ثقافة

جلسة بالنادي الثقافي تستقرئ جذور الحروب بين الإنسان والسلطة وسرديات الصورة

ناقشت أثر الصراعات في تشكيل الوعي

 

ناقشت جلسة حوارية بعنوان 'بين الشعوب والأنظمة: من أين تبدأ الحروب؟' مساء أمس بالنادي الثقافي الأسئلة الكبرى التي تثيرها الحروب في الوعي الإنساني، متتبعة جذورها التاريخية والسياسية والثقافية، ومستعرضة دور السينما في تشكيل سرديات الصراع، والعلاقة المعقدة بين الشعوب والأنظمة في إشعال الحروب واستمرارها، وذلك بمشاركة المكرم عوض باقوير، والدكتور محمد اليحيائي، والكاتب عبدالله حبيب، وأدارها الكاتب جاسم بني عرابة.
الإنسان والحرب
واستهل جاسم بني عرابة الجلسة الحوارية بالإشارة إلى أنها تأتي في وقت تفرض فيه الحروب نفسها على المشهد الإنساني والثقافي، حيث تتناول الحرب من زوايا متعددة تشمل الإنسان والتاريخ والسينما والشعوب والأنظمة عبر ثلاثة محاور رئيسية طرح في الأول المعنون بـ 'الإنسان والحرب' سؤالا حول الكيفية التي تعيد بها الحروب تشكيل معنى الإنسان وعلاقته بذاته وبالآخرين وبالعالم، متجاوزا السؤال التقليدي عن أسباب الحروب إلى البحث في أثرها على الوجود الإنساني نفسه، وما إذا كانت تعيد صياغة مفهوم الإنسان وهويته وعلاقاته.
بداية تحدث الدكتور محمد اليحيائي مشيرا إلى أن جيله تشكل وعيه في ظل الحروب والأزمات التي شهدتها المنطقة، مستعرضا سلسلة من الأحداث المفصلية التي بدأت عام 1979، وفي مقدمتها الثورة الإيرانية، واقتحام الحرم المكي، ودخول الجيش السوفيتي إلى أفغانستان، ثم الحرب العراقية الإيرانية واغتيال الرئيس المصري أنور السادات، معتبرا أن تداعيات تلك الأحداث ما تزال تلقي بظلالها على الواقع الراهن وأسهمت في تشكيل الثقافة والوجدان السياسي في المنطقة.
وأكد 'اليحيائي' أن الصراع حاضر في التجربة الإنسانية منذ بداياتها الأولى، مستحضرا قصة قابيل وهابيل كأول تجلٍ للصراع بين البشر، وقال إن الإنسان يحمل في داخله ثنائية الخير والشر، وإن التاريخ يكشف أن الصراع كان حاضرا قبل أن يوثق في السجلات التاريخية، مستشهدا باكتشافات أثرية في شمال السودان أظهرت آثار عنف على هياكل عظمية تعود إلى عصور ما قبل التاريخ قبل أن تتوالى الحروب الموثقة في الحضارات القديمة.
وقال الدكتور محمد اليحيائي: إن فترات التعايش الطويلة التي عرفتها البشرية جاءت في كثير من الأحيان نتيجة لحروب كبرى أعادت تشكيل موازين القوى، كما حدث بعد الحربين العالميتين اللتين أفرزتا خرائط سياسية جديدة ونظاما دوليا جديدا، وهو ما يؤكد أن الصراع ظل عنصرا ملازما للتاريخ الإنساني.
وفي تعقيبه تناول الكاتب عبدالله حبيب الحرب من منظور ثقافي معتبرا أن الثقافة معنية بالحرب منذ اللحظة التي يُصنع فيها مفهوم الآخر، إذ يتحول الاختلاف إلى أساس للصراع، وأن التسميات المتداولة للمنطقة، مثل 'الشرق الأوسط' ليست محايدة، وإنما ارتبطت بسياقات تاريخية وسياسية فرضتها القوى الاستعمارية، لافتا إلى أن الحربين العالميتين تركتا أثرا بالغا في تطور السينما التي أصبحت لاحقا أحد أبرز أدوات التأثير في تشكيل الوعي بالحروب.
من جانبه قال المكرم عوض باقوير إن الحروب ارتبطت تاريخيا بالسعي إلى المنفعة والسيطرة والنفوذ والثروة، وأن كثيرا من الصراعات اندلعت نتيجة مشاريع الهيمنة والتوسع، وأن النظام الدولي القائم على هيمنة قطب واحد أسهم في استمرار هذه الحروب، وغياب التوازن الدولي أدى إلى تراجع الاعتبارات الأخلاقية والقانونية، في وقت أصبحت فيه الشعوب تدفع ثمن صراعات لا تملك قرار إشعالها أو إنهائها، داعيا إلى نظام دولي متعدد الأقطاب يعيد التوازن إلى العلاقات الدولية ويحد من النزاعات.
السينما والحرب
وفي المحور الثاني 'السينما والتاريخ والحرب' تساءل مدير الجلسة عما إذا كانت السينما تكتفي بعكس الحروب وتوثيقها، أم أنها تسهم أيضا في صناعتها عبر تكريس ثنائية 'الأنا والآخر' وإضفاء الشرعية على العنف وصناعة الذاكرة الجمعية التي تجعل المجتمعات أكثر تقبلا للحروب وتبريرها، مستشهدا بأمثلة من الأفلام التي تقدم صورا نمطية عن الآخر وتعيد إنتاج مبررات الصراع.
وفي هذا المحور تحدث الكاتب عبدالله حبيب وقال: إن العلاقة بين السينما والحرب تتجاوز حدود التوثيق إلى التأثير المباشر في تشكيل الوعي، فالخطاب السينمائي نفسه يوظف مفردات عسكرية حتى في وصف نجاح الأفلام وانتشارها، وهو ما يعكس حضور ثقافة الحرب في اللغة والصورة معا، ويعد فيلم 'مولد أمة' عام 1915 نموذجا مبكرا لدور السينما في صناعة الصور النمطية، إذ رسخ رؤية عنصرية للسود حتى عده مؤرخو السينما أكثر الأفلام عنصرية في تاريخها، وأسهم في بناء سردية وطنية أمريكية تقوم على العنف والتمييز، كما أن المؤسسات الرسمية في الولايات المتحدة قدمت دعما واسعا للأفلام التي تتناول الجيش والحروب بما يخدم توجهاتها.
وأضاف عبدالله حبيب: إن الاتحاد السوفيتي أدرك مبكرا أهمية السينما في التعبئة السياسية، ويتجلى ذلك في فيلم 'ألكسندر نيفسكي' الذي أُنتج أواخر ثلاثينيات القرن الماضي بتوجيه من جوزيف ستالين لاستحضار انتصار تاريخي على الألمان في ظل تصاعد النزعة النازية، ثم توقف عرضه عقب توقيع اتفاقية عدم الاعتداء بين الاتحاد السوفيتي وألمانيا، قبل أن يعود إلى شاشات العرض مع اندلاع الحرب بين الطرفين بما يكشف كيف تتغير وظيفة السينما بتغير موازين الصراع.
وتوقف الكاتب عبدالله حبيب عند أطروحات الناقد الألماني زيغفريد كراكاور في كتاب 'من كاليغاري إلى هتلر'، الذي رأى أن السينما التعبيرية الألمانية حملت قبل وصول هتلر إلى السلطة، مؤشرات نفسية وثقافية مهّدت لتقبّل المجتمع لصعود النازية مستشهدا أيضا بكتاب المؤرخ الفرنسي مارك فيرو، الذي يرى أن السينما لا تتنبأ بالمستقبل بقدر ما تهيئ المجتمعات لتقبّل أحداث تبدو مستبعدة عند إنتاجها، مستدلا بفيلم أمريكي أُنتج عام 1943 بعنوان 'مغامرة في العراق' سبق أحداثا شهدتها المنطقة بعد عقود، وعدّه مثالا على قدرة السينما على صناعة المخيال الجمعي تجاه الشعوب والحروب.
وفرّق الدكتور محمد اليحيائي في تعقيبه بين الحروب العدوانية وحروب التحرر مؤكدا أن التاريخ عرف حروبا حملت مشروعية أخلاقية ووطنية، وفي مقدمتها حروب مقاومة الاستعمار مستشهدا بتجربة الدولة اليعربية في تحرير السواحل العُمانية من الاحتلال البرتغالي، إلى جانب حركات التحرر في آسيا وإفريقيا وأمريكا الجنوبية وقال 'أن هذه الحروب تختلف في دوافعها عن الحروب القائمة على الهيمنة والسيطرة'. كما أشار إلى أن الأدب العالمي شأنه شأن السينما احتفى عبر ملاحمه الكبرى بصورة البطل المقاتل مستشهدا بالإلياذة والأوديسة والشاهنامة والمهابهارتا، التي كرست صورة المحارب في الذاكرة الإنسانية.
وعقب ذلك أوضح 'اليحيائي' أن حديثه عن مشروعية بعض الحروب لا يعني شرعنة العنف، وإنما يتعلق بشرعية الدوافع التي تقف خلف حروب التحرر الوطني حيث أن مقاومة الاحتلال تختلف عن الحروب التي تقوم على التوسع أو الهيمنة.
وفي السياق ذاته استعاد عبدالله حبيب مناظرة بين نعوم تشومسكي وميشيل فوكو حول مسؤولية الفرد في تعطيل قطار محمل بالأسلحة خلال حرب فيتنام، مشيرا إلى أن اختلاف الموقفين الفلسفيين يعكس تعقيد الأسئلة الأخلاقية المرتبطة بالحرب والعنف.
الشعوب والأنظمة
وقبل الانتقال إلى المحور الثالث قرأ جاسم بني عرابة (مدير الجلسة) مقطعا من كتاب 'أخي وأرضي' متوقفا عند رمزية البيت، إذ لا يقتصر حضوره على البناء المادي، وإنما يمتد ليجسد الوطن والانتماء والذاكرة، مشيرا إلى أن الحروب لا تهدم المنازل فحسب وإنما تمزق الأوطان والعائلات والروابط الإنسانية، قبل أن يطرح المحور الثالث المعنون 'الشعوب والأنظمة'، متسائلا عما إذا كانت الثنائية بين الشعب والدولة أو الحكومة والنظام كافية لفهم تعقيدات الحروب، أم أنها تختزل واقعا أكثر تشابكا.
واستهل المكرم عوض باقوير المحور بالتأكيد أن نشوء الدولة الوطنية الحديثة وما رافقه من شعارات الديمقراطية والليبرالية وحقوق الإنسان لم يمنع استمرار الحروب، معتبرا أن الأحداث التي شهدها العالم ولا سيما بعد الحرب العالمية الثانية كشفت تناقضا بين الخطاب الغربي والممارسة الفعلية، مستشهدا بما يجري في قطاع غزة، حيث رأى أن الشعارات المتعلقة بحقوق الإنسان تتراجع أمام اعتبارات السياسة والقوة.
وأضاف 'باقوير': أن الشعوب الغربية أظهرت مواقف داعمة للقضية الفلسطينية من خلال احتجاجات واسعة، إلا أن تأثيرها في قرارات الحكومات ظل محدودا، وهذا يعود إلى طبيعة الأنظمة السياسية وآليات صنع القرار فيها، كما أن الإعلام والسينما أسهما في ترسيخ صور نمطية عن شعوب الشرق، وأن النظام الدولي بحاجة إلى تعددية قطبية تعيد التوازن إلى العلاقات الدولية، وتحد من منطق الهيمنة والصراع.
من جانبه أشار الدكتور محمد اليحيائي إلى أن النظام الدولي الذي تشكل بعد الحرب العالمية الثانية بما يتضمنه من الأمم المتحدة ومجلس الأمن والمواثيق الدولية، نجح في الحد من اندلاع حرب عالمية جديدة لكنه لم يمنع الحروب الإقليمية، حيث أن توازن القوى ظل عاملا رئيسيا في كبح الصدامات الكبرى، في حين سمحت موازين القوة للدول الكبرى بخوض حروب خارج حدودها مستفيدة من هيمنتها العسكرية والاقتصادية والإعلامية.
وأكد 'اليحيائي': أن الشعوب الضعيفة لا تملك كثيرا من أدوات التأثير في النظام الدولي، وأن أقصى ما يمكنها فعله هو تعزيز تماسكها الداخلي وبناء وحدتها الوطنية للحد من آثار الحروب، محذرا من أن أخطر ما تخلّفه الصراعات ليس الدمار المادي فقط، وإنما ترسيخ الشعور بالهزيمة والعجز داخل المجتمعات.
مداخلات وتعقيبات
بعد ذلك فُتح باب المداخلات أمام الحضور حيث تناولت الأسئلة أبعادا متعددة للحرب من بينها أثرها في الشخصية الإنسانية بعد انتهائها وإمكان عدّ السينما أداة للدعاية والهيمنة الثقافية ودور الأدب في استشراف الحروب، إضافة إلى موقع القانون الدولي الإنساني ومفهوم الدفاع، وثنائية الشعوب والأنظمة، والعلاقة بين الديمقراطية والحروب، إلى جانب تساؤلات حول قدرة المجتمعات على منع الصراعات أو الحد من آثارها.
وفي معرض رده على المداخلات أكد الدكتور محمد اليحيائي أن القيادات السياسية تدرك حجم المخاطر التي تواجهها المنطقة، غير أن تشابك المصالح والارتباطات الأمنية والاقتصادية الممتدة لعقود يحد من قدرتها على اتخاذ قرارات مستقلة، داعيا إلى إنتاج مقاربات فكرية جديدة تتجاوز المناطق الآمنة في التفكير. كما تناول تجربة اليابان وألمانيا بعد الحرب العالمية الثانية، معتبرا أن تجاوز الهزيمة تحقق عبر الاعتراف بالواقع ثم توجيه الجهود نحو إعادة بناء المجتمع والاقتصاد، مؤكدا مجددا إلى أن الشعور بالهزيمة قد يكون أشد أثرا من الهزيمة ذاتها إذا ترسخ في الوعي الجمعي، وتطرق كذلك إلى القانون الدولي موضحا أن تطبيقه يظل رهينا بآليات مجلس الأمن وبمواقف الدول الكبرى وبمدى التزام الدول بالاتفاقيات الدولية، وهو ما يجعل فاعليته متفاوتة في التعامل مع النزاعات المسلحة.
من جهته أوضح الكاتب عبدالله حبيب أن السينما أدت منذ نشأتها وظائف دعائية وتثقيفية في آن واحد، مستشهدا بالتجربة السوفيتية التي أولت السينما أهمية كبيرة في بناء المجتمع وتشكيل الوعي العام، كما فرّق بين 'الآخر' الطبيعي الذي تفرضه اختلافات البشر، و'الآخر' الذي تصنعه الثقافة والخطابات المهيمنة، معتبرا أن هذا التصور المركب للآخر يمثل أحد المنابع التي تغذي الصراعات والحروب، ويتجلى بوضوح في كثير من الصور النمطية التي رسختها السينما الغربية عن العرب والمسلمين.
أما المكرم عوض باقوير فرأى أن تصاعد الحروب يستهلك القوى الكبرى ويقودها تدريجيا إلى التراجع، مستحضرا تجارب تاريخية شهدت أفول إمبراطوريات بعد انخراطها في صراعات طويلة، وقال ' أن العالم يتجه نحو نظام أكثر تعددية، وأن تعزيز هذا التوازن من شأنه الحد من الهيمنة وإتاحة فرص أكبر للاستقرار، في وقت تحتاج فيه الشعوب إلى تغليب الحوار والتعاون بدلا من منطق القوة والصراع'.