عمان اليوم

د.تماضر المحروقي : القلق مشاعر طبيعية قد تتحول إلى اضطراب نفسي يستدعي التدخل

 

 
يُعد القلق جزءًا طبيعيًا من التجربة الإنسانية فهو استجابة نفسية وجسدية تساعد الإنسان على مواجهة المواقف الصعبة والاستعداد للتحديات المختلفة. إلا أن هذه الاستجابة قد تتحول في بعض الحالات إلى اضطراب نفسي عندما يصبح القلق مفرطًا أو مستمرًا أو غير متناسب مع طبيعة الموقف، بما يؤثر في حياة الفرد اليومية، ويطال جوانب متعددة مثل النوم، والعمل، والعلاقات الاجتماعية، والقدرة على ممارسة الأنشطة المعتادة.


وتوضح الدكتورة تماضر المحروقي طبيبة نفسية بمستشفى جامعة السلطان قابوس في حديث لـ 'عمان'، أن اضطرابات القلق وفق منظور علم النفس الحديث لا تقتصر على كونها شعورًا عابرًا بالتوتر أو الخوف، وإنما تمثل مجموعة من الاضطرابات النفسية التي يفقد فيها القلق قدرته الطبيعية على التكيف، ليصبح الجهاز المسؤول عن الإنذار في الدماغ في حالة نشاط مستمر، حتى في ظل غياب خطر حقيقي يستدعي ذلك.
وتوضح أن القلق في حد ذاته ليس أمرًا سلبيًا، فوظيفته مهمة في حياة الإنسان، حيث يساعده على الانتباه للمخاطر، والاستعداد للمواقف المهمة، وتحفيز الأداء في بعض الظروف، مثل الاستعداد للاختبارات أو مواجهة تحديات جديدة ،إلا أن المشكلة تبدأ عندما يستمر هذا الشعور بدرجة عالية، أو يظهر في مواقف لا تستدعي هذا المستوى من الخوف، أو يدفع الشخص إلى تغيير أسلوب حياته بهدف تجنب مصادر القلق.
أشكال متعددة
وتشير المحروقي إلى أن اضطرابات القلق لا تظهر بصورة واحدة لدى الجميع، بل تتخذ أشكالًا مختلفة، من بينها اضطراب القلق العام الذي يرتبط بالاشتغال المستمر والتفكير المفرط في احتمالات المستقبل، والقلق الاجتماعي الذي يرتبط بالخوف من تقييم الآخرين أو التعرض للإحراج، ونوبات الهلع التي تأتي بصورة مفاجئة ومكثفة وتترافق أحيانًا مع أعراض جسدية مثل تسارع ضربات القلب أو الشعور بضيق التنفس.
كما تشمل اضطرابات القلق 'القلق الصحي'، الذي يجعل الشخص مشتغلًا بشكل مفرط بالأعراض الجسدية والخوف من الإصابة بالأمراض، إضافة إلى أنواع مختلفة من الرهاب المرتبط بمواقف أو أشياء محددة، حيث يشعر الشخص بخوف شديد يدفعه إلى تجنب تلك المواقف.
وتوضح أن تنوع أشكال القلق يجعل من الصعب أحيانًا على بعض الأشخاص إدراك أنهم يعانون من اضطراب نفسي، فقد يشعر الفرد بأعراض جسدية أو أفكار متكررة دون أن يربطها بالقلق، أو يعتقد أن ما يمر به هو ضغط طبيعي، رغم أن تأثيره بدأ يمتد إلى جوانب مختلفة من حياته.
وأوضحت الدكتورة تماضر أن الفارق الرئيس بين القلق الطبيعي واضطراب القلق يتمثل في مدى تأثيره على حياة الإنسان، مشيرة إلى أن القلق يتحول إلى حالة تستدعي التدخل عندما يكون متكررًا أو شديدًا أو يصعب التحكم فيه، وعندما يؤدي إلى تجنب المواقف أو تعطيل أداء المهام اليومية.
وأضافت أن بعض الأشخاص قد يبدؤون في تغيير نمط حياتهم بسبب القلق، ويظهر ذلك من خلال تجنب المناسبات الاجتماعية، أو تأجيل القرارات، أو الابتعاد عن خوض تجارب وفرص جديدة، أو البحث المستمر عن الطمأنة من الآخرين، مشيرة إلى أن هذه السلوكيات قد تمنح شعورًا مؤقتًا بالراحة، لكنها على المدى الطويل قد تسهم في تعزيز دائرة القلق واستمراره.
وأوضحت أن أحد المبادئ الأساسية في العلاج السلوكي المعرفي يتمثل في فهم العلاقة بين الأفكار والمشاعر والسلوكيات، مشيرة إلى أن الموقف بحد ذاته لا يكون دائمًا سببًا مباشرًا للشعور بالقلق، وإنما الطريقة التي يفسر بها الإنسان هذا الموقف هي التي تؤثر في استجابته النفسية.
وضربت مثالًا على ذلك بأن دخول شخص إلى مجلس وعدم تفاعل الآخرين معه قد يدفعه إلى تفسير الموقف بأنه غير مرغوب فيه أو أن الآخرين ينتقدونه، ما يؤدي إلى شعوره بالقلق والإحراج، وقد يدفعه ذلك إلى الصمت أو مغادرة المكان أو تجنب حضور مناسبات مشابهة مستقبلًا. في المقابل، قد يفسر شخص آخر الموقف بأن الآخرين مشتغلون أو متعبون، وبالتالي يكون شعوره بالقلق أقل ويواصل تفاعله بصورة طبيعية.
وأضافت أن هذا المثال يوضح دور الأفكار في تشكيل المشاعر والسلوكيات، وأهمية إعادة تقييم الأفكار وتعديل أنماط التفكير بما يساعد على تغيير الاستجابة النفسية والتعامل بصورة أكثر توازنًا مع المواقف المختلفة.
«التجنب»
وأشارت الدكتورة تماضر إلى أن التجنب يعد من أبرز العوامل التي تسهم في استمرار القلق، إذ يميل الشخص إلى الابتعاد عن المواقف التي تثير لديه الخوف أو التوتر، وهو ما يمنحه شعورًا بالراحة المؤقتة، لكنه في الوقت ذاته يحرم العقل من فرصة اكتساب خبرات جديدة تثبت أن هذه المواقف ليست بالخطورة التي يتصورها.
وأوضحت أن الشخص الذي يتجنب الحديث أمام الآخرين خشية الوقوع في الخطأ، أو يمتنع عن حضور المناسبات الاجتماعية بسبب القلق من نظرات الآخرين، أو يؤجل زيارة الطبيب خوفًا من نتائج الفحوصات، قد يشعر بالارتياح في اللحظة نفسها، إلا أن هذا السلوك يعزز لديه الاعتقاد بأن تلك المواقف تمثل خطرًا، مما يؤدي إلى استمرار دائرة القلق وصعوبة التغلب عليها.
ولهذا يركز العلاج السلوكي المعرفي على المواجهة التدريجية للمواقف التي تثير القلق، من خلال خطوات مدروسة تساعد الأشخاص على استعادة ثقتهم بأنفسهم، وتعزيز قدرتهم على التعامل مع المواقف المختلفة بصورة أكثر توازنًا وفاعلية.
لماذا ينتشر القلق بشكل كبير؟
وتوضح الدكتورة تماضر المحروقي أن انتشار اضطرابات القلق على مستوى العالم يرتبط بمجموعة من العوامل المتداخلة، من بينها طبيعة الحياة الحديثة وما تفرضه من ضغوط متزايدة في مجالات العمل والدراسة والمسؤوليات الأسرية والاجتماعية، إلى جانب عوامل بيولوجية ونفسية قد تجعل بعض الأشخاص أكثر قابلية للإصابة بهذه الاضطرابات.
وأضافت أن تسارع وتيرة الحياة، وكثرة التعرض للمعلومات، والمقارنة الاجتماعية المستمرة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، قد تمثل مصادر ضغط إضافية لدى بعض الأفراد، خاصة عندما يشعر الشخص بأنه مطالب بتحقيق معايير مرتفعة باستمرار أو الحفاظ على صورة مثالية أمام الآخرين.
مفاهيم خاطئة
وبيّنت أن من أبرز التحديات التي تواجه التعامل مع اضطرابات القلق استمرار بعض المفاهيم الخاطئة المرتبطة بالصحة النفسية، حيث يُنظر أحيانًا إلى القلق باعتباره علامة على ضعف الشخصية أو قلة القدرة على التحمل، في حين أنه حالة نفسية معقدة تتأثر بعوامل متعددة، ولا تعكس ضعف الإنسان أو فشله.
وأكدت أن تعزيز الوعي بالصحة النفسية يسهم في تغيير هذه النظرة، ويشجع الأفراد على طلب الدعم والمساعدة في الوقت المناسب، لا سيما أن التدخل المبكر يرفع فرص التحسن، ويساعد على الحد من تطور الأعراض وتأثيرها في حياة الفرد اليومية.
هل يمكن التحكم بالقلق؟
وأشارت الدكتورة تماضر المحروقي إلى أن الهدف من التعامل مع القلق لا يتمثل في التخلص منه بشكل كامل، باعتباره جزءًا طبيعيًا من التجربة الإنسانية، وإنما في تعلم فهمه وإدارته، بحيث لا يتحول إلى عامل يسيطر على قرارات الشخص أو يؤثر في سلوكياته وحياته اليومية.
وأوضحت أن التعامل الصحي مع القلق يعتمد على مجموعة من المهارات والاستراتيجيات، من بينها التعرف على الأفكار التي تزيد من حدة القلق وإعادة تقييمها بصورة أكثر واقعية، إلى جانب تنظيم نمط الحياة، وتحسين جودة النوم، وممارسة النشاط البدني، وتعزيز العلاقات الداعمة، والاستفادة من العلاج النفسي عند الحاجة.
مراجعة المختص
وشددت على أهمية طلب الدعم من المختصين في الصحة النفسية عندما يبدأ القلق بالتأثير بصورة واضحة على حياة الفرد، سواء من خلال تعطيل العمل أو الدراسة، أو التأثير في العلاقات الاجتماعية، أو التسبب في اضطرابات النوم، أو عندما تصبح محاولات الشخص الذاتية للتعامل معه غير كافية.
وأضافت أن هناك حالات تستدعي طلب المساعدة بشكل عاجل، خاصة عند ظهور أعراض مثل الاكتئاب الشديد، أو الأفكار المرتبطة بإيذاء النفس، أو الشعور بفقدان السيطرة، أو وجود أعراض نفسية معقدة تتطلب تقييمًا متخصصًا.
وأكدت الدكتورة تماضر المحروقي أن القلق ليس عدوًا ينبغي محاربته، بل إشارة تحتاج إلى الفهم والتعامل معها بوعي، مشيرة إلى أن معرفة طبيعته وطرق إدارته تمثل الخطوة الأولى نحو تعزيز الصحة النفسية وتحسين جودة الحياة. كما أن طلب المساعدة عند الحاجة لا يعد علامة ضعف، بل خطوة مسؤولة تعكس اهتمام الإنسان بنفسه وحرصه على سلامته النفسية.