم عُماني