ثقافة

الخيال العلمي ممتزج بالحركة في رائعة سبيلبيرغ الجديدة

فيلم «يوم الكشف»:

 

طاهر علوان

لا شك أن اهتمامات جمهور السينما وتفضيلاته ما انفكت تتغير بتغير إيقاع الزمن ومتغيراته والتطورات العلمية والتكنولوجية المتسارعة، فيما تتصدر منجزات الذكاء الاصطناعي والعالم الرقمي المتسارعة المشهد بشكل غير مسبوق، ولهذا صار هذا الجمهور العريض يتوقع من الأفلام السينمائية أن تقدم منظورا مختلفا ومقاربات مختلفة عما كان سائدا في السابق.

ينطبق هذا على المخرج الكبير ستيفن سبيلبرغ وهو في أواخر السبعينيات من العمر وبعد منجز حافل جدا بالأفلام التي حصدت النجاحات والجوائز، وحصدت الأموال الطائلة في شباك التذاكر، فهو المخرج الذي أحكم صلة جمهور السينما بالخيال العلمي، وأوجد ابتداء من فيلم أي تي والحديقة الجوراسية ولقاءات من النوع الثالث مقاربات مدهشة جعلت ما هو خيالي مألوفا وأكثر قربا من الجمهور العريض.

وها هو المخرج الكبير يتحف جمهوره بفيلم مختلف يمزج ما بين الخيال العلمي والكائنات الفضائية وبين توظيف خصوصيات أفلام الحركة والإثارة في توليفة استثنائية، وهو ينطلق من إثارة تساؤلات حول كثير من الاعتبارات الكونية السائدة؛ إذ ينطلق منها في قراءة واقع غارق في نظرية المؤامرة وأسرار الدولة العميقة التي تخفي عن الجمهور ما تخفيه من أسرار، ولكن هذه المرة ليست أسرارا سياسية، بل أسرار تتعلق بالعلاقة مع العوالم الأخرى الكائنات الفضائية وقد تم أسرها وإجراء التجارب عليها وترويعها وما إلى ذلك.

سوف يبنى كل ذلك وفق عدة مسارات سردية تبدأ منفصلة عن بعضها، إلا أن براعة كاتب السيناريو ديفيد كويب الذي طور القصة التي كتبها المخرج سوف تقودنا إلى تداخل السرد الفيلمي والتقاء المسارات بشكل مدهش.

فها نحن مع دانيال كيلنر -يقوم بالدور الممثل جوش أوكونور، خبير الأمن السيبراني الهارب وهو يحمل في حقيبة الظهر أسرارا مخيفة هي عبارة عن ملفات رقمية محملة بوقائع وأسرار شديدة السرية وتمس الأمن القومي، وهو مع حبيبته جين -تقوم بالدور الممثلة إيف هيوسون يواجهان قوى الدولة العميقة التي تطارده لاسترجاع تلك الملفات الرقمية، وهي تخص بشكل دقيق، شركة واردكس للمقاولات الدفاعية التي يديرها نواه سكانلون الممثل الكبير كولين فيرث؛ حيث يجند جيشا من المسلحين وطواقم المراقبة السرية ومئات الشاشات المنتشرة في المكان لمراقبة كل شيء.

على الجانب الآخر وفي مسار سردي مواز هنالك أجواء العمل المتسارعة في شبكة تلفزيون أمريكية؛ حيث تقدم مارغريت الممثلة الكبيرة ايميل بلونت النشرة الجوية بشكل روتيني، لكن ها هي تدخل في أطوار غريبة، ومنها نطقها في أثناء البث المباشر بحروف وكلمات غير مفهومة ثم تعرضها للإغماء ليلي ذلك قدرة خارقة تظهرها، وتتمثل في قراءة عقول الآخرين وبما في ذلك إدراكها الملاحقة التي يتعرض لها كيلنر من طرف قوى الدولة العميقة، وبذلك سوف تلتقي الخطوط السردية، وتبدأ رحلة صراع لا تكاد ينتهي.

يمعن سبيلبيرغ في قصته السينمائية في الغوص في الموارائيات، فيمزج الرهبنة والموروث المسيحي والقناعات المعتادة في موازاة ما تنفذه مؤسسة واردكس من مشاريع خطيرة، ولننتقل إلى مستوى آخر من التخاطر العقلي أو التيليباثي من خلال قدرتين متوازيتين وهما قدرة مقدمة الأنواء الجوية مارغريت وقدرة مدير واردكس وبين هذا التخاطر والنفاذ لعقول الآخرين هنالك كيلنر المطارد حاملا على ظهره قصص فضائح متراكمة تمتد لعقود سابقة.

هذه الإشكاليات مجتمعة والشكل الفيلمي والمعالجة الدرامية المؤثرة تصدى لها العديد من النقاد والمهتمين وانشغلت بها العديد من المنصات، ومن ذلك ما كتبه الناقد «برايان تاليريكو» في موقع روجر ايبيرت؛ إذ جاء في مقاله «عاد مخرج فيلم «الذكاء الاصطناعي» بعد 25 عامًا بفيلمٍ يدور جوهره حول الحاجة إلى التواصل الوجداني مع الآخرين، وقوة الصورة الصادقة في توحيد الناس. هذه إحدى الطرق المناسبة لفهم فيلم ستيفن سبيلبرغ الجديد الذي يُذكّر المشاهدين بأن الأفلام الضخمة قد تكون معقدة موضوعا إلى جانب أنها قد تكون مسلية، وحيث يزخر هذا الفيلم بالأحداث لدرجة أن سيناريو ديفيد كوب قد يبدو أحيانًا، وكأنه يُحاول عبثًا شرح كل شيء، لكن سبيلبرغ وفريقه المتميز حاضرون دائمًا لإنقاذ الفيلم محافظين على إيقاعه السريع بطريقة تُذكّرنا بأفلام سبيلبرغ السابقة في الخيال العلمي دون أن يشعر المشاهد بالتكرار».

أما الناقد « راهول مينون» فقد كتب في موقع سكريبت ماغ « في رأيي أن هذا الفيلم من بين أفلام الخيال العلمي التي أخرجها سبيلبيرغ، هو أقرب إلى فيلم إثارة وتشويق منه إلى فيلم خيال علمي. تنتقل الشخصيات من دليل إلى آخر كاشفةً عن معلومات متفرقة بينما تطاردها قوى تُفضّل إبقاء تلك الأسرار طي الكتمان. صحيح أن الفيلم يتمتع بزخم كافٍ للحفاظ على وتيرة الأحداث، إلا أنه يُشعر المشاهدين في كثير من الأحيان بأنه يُؤجل الحوار الذي جاؤوا لسماعه. تصبح الأسئلة أكثر إثارة من الإجابات، والتمهيد أكثر تشويقًا من الخاتمة. بالنسبة لفيلم يقارب الساعتين والنصف، فإنه يُهدر وقتًا طويلًا بشكلٍ مُثير للدهشة في وضع الأسس دون البناء عليها بشكلٍ كامل».

من جانب آخر، حشد سبيلبيرغ فريقا من أكثر المتمرسين خبرة وإنجازا وتاريخا، فها هو يعود إلى صديق رحلته الموسيقار العالمي الكبير جون ويليامز وقد تجاوز التسعين من العمر ليضع الموسيقى التصويرية للفيلم والتي تكمل براعة هذا المبدع الكبير الذي واكب سبيلبيرغ طيلة عقود حلت ووضع الموسيقى لأكثر من خمسة عشر فيلما من أفلامه، وهو لوحده يستحق مقالة خاصة.

أما إذا انتقلنا إلى مهارات التصوير وبراعته فسوف يحضر اسم ودور مدير التصوير البولوني الشهير جانوس كامينيسكي الحائز على الأوسكار وعشرات الجوائز وسبق وأدار تصوير أفلام سبيلبيرغ ابتداء من فيلم لائحة شاندلر -1993 ثم توالت أفلامه: الحديقة الجوراسية، وإنقاذ الجندي رايان، والذكاء الاصطناعي، وحرب العوالم وغيرها؛ حيث لا تكاد الكاميرا أن تتوقف عن الحركة تدور عادةً حول الشخصيات متجاوزةً جميع حواجز الحركة المتوقعة وما هو ممكن وما هو صعب التنفيذ، ومُبقيةً المشاهدين في حالة ترقب دائم، ابتداء من مشاهد الحوارات الشخصية في الغرف المغلقة انتقالا إلى مشاهد المطاردة بالسيارات والمشاهد الخطيرة، وليس انتهاء بمشاهد القطارات المنفذة ببراعة ملفتة للنظر.

بالطبع يطول الحديث حول مهارات فريق عمل سبيلبيرغ في هذا الفيلم؛ حيث أتيحت لهم إمكانات شركتين عملاقتين هما يونيفيرسال وأمبلين وهي شركة سبيلبيرغ نفسه، لكن الملاحظ خلال ذلك أننا أمام تجربة استثنائية من تجارب سبيلبيرغ، فعلى الرغم من أن هذا الفيلم هو رابع أفلامه التي تناولت موضوع الكائنات الفضائية، إلا أنه يُعدّ اتجاها مختلفا في معالجة كون الفيلم ينتمي إلى الخيال العلمي فهو مختلف حقا عن أفلامه «لقاءات قريبة من النوع الثالث»، و«إي تي»، و«حرب العوالم». إذ يبدو وكأنه رحلة عبر أكثر من مجرد هذه الأفلام الخيالية؛ فهو في أواخر السبعينيات من عمره، ومع ذلك لا يزال مخرجًا فريدًا في أفلام الحركة مع أن المخاوف التي يُعبّر عنها الفيلم تبدو غريبةً عن عصرنا الحالي على الرغم من كونه زاخرا بالأفكار والعمق الفلسفي، إلا أنه يقارب إشكاليات ربما كانت أقرب لأفلام حقبة التسعينيات مع أن التقنيات الرقمية المرتبطة بزمننا هذا تبدو أكثر تداولا وحضورا في الفيلم.

إخراج: ستيفن سبيلبيرغسيناريو: ديفيد كويب عن قصة لسبيلبيرغتمثيل: ايميلي بلونت، جوش أوكنور، كولين فيرث، ايف هيوسن،كولمان دومينغومدير التصوير: جانوس كامينيسكيموسيقى: جون ويليامز

إنتاج: يونيفرسال وأمبلينالميزانية -التكلفة: 115 مليون دولار

بوكس اوفس- الدخل حتى الآن: 237 مليونا