طفولة ما قبل السبعين
هوامش.. ومتون
الأربعاء / 7 / صفر / 1448 هـ - 20:01 - الأربعاء 22 يوليو 2026 20:01
قبل أسابيع، حدّثني الشاعر والباحث في التراث الشعبي خميس المويتي عن مشروع بحث ميداني يشارك به حاليًا، بتكليف من هيئة الوثائق والمحفوظات الوطنية، يهدف إلى توثيق الموروثات الشعبيّة وفق خطة موضوعة تقوم على تنظيم زيارات لمحافظات ومناطق سلطنة عُمان، وإظهار العادات السائدة من خلال الالتقاء بكبار السن، وتعقّب ما استقرّ في الذاكرة الشفاهية من عادات، وتقاليد، وسرديّات، وفنون شعبية، ولهجات محلّيّة، وتدوين ذلك عبر الصورة والصوت، ومن ثم القيام بتفريغ ما جرى جمعه ليتحوّل إلى نصوص تُطبع وتُنشر، لتوضع بين أيدي الباحثين الذين يقومون بفرز تلك البيانات، وتحليلها، ودراستها، وهي عمليّة تحتاج وقتًا طويلًا لظهور النتائج، لكنّ البحث بدأ، ويمكننا وصف المرحلة الأولى من عمل الفريق بمرحلة جمع الرحيق، والبحث عن المصادر التي تمدّه بما يسعى إليه، وهو يتنقّل بين الأماكن النائية، والتجوال في حدائق الذاكرة، وإخراج كنوزها، لإنتاج عسل الثقافة الشعبية، وهذا مطلب وطني، يعزّز الهويّة، ويثبّتها، ومن بين الأمثلة التي حدّثني عنها المويتي أن من العادات التي وجدها في البادية أنّ من عادات المجتمع التقليدي لرعاة الإبل، حين تُرزق العائلة بمولود جديد، فإن الأب أو الجدّ يقومان باختيار ناقة من خيار الإبل، وغالبًا ما تكون حديثة الولادة، لتصبح هي وسلالتها ملكًا له منذ يوم ولادته، ويخصّص ريعها لضمان مستقبله عندما يكبر، وسوى ذلك من التقاليد الاجتماعية التي بقيت في ذاكرة الجيل السابق، وبتدوينها نستطيع إنقاذها من النسيان، لتعريف الأجيال الجديدة بها.
ويلخّص الكاتب الإيطالي أمادو هامباتي أهمية التراث الشفاهي بقوله: «أعتبر موت واحد من حفظة التراث الشفاهي بمثابة حرق مكتبة كاملة»، وهناك من شعر بذلك، فقام بتدوين تلك التفاصيل بنفسه، كما فعل السيد قحطان بن ناصر البوسعيدي، في كتابه (ذاكرة وذكرى - مقالات مجد عُمان الثانية)، فقد روى بعضًا من أحداث جرت قبل السبعينيات، فأبحر بنا مع عادات المجتمع العُماني وتقاليده، والظروف السائدة آنذاك، للقبض على «التاريخ الاجتماعي المنسي الذي همّشناه كثيرًا»، كما يقول د. سالم البوسعيدي في مقدمة الكتاب.
وهذا المطلب يلتقي مع ما أكّد عليه تيار ما بعد الحداثة، الذي شملت تطبيقاته الأدب، والعمارة، والفكر، والدراما، والتصميم، ويعود منشؤه إلى النصف الثاني من القرن العشرين، ويقوم على الاحتفاء بالثقافة الشعبية والموروثات، من أزياء وموسيقى، ونصوص شفاهية، وأنشطة تراثية، وجاء هذا التيار كرد فعل على الحداثة التي همّشت الثقافة الشعبية، لصالح ثقافة النخبة، فدعا إلى التعدّديّة الثقافية، ودمج الثقافتين، وإلغاء الحدود الفاصلة بينهما، وتفتيت هيمنة النخبة، والعمل على إحياء الموروثات الشعبية، وتدويرها.
ففي الفصل الأول من الكتاب يتحدّث الكاتب عن تفاصيل من طفولته في (بوشر) قبل عام 1970م، وتفوح من تلك الذكريات رائحة الماضي، ومنها ما هو مؤلم، كتعرضه للسقوط من أعلى الجبل وسقوطه في قعر الوادي عندما كان يتسلّق جدارًا محاولًا الحصول على النبق، إلّا أنّ لطف الله به جعل أمّه تخرج من البيت لجلب الماء من الفلج، لتشاهد الجدار يقع على ابنها، فتصرخ، ليتجمع الناس، ويتمّ إزالة الجدار عنه، فتحمله إلى البيت، ويعالجونه بـ(الخمّود)، وهو «حفرة طويلة بقدر طول الشخص المصاب يوضع بها جمر، ويوضع فوق الجمر أوراق الشخر، أو أوراق اللثب، ثم يوضع عليه فراش المصاب وينام عليه، ويغطّى بلحاف ثقيل حتى يبرد الجمر، وبذلك يتم علاجه». مثل هذه المعلومة لا نعثر عليها بسهولة إلّا في ذاكرة كبار السن، وفي مقال له عن (بوشر)، يقول: «أنا أحد أبناء هذه الولاية، عشت فيها طفولتي وشبابي وكهولتي، لذا أحبّ أن أسجّل ذكرياتي عنها، لأحفّز أبناء الولاية الباحثين والباحثات أن يكتبوا عنها، وذلك عن طريق زيارة كبار السن».
ويخصّص مقالًا عن الأمطار في تلك السنوات، وكانت غزيرة، وقد تستمرّ لأكثر من يوم، حيث يقتصر الأكل على التمر، والقهوة، والعسل، والتمر، والسمن، منوّهًا إن بعض الناس يأكلون القبولي ليحافظوا على حطب الوقود، ويرسم مشهدًا يوضّح به روح التكافل الاجتماعي التي كانت سائدة، فبعض الناس، حين يستمر نزول الأمطار، ينتقلون من بيوتهم القديمة الطينية، حفاظًا على حياتهم، وخوفًا من انهيارها عليهم، إلى بيوت جيرانهم «الذين لديهم بيوت أجد، حيث تجد قلوب ونفوس الناس أوسع من بيوتهم، ليفسحوا لجيرانهم المكان اللائق به، فيتشاركون في أرزاقهم».
ويتطرّق إلى النكبات التي ضربت عُمان، ومن بينها حريق اجتاح مسقط بين عامي 1964 و1965م، وتأتي خطورته أن 90% من البيوت كانت مبنية بسعف النخيل، ولم تكن في تلك الأيام توجد مطافي الحرائق.
ويذكر أيضًا مرض الكوليرا، الذي اجتاح عُمان سنة 1966-1967م، وحصد الكثير من الأرواح، إلى جانب تفاصيل، وذكريات كثيرة دوّنها بلغة تنساب ببساطة، مثلما ينساب ماء فلج ليروي الأرض العطشى خلال استعادته تفاصيل طفولة ما قبل السبعين.
عبدالرزّاق الربيعي شاعر وكاتب عماني