الرياضية

الأندية المحلية بين الدمج والفك وتجميد الأنشطة الرياضية

تراكم المديونية وغياب الدعم المالي والاستقرار الإداري

 

كتب - حمد الريامي
تشهد الأندية الرياضية في سلطنة عُمان حالةً من عدم الاستقرار، بمختلف مسمياتها ومواقعها في مختلف المحافظات، ونتج عن ذلك دمج البعض منها في السنوات الماضية، إلا أن البعض الآخر يطالب بفك ذلك الدمج لأسباب مختلفة، فيما جمّد آخرون أنشطتهم الرياضية، وخاصة فريق كرة القدم، وهو ما انعكس سلبًا على تطور الرياضة بشكل عام.
ويأتي ذلك لأسباب عدة، يتقدمها عدم وجود الدعم المالي ومصادر الدخل، وضعف البنية الأساسية من ملاعب وصالات رياضية ومرافق مختلفة، بالإضافة إلى مشكلة عدم استقرار الإدارات المتعاقبة على قيادة هذه الأندية، مع قلة الإمكانيات المالية التي يمكن أن تسهم بشكل كبير في إثراء الأنشطة المختلفة، وفي قدرة هذه الأندية على المشاركة في جميع المسابقات.
الرسالة التي تحملها الأندية الرياضية تتمثل في إيجاد جيل شبابي من الجنسين قادر على المشاركة في مختلف الأنشطة الرياضية والثقافية والاجتماعية والفنية، مع أهمية اكتشاف المواهب وصقلها بشكل أفضل، بالإضافة إلى شغل أوقات فراغ جيل الناشئين والشباب بما يفيدهم، وخاصة في فترة الصيف، ومشاركة المجتمع المحلي بشكل أوسع في البرامج والأنشطة التي تقيمها هذه الأندية بين فترة وأخرى.
بداية مشروع الدمج
سبق أن طُرحت فكرة دمج الأندية القريبة من بعضها في التسعينيات، ومع بداية عام 2000 أطلقت هذه الفكرة؛ بهدف إيجاد أندية أكثر قوة وفاعلية.
لذلك دُمجت أندية البريمي ومحضة، وتولد عنهما نادي النهضة عام 2003، والأهلي وسداب، وولد منهما نادي أهلي سداب عام 2004، والبستان (بعد دمج مطرح والنهضة) عام 1991، ليظهر نادي البستان، وبعدها دُمج البستان مع روي، ونتج عنهما نادي مسقط عام 2004، وشناص ولوى، ونتج عنهما نادي السلام عام 2002، ونزوى وبركة الموز، ونتج عنهما نادي نزوى عام 2002، وآدم ومنح، ونتج عنهما نادي البشائر عام 2002، وإبراء والمضيرب، ونتج عنهما نادي الاتفاق عام 2002، وبركاء والمعاول، ونتج عنهما نادي الشباب عام 2002.
وكانت الخطوات تتسارع نحو تطوير هذه الأندية للأفضل؛ لتكون واجهة جديدة وقوية للرياضة في سلطنة عُمان، إلا أن الواقع أظهر بعد فترة عكس ذلك؛ فاستقرت بعض الأندية، بينما ظهرت في أخرى العديد من الإشكاليات والسلبيات، نظرًا للاهتمام ببعض الألعاب دون الأخرى التي اشتهرت بها بعض الأندية قبل الدمج، والتي كان من المفترض أن تكون لها مكانتها بين الأندية في سلطنة عُمان، وأن ينتج عن الدمج قوة أكبر في المشاركة والمنافسة في مختلف المسابقات والألعاب. إلا أن الواقع تغيّر، أو ظهر بعد فترة، من خلال الخلافات بين جماهير الأندية، وكذلك عدم تفاعل الجمعية العمومية ومشاركتها الفاعلة.
فك الدمج
ولعل الشيء غير المتوقع، الذي ظهر في الفترة الأخيرة، هو مطالبة بعض الأندية بفك ذلك الدمج، الذي وجدته الجمعية العمومية غير مجدٍ، وذلك بعد تجربة مضى عليها سنوات لم يُكتب لها النجاح أو التطور نحو الأفضل، حيث ابتعدت الجماهير المحبة للناديين المندمجين عن النادي الجديد، ورفض بعض الشباب الانضمام إليه، وعدم الرغبة في المشاركة لتمثيله في المسابقات والأنشطة المختلفة.
لذلك ظهر على السطح، وبشكل علني، أن أندية مسقط وأهلي سداب والسلام ونزوى والبشائر تفكر في فك هذا الدمج، والعودة من جديد إلى مسميات الأندية السابقة أو مسميات أخرى جديدة.
وسبق أن طرحت وزارة الثقافة والرياضة والشباب مقترحًا بفك دمج الأندية وإعادة الوضع إلى طبيعته قبل الدمج، وذلك بناءً على المطالبات المتكررة من بعض الأندية، وأكدت الوزارة أن الهدف هو تنظيم عملية فك الدمج وفق آلية واضحة وممنهجة ومدروسة، وفق مرتكزات استراتيجية الرياضة العُمانية ونتائج دراسة واقع القطاع الرياضي، وبناءً على ضرورة إشهار أندية متخصصة تركز على مجال رياضي تنافسي واحد.
وجاء مقترح الوزارة بربط عملية فك الدمج بشرط أساسي يتمثل في إشهار ناديين رياضيين متخصصين (لعبة أساسية وأخرى فرعية)، وذلك لتحسين الأداء وتوجيه الموارد المالية لتطوير رياضة واحدة، مع السماح بتفعيل الأنشطة الأخرى الثقافية والاجتماعية والشبابية وفق الموازنات المتاحة، وتوجه مجلس الإدارة وجمعيته العمومية.
7 ضوابط لفك الدمج
واقترحت الوزارة سبعة ضوابط لفك الدمج، أبرزها موافقة مجلس الإدارة والجمعية العمومية للنادي على التحول إلى أندية متخصصة في رياضة أساسية وأخرى فرعية، تُسجلان في عضوية الاتحادات أو اللجان الرياضية المعنية، بشرط أن تتوفر لهما بنية أساسية ومرافق وتجهيزات للممارسة بعد فك الدمج، وضرورة توفر المنشآت الرياضية والشبابية في الناديين بما يضمن استمرار الأنشطة بعد فك الدمج، مع تأكيد الموافقة من قبل الجمعية العمومية للنادي المندمج كتابيًا، وبتوقيع الأغلبية (75%+) من الأعضاء الذين لهم حق الحضور، على فك الدمج والموافقة على تقاسم الدعم الحكومي بين الناديين الجديدين وعدم المطالبة بدعم إضافي.
كذلك تشمل الضوابط اعتماد أصحاب السعادة المحافظين والولاة وأعضاء اللجان الاستشارية للأندية لقرارات الجمعية العمومية للنادي المندمج، والإشارة كتابيًا في القرار الصادر عن الجمعية العمومية لفك الدمج إلى الموافقة على تحويل ملكية المشروع الاستثماري للنادي المندمج إلى صندوق دعم الأنشطة الثقافية والرياضية والشبابية، لتوزيع العوائد على الناديين الجديدين المزمع إشهارهما، إضافة إلى إلزام أعضاء مجلس إدارة النادي المندمج بسداد جميع المديونيات والمستحقات المالية وفقًا لتقرير المصفي، وتحمل المسؤولية القانونية لأي مطالبات قد تظهر لاحقًا في حالة عدم الإفصاح عنها، على أن تلتزم الأندية بما تم الاتفاق عليه بشأن المشاريع المزمع أو الجاري تنفيذها في إطار الأوامر السامية بتخصيص مليون ريال للبنية الأساسية للأندية، وعدم المطالبة بمخصصات منفصلة.
تجميد الأنشطة
وشهدت السنوات الماضية تجميد الأنشطة لعدد من الأندية، وخاصة الفريق الأول لكرة القدم، والتي وصل عددها في الموسم الماضي إلى 28 ناديًا، موزعة على نادي بوشر وأهلي سداب وقريات من محافظة مسقط، ومرباط والاتحاد من محافظة ظفار، والسلام ومجيس من محافظة شمال الباطنة، والبشائر من محافظة الداخلية، والعروبة والطليعة والكامل والوافي ومصيرة من محافظة جنوب الشرقية، والاتفاق وبدية من محافظة شمال الشرقية، وينقل من محافظة الظاهرة، وخصب ودبا وبخاء ومدحاء من محافظة مسندم، والوسطى من محافظة الوسطى، بالإضافة إلى الأندية الستة التي تم إشهارها في الفترة الأخيرة، وهي العامرات من محافظة مسقط، وطاقة من محافظة ظفار، وإزكى من محافظة الداخلية، وضنك من محافظة الظاهرة، ونخل من محافظة جنوب الباطنة، ودماء والطائيين من محافظة شمال الشرقية.
وكان أبرز تلك الأندية العروبة والسويق والطليعة ومرباط والاتحاد وأهلي سداب، التي لها سجل حافل بالإنجازات الكروية عبر السنوات الماضية.
الدعم المالي
تأتي الظروف المالية على رأس التحديات التي تواجه جميع الأندية، لعدم وجود الدعم المالي الكافي، وكذلك غياب التسويق الرياضي والاستثمارات الحقيقية لأراضي الأندية بالشكل الصحيح، كما لا توجد جهات داعمة من شركات القطاع الخاص، في الوقت الذي كان من المفترض أن يكون هناك توجه من الجهات المختصة لدعم الأندية لخدمة المجتمع.
ويبرز أيضًا غياب ثقافة التسويق الرياضي داخل الأندية، وعدم وجود متخصصين في هذا المجال، وضعف الدوري، مع عدم وجود الإثارة الإعلامية والصحفية، وهو ما يصعب الأمر على الأندية ويجعلها غير قادرة على استقطاب رعاة وشركاء تجاريين، حيث إن الراعي أو الشريك التجاري يرغب في الاستفادة من الرعاية مع تحفيز الجماهير على الحضور من خلال الجوائز المقدمة.
ومن الواضح أن شركات القطاع الخاص تعتذر عن دعم الأندية، مبررة ذلك بدعمها وتبرعها لعدة جهات حكومية، وهذا الأمر معمول به في معظم الشركات، بل وحتى الأندية التي لها مشاركات خارجية لا تجد أي دعم إطلاقًا، وتعاني من هذه المشاركات بالرغم من أنها تشارك باسم سلطنة عُمان، إلا أن ذلك لا يشفع لها في الحصول على أي دعم مالي، مع عدم وجود أي مصادر دخل للنادي.
ضعف البنية الأساسية
ويرجع السبب المباشر في تجميد الأنشطة بالأندية إلى عدم تطور تلك الأندية وقدرتها على المشاركة في مختلف المسابقات وتنويع أنشطتها، وذلك بسبب ضعف البنية الأساسية للنادي، وفي مقدمتها الملاعب المعشبة الخاصة بكرة القدم، وكذلك الملاعب الثلاثية للكرة الطائرة واليد والسلة، والقاعات المخصصة للتدريب والتأهيل، والدورات التي تصقل اللاعبين، والتي تعد الجاذب الأساسي لهذه الألعاب وممارسة النشاط اليومي بالنادي، مع وجود المعدات والآلات المحفزة، كالقاعات متعددة الأغراض، والمسابح، ودورات المياه، والمرافق التي تشجع أبناء المجتمع بشكل عام على حضور الأندية والاستفادة منها.
كما أن الأندية لا تركز على الاستفادة من الإجازة الصيفية وإقامة المناشط لطلبة وطالبات المدارس والكليات والجامعات كما كانت في السنوات الماضية، مع التركيز فقط على بطولة «شجع فريقك» 'دوري الهواة' مرة واحدة كل عام، وعدم وجود مسابقات أخرى للفرق الأهلية التابعة للأندية.
مشاكل الاستقرار الإداري
ولعل المشاكل الإدارية التي تعصف بالأندية تمثل سببًا آخر، مع الانقسام الكبير في مجالس الإدارات، بالإضافة إلى التفكير في تحقيق مكاسب وإنجازات للنادي خلال الفترة الإدارية لكل مجلس، التي تمتد أربع سنوات، مما يجعل بعض الأندية غارقة في الديون.
كما أن بعض الأندية لا يعمل في مجلس إدارتها سوى ثلاثة إلى أربعة أعضاء، بينما لا يكون لبقية الأعضاء تأثير يُذكر، لذلك لا تستمر هذه الإدارات إلا لفترة قصيرة، وبعدها تترك النادي، مما يضطر وزارة الثقافة والرياضة والشباب إلى التدخل لتشكيل مجلس إدارة مؤقت لتسيير أمور النادي حتى إيجاد مجلس إدارة جديد.
كما أن التدخلات، في بعض الأحيان، من خارج مجلس الإدارة في عمل الإدارة، تمثل سببًا آخر في ذلك، وهو ما يجعل مجلس إدارة النادي غير مستقر أو في صراع مستمر، لا يستطيع من خلاله تنفيذ خطة العمل أو الأفكار التي جاء من أجل تحقيقها، والتي رسمها قبل توليه مهام عمله، وهي معضلة أخرى لها تأثير سلبي على النادي.
قلة الموارد المالية
كما تكمن المشاكل أيضًا في قلة الموارد المالية للأندية، وغياب الدعم والتسويق الرياضي الناجح، وهو ما يدل على غياب ثقافة التسويق الرياضي داخل بعض الأندية، وعدم وجود متخصصين في هذا المجال، فضلًا عن ضعف الدوري وعدم نقل المباريات تلفزيونيًا، مما يصعب الأمر على الأندية ويجعلها غير قادرة على استقطاب رعاة وشركاء تجاريين، حيث إن الراعي أو الشريك التجاري يرغب في الاستفادة من الرعاية.
وتعاني بعض الأندية من الظروف المالية وتراكم المديونيات منذ السنوات الماضية، مثل بقية أندية سلطنة عمان، لعدم وجود أي دخل أو دعم يمكن أن يعزز مشاركة الفريق الأول، حيث تسعى تلك الأندية منذ فترة إلى تقليص المديونية والمطالبات المالية المتراكمة عليها، مما اضطرها إلى تجميد النشاط الكروي، وخاصة الفريق الأول.
الحلول المستعجلة
أخيرًا.. تبقى الحلول لهذه المعضلة في يد وزارة الثقافة والرياضة والشباب، لأنها وحدها القادرة على مساندة الأندية والوقوف معها بشكل أكبر، خاصة أن رسالتها هي خدمة أكبر شريحة في المجتمع. لذلك يأتي رفع سقف الدعم المالي في مقدمة هذا الاهتمام، إلى جانب إنشاء وتطوير مرافق الأندية، والبحث عن مستثمرين للأراضي التي تمتلكها الأندية، وحل المشكلات التي تعاني منها مجالس الإدارات، بالإضافة إلى الاستماع إلى الجمعيات العمومية، وتوفير المطالب التي تراها مناسبة، والوقوف مع الأندية التي تسعى إلى الدمج أو فك الدمج، حتى تكون هناك أندية مستقرة قادرة على تحقيق رسالتها التي وجدت من أجلها.