بدر الوهيبي: الرحلة تجربة إنسانية تعيد تشكيل الوعي وتقرب المسافات بين الشعوب
متحدثًا عن الهوية والمشتركات الإنسانية وتحولات الكتابة في عصر الصورة
السبت / 10 / صفر / 1448 هـ - 20:03 - السبت 25 يوليو 2026 20:03
كل رحلة تفتح بابًا إلى حكاية جديدة... وكل مدينة تحمل ذاكرة تتجاوز معالمها وشوارعها إلى قصص أهلها وثقافتهم، ومن هذه الفكرة، بل والقناعة، ينسج الكاتب العُماني بدر الوهيبي نصوصه، جامعًا بين المشاهدة والتأمل، وبين رصد المكان واستكشاف الإنسان، لتصبح الرحلة تجربة معرفية وثقافية تثري القارئ وتدعوه إلى إعادة النظر في كثير من الصور المسبقة عن العالم.
في هذا الحوار يتناول 'الوهيبي' فلسفته في كتابة الرحلة، وتجربته مع السفر، وتطور أسلوبه الأدبي، ورؤيته لأثر وسائل التواصل الاجتماعي في أدب الرحلات، إلى جانب حديثه عن حضور الهوية العُمانية في أعماله، وإيمانه بأن المشترك الإنساني يظل الرابط الأعمق بين الشعوب مهما تباعدت الجغرافيا.
بداية.. يقول الكاتب بدر الوهيبي (والذي قدم للمكتبة العُمانية جملة من الإصدارات الأدبية الخاصة بأدب الرحلات) إنه، ومنذ وقت مبكر من تجاربه مع الارتحال، أدرك أن الإنسان مهما اختلفت أوطانه وثقافاته يظل العنصر المحوري الذي تتشكل حوله الحضارات وتُبنى من خلاله منجزات الأمم، فالارتحال، إضافة إلى أنه عبور بين المدن والدول، فهو في الوقت نفسه نافذة لفهم الإنسان ذاته، ذلك الإنسان الذي ساهم في بناء مجتمعه وترك أثره في تفاصيل الحياة اليومية وفي الذاكرة الجمعية، ومن هنا جاء اهتمامي برصد الحكايات الإنسانية والتفاصيل الاجتماعية التي تمنح المكان روحه الحقيقية. أما أدب الرحلة فأراه فنًّا يجمع بين استكشاف الجغرافيا والتنقيب في صفحات التاريخ وتأمل الأبعاد الإنسانية الكامنة خلف المشاهد والأحداث، ولذلك لا أنظر إليه كبحث عن 'الأنا' في مرآة 'الآخر'، بقدر ما أراه مساحة تتقاطع فيها تجارب البشر ومنجزاتهم، فتنعكس في النص الأدبي بصورة تكشف المشتركات الإنسانية أكثر مما تؤكد الفوارق. وبمجرد أن يغادر الإنسان بيئته المعتادة تبدأ ذاكرته بعقد المقارنات واستحضار النظائر، فهو يسافر ليقرأ الآخر، وفي أثناء ذلك يعيد تشكيل وعيه المعرفي بما يكتشفه من تشابهات وفوارق، وقد تبدو هذه المقارنات طبيعية في بدايات التجربة الرحلية، غير أن تكرار الأسفار يكشف حقيقة أعمق، وهي أن الإنسان يتشابه في كثير من تفاصيله الأساسية مهما اختلفت ثقافته أو لغته أو دينه أو موقعه الجغرافي. ووجدتُ في أسفاري أن القيم الكبرى التي تقوم عليها المجتمعات الإنسانية تكاد تكون واحدة، كالتعاون، والكرم، والمحبة الأسرية، والبحث عن الأمان، والاعتزاز بالهوية، وإن اختلفت صور التعبير عنها من مجتمع إلى آخر. وهذه المشتركات الإنسانية تجعل المسافات الجغرافية أقل تأثيرًا مما نتصور، وفي المقابل تمنحنا الرحلة فرصة لاكتشاف خصوصية القيم التي نشأنا عليها في المجتمع العُماني، ومقارنتها بما نجده في المجتمعات الأخرى، وهنا لا يصبح الاختلاف حاجزًا، بل يتحول إلى مصدر ثراء إنساني ومعرفي يوسع المدارك ويعمق فهمنا للعالم.
مختبر ثقافي
وحول الأثر الكبير الذي أحدثته الصورة ووسائل التواصل الاجتماعي في طرق نقل المعرفة وتداولها، ذكر 'الوهيبي' أنه لا يمكن إنكارها، وقال: أصبح الوصول إلى المعلومات والمشاهد البصرية أكثر سهولة من أي وقت مضى، ومع ذلك يبقى للكتاب مكانته الخاصة، فهو وسيلة نستطيع القول إنها أكثر قدرة على التأمل والتحليل والتوثيق العميق. ولقد حافظ أدب الرحلة عبر العصور على دوره في نقل التجارب الإنسانية وتوثيق الأسفار وتأريخ الأحداث، بل إن كثيرًا من معرفتنا بالأمكنة والشعوب في الأزمنة السابقة وصلتنا من خلال النصوص الرحلية المكتوبة قبل ظهور وسائل التصوير الحديثة. وفي عصرنا الحالي لم يعد الكاتب قادرًا على إدهاش القارئ بمجرد تقديم معلومة تاريخية أو وصف معلم مشهور، لأن هذه المعلومات متاحة بضغطة زر، لذلك أعتقد أن عنصر الدهشة في أدب الرحلة المعاصر يكمن في التجربة الشخصية ذاتها، وفي زاوية النظر المختلفة، وفي التفاصيل الإنسانية التي يلتقطها الكاتب، وفي قدرته على تحويل المشهد العابر إلى نص يحمل بعدًا ثقافيًا وتأمليًا، ولهذا أحاول في كتاباتي أن أوثق الرحلة كما عشتها، وأن أضفي عليها انطباعاتي الخاصة وتساؤلاتي ومشاهداتي الشخصية، دون أن أسعى إلى تحويل النص إلى مرجع تاريخي بحت، فهدفي الأساسي هو نقل روح التجربة وليس مجرد سرد معلومات عنها.
منطلق ووجهة
وأكد الكاتب بدر الوهيبي أن السفر تجربة إنسانية قائمة على التفاعل مع الآخر، وهذا التفاعل لا يحدث في الفراغ، بل تحكمه منظومة من القيم والخبرات التي يحملها المسافر معه أينما ذهب، ومن الطبيعي أن تنعكس الهوية العُمانية بما تحمله من إرث حضاري طويل وتجربة تاريخية منفتحة على الشعوب والثقافات، على طريقة تعاملنا مع الآخرين وفهمنا لهم. ولقد ارتبطت عُمان عبر تاريخها الطويل بالبحار والأسفار والتبادل الحضاري، الأمر الذي أسهم في ترسيخ قيم التسامح والتعايش والانفتاح واحترام الاختلاف، وهذه القيم تظهر بصورة تلقائية في كثير من المواقف التي يمر بها المسافر العُماني أثناء رحلاته. والقارئ لإصداراتي قد يلحظ حضور الهوية العُمانية في مواضع متعددة، سواء من خلال المقارنات التي أعقدها أحيانًا بين المدن والقرى التي أزورها وبين نظيراتها في عُمان، أو من خلال استحضار بعض القيم والعادات التي نشأت عليها، ولا يأتي ذلك بقصد إبراز الاختلاف، بقدر ما يهدف إلى البحث عن المشتركات الإنسانية التي تربط بين الشعوب، وأؤمن أن الشخصية العُمانية قادرة على التفاعل مع العالم دون أن تفقد خصوصيتها، وأن الانفتاح على الثقافات الأخرى لا يعني الذوبان فيها، بل يمنحنا فرصة أعمق لفهم أنفسنا وإدراك قيمة ما نمتلكه من إرث ثقافي وحضاري.
وعي ثقافي وفكري
وعن إصداراته 'ليلة الهروب من براغ' و'قطار الليل إلى أوديسا'، التي تحمل دلالات زمنية ومكانية، يقول 'الوهيبي': أحرص عند اختيار عناوين كتبي على أن تكون بوابة أولى للدخول إلى النص، وأن تمنح القارئ مساحة للتساؤل والتأويل قبل أن يشرع في القراءة، ولذلك لا تخلو بعض العناوين من دلالات زمانية ومكانية أو إشارات رمزية ترتبط بطبيعة التجربة التي يتناولها الكتاب. ففي كتاب 'رحلة بتوقيت نيويورك' مثلًا، ارتبط الزمن بالمكان في العنوان ليصبح التوقيت جزءًا من التجربة نفسها، أما 'وحيدًا بين مدينتين' فقد جمع بين فكرة السفر الفردي والظرف الاستثنائي الذي فرضته جائحة كورونا ليعبر عن حالة إنسانية أكثر من كونه وصفًا جغرافيًا. أما 'ليلة الهروب من براغ' فقد جاء عنوانًا يثير المفارقة منذ الوهلة الأولى، إذ يتساءل القارئ: كيف يمكن الهروب من مدينة تُعد من أجمل مدن أوروبا؟ وهذا التساؤل يقوده إلى البحث عن الإجابة بين صفحات الكتاب، لذلك لا يرتبط مفهوم 'الهروب' هنا بالرغبة في الفرار من المكان، بقدر ما يرتبط بظرف الرحلة نفسها وما حملته من أحداث وتفاصيل استثنائية. وفي 'قطار الليل إلى أوديسا' يتداخل عنصر الزمن ممثلًا في الليل مع المكان كوجهة بعيدة تحمل الكثير من الغموض والترقب، فتتشكل صورة أولية لدى القارئ قبل أن يبدأ رحلته مع النص. أما تجربة 'وحيدًا بين مدينتين' فقد كانت مختلفة عن كثير من رحلاتي السابقة، فالعالم آنذاك كان يعيش حالة من القلق والترقب بسبب الجائحة، ولم تعد الرحلة مجرد انتقال بين مكانين، لكنها أصبحت اختبارًا للصبر والعزلة والتأمل، لذلك لم يكن هدفي توثيق المدن، بقدر ما كان محاولة لرصد أثر تلك التجربة على النفس البشرية، وكيف يمكن للإنسان أن يكتشف ذاته في لحظات الانفراد والانتظار وعدم اليقين، وأعتقد أن هذه الحالة تتقاطع مع جانب مهم من الشخصية العُمانية التي عُرفت تاريخيًا بالصبر والتروي والقدرة على التكيف مع الظروف المختلفة، وهي قيم برزت بصورة واضحة خلال تلك المرحلة الاستثنائية.
أما كتاب 'تذاكر سفر' فجاء توثيقًا لسلسلة من الرحلات إلى خمس عشرة دولة، وقد حمل في طياته العديد من المقارنات الثقافية والاجتماعية التي تربط بين التجربة العُمانية وتجارب الشعوب الأخرى، كما تناول كتابا 'وحيدًا بين مدينتين' و'رحلة بتوقيت نيويورك' جوانب متعددة من القيم الإنسانية المشتركة، مع استحضار بعض النماذج والتجارب المحلية التي تعزز مفهوم المواطنة والانتماء. لذلك أنا لا أرى أن السفر يهدد الهوية كما يُعتقد أحيانًا، لكنه يمنحها فرصة للاختبار والتجدد، فكلما تعرف الإنسان إلى ثقافات أخرى ازداد وعيًا بخصوصية ثقافته هو، وأصبح أكثر قدرة على فهم موقعها ضمن المشهد الإنساني الأوسع. وأدب الرحلات العُماني نجح عبر مراحله المختلفة في تقديم صورة متوازنة عن الإنسان العُماني وعلاقته بالعالم، فمنذ الرحالة العُمانيين الأوائل وحتى التجارب المعاصرة، ظل النص الرحلي العُماني يحمل معه ملامح البيئة والقيم والثقافة المحلية، وفي الوقت نفسه ينفتح على الآخر ويحاول فهمه والتفاعل معه، وهذا ما منح أدب الرحلة العُماني خصوصيته وجعله قادرًا على بناء جسور معرفية وثقافية بين عُمان والعالم.
أثر الترحال
وحول 'أثر الترحال' قال 'الوهيبي': تطور تجربة الكاتب مع مرور الزمن أمر طبيعي، والخبرات المتراكمة تنعكس، لا شك، على لغته وأسلوبه ورؤيته للأشياء، والأمر ذاته ينطبق على أدب الرحلة، فكل تجربة سفر تضيف بعدًا جديدًا إلى تجربة الكتابة. وعندما أعود إلى كتاب 'تذاكر سفر' أجد أن السرد المباشر كان السمة الغالبة على كثير من صفحاته، بينما اتجهت الإصدارات اللاحقة بصورة تدريجية إلى مساحة أوسع من التأمل والقراءة العميقة للتجربة الإنسانية، مع تطور ملحوظ في البناء السردي واللغة الأدبية. ولا أستطيع القول إن القارة أو الوجهة الجغرافية تفرض قالبًا كتابيًا محددًا، فأسلوبي في الكتابة يبقى مرتبطًا بطبيعة التجربة أكثر من ارتباطه بالمكان نفسه، غير أن بعض الرحلات تفرض موضوعاتها الخاصة على النص؛ فقد يقودني حديث عابر في قطار بأوكرانيا إلى البحث في قضية تاريخية أو سياسية وإفراد مساحة لها داخل الكتاب، كما قد يدفعني لقاء غير متوقع مع مسافر في نزل صغير بالبوسنة إلى توثيق جانب من تجربته الإنسانية لأنها تضيف بعدًا جديدًا إلى السرد، لهذا فإن الوجهة لا تغير أسلوب الكتابة بقدر ما توسع زوايا النظر وتمنح النص عناصر جديدة للنقاش والتأمل، وهو ما يجعل كل رحلة تجربة فريدة حتى وإن تشابهت الخرائط.
التراث المشترك
وفي ختام حديثه قال الكاتب بدر الوهيبي: إن السفر يوسع مدارك الإنسان ويمنحه فرصة لرؤية العالم من زوايا مختلفة، ومن بين أكثر ما يلفت انتباه الرحالة ذلك التشابه المدهش الذي يمكن أن يجده بين أماكن تفصلها آلاف الكيلومترات، فكم من قلعة أو حصن زرناه في بلد بعيد أعاد إلى أذهاننا صورة حصون عُمان وقلاعها، وكم من قرية جبلية أو زقاق قديم أو سوق شعبي استحضر في ذاكرتنا مشاهد مألوفة من قرانا ومدننا العُمانية. وهذه التشابهات لا تلغي خصوصية كل مجتمع، لكنها تؤكد أن التجربة الإنسانية أوسع من الحدود السياسية والجغرافية، ومن خلال الكتابة أحاول إبراز هذه المقاربات وإظهار الروابط الخفية التي تجمع بين الشعوب، سواء في العمارة أو أنماط الحياة أو العادات الاجتماعية أو حتى في الطريقة التي يتعامل بها الناس مع ذاكرتهم التاريخية. وأعتقد أن أحد أهم أدوار أدب الرحلة هو بناء هذا الجسر الإنساني بين الثقافات؛ فكلما اكتشفنا أوجه الشبه بيننا وبين الآخرين أدركنا أن ما يجمع البشر من قيم وتجارب ومشاعر أعمق بكثير من المسافات التي تفصل بينهم. ولهذا تبقى الرحلة، في جوهرها، رحلة نحو الإنسان قبل أن تكون رحلة نحو المكان.