الـمـخـافـة مـن تـقـويـض الـنـظـام الدولي
الأربعاء / 7 / صفر / 1448 هـ - 20:38 - الأربعاء 22 يوليو 2026 20:38
لـم تـكـن الـولايـات الـمـتـحـدة الأمـريـكـيـة قـد شـرعـت فـي الـتـعـافـي الاقـتـصـادي مـن آثـار حـربـيـن شـنـتـهـمـا - فـي عـهـديـن جـمـهـوريـيـن مـن عـهـودهـا (جـورج بـوش الأب وجـورج بـوش الابـن) - عـلى الـعـراق وأفـغـانـسـتـان، حـتى فـتـحـت - فـي عـهـدٍ جـمـهـوري راهـن - حـربـاً أخـرى عـلى إيـران سـتـكـلـفـهـا، والـعـالـم مـعـهـا، الـكـثـيـر مـن بـواهـظ الـغـرامـات.
وكـمـا مـنـيـت أحـلام أمـريـكـا فـي الـسـيـطـرة الـدائـمـة عـلى نـفـط الـعـراق، وعـلى مـوارد أفـغـانـسـتـان ومـوقـعـهـا الاسـتـراتـيـجـي، بـفـشـلٍ ذريـعٍ تـجـرعـت كـأسـه الـمـرة مـن مـقـاومـتـيـن فـي الـبـلـديـن، صـدتـا جـيـوشـهـا الـغـازيـة وأغـرقـتـهـا فـي أوحـال حـرب الشـعـب، كـذلك سـتـمـنـى أحـلامـهـا فـي إخـضـاع إيـران لإرادتـهـا وتـجـريـدهـا مـن سـلاحـهـا والسـيـطـرة عـلى نـفـطـهـا... بـفـشـلٍ يـضـارع فـشـلـهـا الأول، خـاصـةً بـالـنـظـر إلـى اسـتـعـصـاء الـقـدرة الـعـسـكـريـة الإيـرانـيـة عـلى الكـسـر، وبـالـنـظـر إلـى ذهـاب حسـابـات إدارة تـرامـب وأهـداف حـربـهـا إلـى حـدودٍ قـصـيـة لا تـقـوى أمـريـكـا عـلى بـلـوغـهـا.
تـفـعـل الإدارة الحـالـيـة ذلـك فـي لـحـظـةٍ مـن الـتـطـور الـمـعـاصـر نـابـذة، بـالـنـسـبـة إلـى الـولايـات الـمـتـحـدة الأمـريـكـيـة، لا جـاذبـة: أعـنـي فـي لـحـظـةٍ تـشـهـد عـلى انـحـسـارٍ شـديـد فـي قـواهـا الاقـتـصـاديـة نـتـيـجـة مـنـافـسـةٍ مـتـعـسـرة مـع قـوًى أخـرى كـبـرى فـي الـعـالـم مـثـل الصـيـن.
إنـهـا لـحـظـة انـقـلاب السـحـر عـلى السـاحـر؛ الـعـولـمـة عـلى أمـريـكـا، انـقـلابـاً تـبـدو أظـهـر تـبـديـاتـه، مـنـذ ولايـة تـرامـب الأولـى وخـاصـة فـي ولايـتـه هـذه، فـي الانـسـحـابـات الأمـريـكـيـة الـمـتـعـاقـبـة مـن الأطـر المـؤسـسـيـة الـدولـيـة والـقـاريـة ومـن الـمـعـاهـدات والاتـفـاقـيـات الـدولـيـة واللـيـاذ - بـدلاً مـن ذلـك - بالأطـر الـمـحـلـيـة.
إنـهـا حـقـبـة الانـكـفـاء الأمـريـكـي عـن الـعـالـم إلـى الحـدود القـومـيـة الـمـوصـدة بإحـكـامٍ فـي وجـه خـارجهـا! هـي أم الـمـفـارقـات، مـن غـيـر شـك، أن تـتـلازم الحـرب الـعـدوانـيـة عـلى إيـران مـع سـيـاسـات الانـكـفـاء الـتـي يـقـودهـا تـرامـب وفـريـقـه السـيـاسـي! لـكـنـهـا الـمـفـارقـة الـتي لـن تـمـر مـن دون أن تـتـرك تـأثـيـراتـهـا الـعـمـيـقـة عـلى نـفـوذ أمـريـكـا فـي الـعـالـم.
يـكـاد الإجـمـاع أن يـنـعـقـد فـي الـعـالـم كـلـه، بـمـا فـيـه الـغـرب، عـلى أن سـيـاسـات إدارة دونـالـد تـرامـب تـهـدد - بـجـمـوحـهـا الـقـصـووي والـمـتـطـرف - بـتـقـويـض الـنـظـام الـدولـي الـذي قـام بـعـد نـهـايـة الـحـرب الـعـالـمـيـة الـثـانـيـة. شـرع هـذا الاعـتـقـاد فـي الـبـدو، عـلى نـطـاقـاتٍ واسـعـة فـي الـغـرب، خـلال ولايـة تـرامـب الأولـى ومـا اكـتـنـفـهـا مـن انـدفـاعـات سـيـاسـيـة أوشـكـت - فـي بـعـض الأحـيـان - عـلى أن تـزعـزع الاسـتـقـرار الاقـتـصـادي والسـيـاسـي فـي الـعـالـم وتـكـرس انـقـضـاض أمـريـكـا عـلى الـقـانـون الـدولـي والأطـر الـدولـيـة الـمـشـتـركـة. لـكـنـه انـحـسـر غـداة سـقـوط تـرامـب أمـام جـو بـايـدن فـي الانـتـخـابـات، فـتـنـفـس الـغـرب الـصـعـداء قـلـيـلاً آمـلاً فـي أن يـطـوي صـفـحـة ذلـك الـكـابـوس السـيـاسـي الـذي أقـض مـضـجـع الـعـالـم، وأخـاف أوروبـا مـن احـتـمـال تـخـلـي الـولايـات المـتـحـدة الأمـريـكـيـة عـنـهـا فـي غـمـرة سـيـاسـات الانـكـفـاء عـن الـعـولـمـة.
ثـم مـا لـبـث ذلـك الاعـتـقـاد بـتـقـويـض سـيـاسـات تـرامـب للـنـظـام الـدولـي أن اتـسـع نـطـاقـاً فـبـات يـغـشـى الـوعـي الـجـمـعـي فـي الـعـالـم - خـلال ولايـتـه الـثـانـيـة الجـاريـة -، ويـزيـد مـن مـعـدل هـواجـس الـدول والـنـخـب والـمـجـتـمـعـات وهـي تـعـايـن كـيـف تـنـهـار صـروح ذلـك الـنـظـام كـل يـوم.
يـعـرف الـغـربـيـون الـيـوم، أكـثـر مـن غـيـرهـم، أن حـرب الـولايـات الـمـتـحـدة الأمـريـكـيـة عـلى إيـران تـنـتـمـي إلـى سـيـاسـات تـقـويـض الـنـظـام الـدولـي الـقـائـم، ولا يـكـف كـثـيـرٌ مـن سـاسـتـهـم ومـثـقـفـيـهـم وصـحـفـيـيـهـم عـن الـجـهـر بـذلك مـنـذ شـهـريـن. لـكـن ذلـك الـذي يـدركـونـه، فـي هـذا الـبـاب، لـيـس يـعـنـي - ألـبـتـة - أن دول الـغـرب تـسـلـم بـأن هـذه الحـرب غـيـر مـشـروعـة وتـنـتـهـك الـقـانـون الـدولـي الـذي عـلـيـه مـبـنـى ذلـك النـظـام، بـل بـمـعـنـى أن الحـرب سـتـصـب نـتـائـجـهـا لـصـالـح حـلـفـاء إيـران الكـبـار: الصـيـن وروسـيـا، وسـتـحـول إيـران نـفـسـهـا إلـى قــوةٍ دولـيـة جـديـدة صـاعـدة. وهـذه جـمـيـعـهـا مـعـطـيـاتٌ سـتـغـيـر، كـثـيـراً، فـي صـورة تـوازنـات الـنـظـام الـدولـي وقـواعـده الـنـاظـمـة و- الأهـم مـن ذلـك - سـتـضـعـف مـوقـع الـغـرب رمـةً فـي أي نـظـامٍ دولـي جـديـد قـد يـنـشـأ، خـاصـةً فـي لـحـظـةٍ يـشـهـد فـيـهـا هـذا الـغـرب عـلى تـنـاقـضـاتٍ مـعـلـنـة - بـل صـارخـة - بـيـن جـنـاحـيـه الأمـريـكـي والأوروبـي.
فـي الـمـقـابـل، يـعـرف قـسـمٌ كـبـيـر مـن الأمـريـكـيـيـن - أكـانـوا مـنـتـمـيـن إلـى «الحـزب الـديـمـقـراطـي» أو رأيـاً عـامـاً - أن مـركـز بـلادهـم ودولـتـهـم فـي الـعـالـم يـدفـع ثـمـن تـلك السـيـاسـات الـمـتـطـرفـة الـتي تـنـهـجـهـا إدارة تـرامب، وأنـهـم قـد يـصـحـون بـعـد سـنـواتٍ قـلـيـلـة عـلى تـراجـعٍ درامـاتـيـكـي فـي قـوة الـدولـة ومـكـانـتـهـا.
ومـا مـن شـك فـي أن هـذا الـقـسـم مـن الأمـريـكـيـيـن يـعـي أن حـرب تـرامـب عـلى إيـران لا تـخـدم مـصـالـح أمـريـكـا فـي شيء، وأنـهـا مـصـروفـة لـحـمـايـة أمـن «إسـرائـيـل» فـحـسـب، هـذا مـن غـيـر احـتـسـاب خـسـاراتـها الـمـتـوالـيـة: مـن عـشـرات المليارات مـن الـدولارات الـمـدفـوعـة مـن جـيـوب دافـعـي الضـرائـب كـمـيـزانـيـة للـحـرب، ومـن قـواعـد عـسـكـريـة أمـريـكـيـة مـدمـرة فـي مـنـطـقـة الـخـلـيـج، ومـن سـمـعـةٍ مـشـروخـة فـي الـعـالـم كـلـه، نـاهـيـك بالـخـسـائـر البـشريـة فـي أرواح الـجـنـود والضـبـاط وأبـدانـهـم. يـكـفـي أن يـعـيـش الأمـريـكـيـون نـتـائـج الحـرب عـلى أقـواتـهـم وأرزاقـهـم وقـواهـم الشـرائـيـة ومـصـالـحـهـم الاقـتـصـاديـة، فـيـتـلـظـون بـنـيـرانـهـا، لـكـي يـتـبـيـنـوا إلـى أي حـد كـانـت الحـرب وبـالاً عـلـيـهـم وإلـى أي حـد هـي تـقـوض نـظـام الـعـيـش فـي أمـريـكـا نـظيـر تـقـويـضـهـا الـنـظـام والاسـتـقـرار فـي الـعـالـم.
وإذ تـأخـذ حـرب إدارة تـرامـب عـلى إيـران هـذا الـمـعـنـى فـي الـعـالـم وفـي الـداخـل الأمـريـكـي، أي بـمـا هـي تـقـويضٌ للـنـظـام، فـإن أكـثـر مـا يـخـشـى مـنـه أن يـعـقـب ذلـك فـوضًـى فـي الـعـلاقـات الـدولـيـة وقـواعـدهـا إن تـعـطـل الـعـمـل بـالـقـانـون الـدولـي (أو بالـقـانـون الأمـريـكـي فـي الـداخـل) وانـعـدم الـوازع الـذي يـزع الأطـراف عـن بـعـضـهـا! فـقـد نـفـيـق عـلى نـظـامٍ هـوبـسـي عـلى الـصـعـيـد الـدولـي شـبـيـهـاً بـمـا كـان سـائـداً قـبـل الـعـام 1945.
عبد الإلـه بـلـقـزيـز باحث ومفكر مغربي