عمان العلمي

هل سمعت هذه الأغنية؟ قراءة في كتاب «أغنية الخلية» لسيدهارتا موكرجي

 

سعد صبار السامرائي

قضيتُ أكثر من عشرين عامًا أنظر إلى الخلايا عبر عدسات المجاهر. رأيت الخلايا بدائية النواة، ولا سيما البكتيريا، بما تحمله من بساطةٍ خادعة وتنظيمٍ داخلي دقيق، ثم انتقلتُ إلى خلايا الفطريات، وهي كائنات حقيقية النواة تكشف، رغم صغرها، عن عالم أكثر تعقيدًا في البنية والوظيفة؛ وبعدها إلى خلايا الفئران والإنسان؛ حيث تتجاور العضيات، وتتوزع المهام، وتتشابك مسارات الحياة في نظام بالغ الإحكام. ثم جاءت الخلايا السرطانية تلك النظائر المخادعة من خلايا الجسد حين تتمرد على النظام، وتفلت من قيود الانقسام والموت المبرمج.

لذلك ليس عسيرًا عليّ كلما فكّرت في الخلية أن أستدعي أثر المسلسل الكارتوني القديم «كان يا ما كان الحياة»، وأن أدخل مرة أخرى إلى ذلك الكوكب الصغير المزدحم بالعضيات والجزيئات. أرى الريبوسومات وهي تترجم الحمض النووي الريبي المرسال في السيتوسول، وأتخيّل البروتينات وهي تعبر بوابات الأغشية أو تُوجَّه إلى مواضعها داخل الخلية.

ومع أن هذه التفاصيل الجزيئية مألوفة لي أعرف أن تخيّلها ليس يسيرًا على غير المتخصصين. فالخلية على صغرها عالم كامل، وكلما اقتربنا منها اتّسعت في المخيلة والمعرفة معًا. ومع ذلك أظن أن كثيرين يحملون فضولًا حقيقيًا تجاهها. يظهر هذا الفضول عند مواجهة مرض أو تشخيص طبي، أو حين يختل شيء في الجسد، أو حين يتأمل المرء ببساطة عجائب العالم الطبيعي. ولذلك يبدو كتاب «أغنية الخلية: استكشاف في الطب والإنسان الجديد» لسيدهارتا موكرجي الصادر عام 2022، موجّهًا إلى هؤلاء تحديدًا: إلى من يريدون أن يفهموا الخلية من غير أن يفقدوا دهشتهم بها.

سيدهارتا موكرجي طبيب أورام وأمراض دم وأستاذ مشارك في الطب بجامعة كولومبيا وباحث في بيولوجيا الدم والسرطان. وهو أيضًا من الأسماء اللامعة في الكتابة العلمية الموجهة إلى القارئ العام. أصدر كتابه الأول «إمبراطور المآسي: سيرة السرطان»، فنال عنه جائزة بوليتزر عام 2011، ثم أصدر «الجين: تاريخ حميم» الذي صار من الكتب الواسعة الانتشار في الكتابة العلمية الحديثة. ما يميّز موكرجي أنه لا يكتفي بشرح العلم، بل يحاول أن يمنحه هيئة مرئية. يقرّب العمليات البيولوجية المعقدة من القارئ من غير أن يسطّحها، ويستدعي الاستعارة في موضعها، ويجعل القارئ يرى ما لا يُرى.

يقدّم هذا الكتاب تحيةً للخلية: أصغر وحدة حيّة قادرة على حمل خصائص الحياة. يتناول ماضيها وحاضرها ومستقبلها، بنيتها ووظيفتها، صلاتها بما حولها، وما تكشفه عن المرض والشفاء والإنسان. يرى موكرجي أن تأمّل بنية الخلية وتفاعلاتها مع محيطها يشبه الإصغاء إلى «أغنيتها». ومن هنا جاء عنوان الكتاب. ومما استوقفني في العنوان، ودفعني إلى تقصّي خباياه، أن «أغنية الخلية» لم يكن أول نصّ يجعل خلايانا تغنّي.

ففي عام 1976، نشرت غريس شولمان مقالًا بعنوان «أغنية خلايانا» في مجلة The Hudson Review، قرأت فيه كتابين متباعدين في الظاهر: «حيوات خلية: ملاحظات مراقب أحيائي» للويس توماس، و«حياة الشعر» لموريل روكايزر. رأت شولمان بين الكتابين قرابة فكرية وجمالية عميقة: قرابة بين الخلية والقصيدة، بين علم الأحياء والخيال، بين النظام الحيوي والنظام اللغوي.

لم يكن اختيارها لهذين الكتابين عابرًا. فكتاب لويس توماس، الصادر عام 1974، جمع مقالات علمية تأملية، ثم نال جائزة الكتاب الوطني الأميركية عام 1975 في فرع الآداب والعلوم. وقد اشتهر توماس بقدرته على تحويل البيولوجيا إلى تفكير في الترابط والتواصل بين الكائنات والبيئات واللغة والوعي. أما كتاب موريل روكايزر «حياة الشعر»، الصادر أول مرة عام 1949، فينتمي إلى الجهة الأخرى من المقارنة: جهة الشعر والخيال والوعي الإنساني. لكنه، مثل كتاب توماس، يدافع عن فكرة الاتصال. فالشعر عند روكايزر ليس زخرفة لغوية ولا هروبًا من العالم، بل طريقة في معرفته، واستعادة الصلة بين الإنسان والآخرين والواقع.

لهذا بدت مقاربة شولمان مبكرة ولافتة. فقبل أن تصبح مفاهيم الترابط، والتكافل، والإيكولوجيا الخلوية، والميكروبيوم، والتواصل بين الأنواع، مفردات مألوفة في الكتابة العلمية الحديثة، كانت شولمان تلمح إلى أن البيولوجيا ليست علمًا للأجزاء المنفصلة وحدها، بل علم العلاقات التي تجعل الحياة ممكنة. لا أعرف هل قرأ موكرجي مقالها أم لا، لكن يمكن القول إن «أغنية خلايانا» تمثل لحظة مبكرة في تاريخ الكتابة التي تصل بين البيولوجيا والاستعارات الأدبية.

يأخذنا موكرجي في كتابه إلى القرن السابع عشر، حين وجّه تاجر أقمشة هولندي اسمه أنطوني فان ليفنهوك مجهرًا بسيطًا، كان يستخدمه لفحص ألياف النسيج، إلى قطرة ماء، فرأى فيها كائنات متلوية أطلق عليها اسم «الحُوَيْنات». وقبل ذلك بأقل من عقد، وضع العالم الإنجليزي روبرت هوك شريحة رقيقة من الفلين تحت المجهر، فرأى «عددًا كبيرًا من الصناديق الصغيرة». وما رآه هوك لم يكن خلايا حيّة بالمعنى الدقيق، بل الجدران التي تبنيها الخلايا النباتية حول نفسها. ومع ذلك، اختار لها اسم «خلية»، من الكلمة اللاتينية cella، أي «الغرفة الصغيرة»، لأنها ذكّرته بغرف الرهبان.

لكن فهم ما يجري داخل تلك الغرف الصغيرة تأخر إلى القرن التاسع عشر. ففي برلين، خلال ثلاثينيات ذلك القرن، وضع عالم النبات ماتياس شلايدن، وعالم الحيوان ثيودور شوان، الأسس الأولى لنظرية الخلية، واقترحا أن للنباتات والحيوانات معًا وسيلة مشتركة للتكوّن عبر الخلايا. ثم جاء فرانسوا-فنسنت راسباي، عالم المجهريات الفرنسي، فاقترح أن الخلية مصنع ينجز عمليات كيميائية تتيح للكائن الحي أن يؤدي وظائفه. بعد ذلك، أظهر الطبيب البروسي رودولف فيرشو أن الخلايا تنقسم وتُنجب خلايا جديدة، وقدّم نظرية خلوية للمرض، رأى فيها أن كل اضطراب مرضي، وكل أثر علاجي، لا يجد تفسيره النهائي إلا حين نحدّد العناصر الخلوية الحية المعنية به على وجه الدقة.

هذه الفكرة، كما يقول موكرجي، معلّقة على لوحة في مكتبه، تذكّره بأن كل شيء، في النهاية، يعود إلى الخلايا. يكتب: «بوصفي طبيب أورام، فأنا أولًا عالم أحياء خلوية». ومن هذه النقطة يتقدّم الكتاب: يظهر السرطان تمرّدًا خلويًا، وتغدو المناعة شبكة من الخلايا التي تتعرّف وتهاجم وتخفق أحيانًا؛ والعلاج المناعي للسرطان علاج خلوي، والتلقيح الاصطناعي علاج خلوي أيضًا، والهندسة الوراثية، ما دام الحمض النووي يقيم في الخلايا، تدخل في النهاية من باب الخلية.

وجد موكرجي، بهذا المعنى، موضوعًا يتناسب مع خبرته وخياله معًا. فقد تدرّب أولًا في علم المناعة، ثم في الخلايا الجذعية، ثم في بيولوجيا السرطان، قبل أن يصبح طبيب أورام سريرية. وفي الكتاب نتعرّف على عملية البلعمة، أي ابتلاع الخلية المناعية للعامل الممرض، والاتزان الداخلي، أي قدرة الخلية على حفظ استقرارها، كما نلتقي الدم، والخلايا العصبية، والخلايا الجذعية، والسرطان، وكوفيد-19، وتاريخ المختبرات، وحكايات المرضى، وأطيافًا من ذاكرة المؤلف الشخصية.

غير أن اتساع الموضوع يرهق البناء أحيانًا. ينتقل الكتاب بين التاريخ الطبي، وسير المرضى، وذاكرة المؤلف، ووعود العلاج الخلوي، وأسئلة الوباء، فيبدو أحيانًا أقرب إلى أرخبيل غني من الفصول منه إلى نهر واحد متصل. قد يكون تنظيمه خلويًا في فكرته، لكن الخيط الذي يصل بين أجزائه لا يظل مشدودًا دائمًا.

ومع ذلك، يمتلك موكرجي موهبة ظاهرة في الاستعارة. يشبّه الجسم المضاد بضابط شرطة يحمل مسدسًا، والخلية التائية بمخبر خاص، واللويحات الدهنية في الشرايين بأكوام رخوة مرمية على جوانب الطرق السريعة، كأنها حوادث تنتظر لحظتها.

أما الخلية الدبقية، الضرورية والمغبونة طويلًا في تاريخ علم الأعصاب، فتبدو عنده أشبه بمساعدة نجم سينمائي عالقة إلى الأبد في ظلال الشهرة. وحين يتحدث عن دقة بعض البروتينات البكتيرية في تعديل الجينوم البشري، يستدعي صورة مذهلة: كأن يستطيع شخص، في مكتبة جامعية تضم ثمانين ألف كتاب، أن يستبدل كلمة واحدة بكلمة أخرى في مقدمة المجلد الأول من «يوميات صموئيل بيبس».

أما الخلية نفسها، فلها نصيب وافر من هذه الاستعارات. تبدأ في الكتاب كأنها مركبة فضائية صغيرة، ثم تصير مؤسسًا، ثم مستعمرة. ويصبح الدم حضارة خلوية، والسرطان بيئة مضطربة للخلية. هكذا يتسع موضوع الكتاب شيئًا فشيئًا. وحين يسأل موكرجي: لماذا تحتل الألغاز الطبية لجائحة كوفيد-19 مكانًا مركزيًا في كتاب عن علم الأحياء الخلوي؟ يجيب ببساطة: لأن علم الأحياء الخلوي يقع في نواة تلك الألغاز الطبية.

يستعيد الكتاب موجة التفاؤل التي رافقت منتصف العقد الأول من الألفية، حين جعل التقدم في قراءة الجينوم كثيرين يظنون أننا بتنا قريبين من فتح باب علاجات السرطان على مصراعيه. لكن بيانات التجارب السريرية جاءت، في حالات كثيرة، لتوقظ العلم من حماسته. لا تزال ألغاز طبية كثيرة بلا حل. وإذا كان فهمنا للخلية قد بدا كأنه يصعد من جديد على موجة علم المناعة والعلاجات الخلوية، فإن جائحة كوفيد-19 أنزلت قدرًا من الثقة من عليائها. أمام أسئلة كثيرة، لا يملك العلم جوابًا نهائيًا. يكتب موكرجي، في لحظة مكاشفة لافتة: «لا نعرف. لا نعرف. لا نعرف».

أما عبارة «الإنسان الجديد» في العنوان الفرعي، فتشير إلى البشر الذين تغيّرت حياتهم بالفعل بفضل المقاربات العلاجية القائمة على الخلايا: مرضى اللوكيميا الذين يعيشون بفضل خلايا أُعيدت هندستها، وأجساد صارت تحمل في داخلها تدخلًا بيولوجيًا جديدًا. هؤلاء ما يزالون من نوع الإنسان العاقل Homo sapiens، لكن يمكن النظر إليهم كنوع من الإنسان العاقل المزيد: Homo sapiens plus؛ إنسان أضيف إلى جسده شيء من صناعة الطب الحديث. ومن هنا يدخل الكتاب إلى أسئلته الأخلاقية: ماذا يعني أن نعالج الخلية؟ ومتى يتحول العلاج إلى تعديل؟ وماذا يحدث حين تمتد يد الطب إلى الأجنة؟

يشجّعنا «أغنية الخلية» على إعادة النظر في الطب من الداخل. فالمرض، في هذا الكتاب، لا يبدأ دائمًا من العضو أو النسيج أو العرض؛ بل كثيرًا ما يبدأ من وحدة أصغر وأكثر حيوية: الخلية. تبدو الخلية هنا أبعد من لبنة صامتة في بناء الجسد؛ كائنًا عاملًا، متواصلًا، مصغيًا، ومخطئًا أحيانًا. وإذا كانت الخلية قد بدت لهوك غرفة صغيرة مغلقة، فإنها تبدو لنا اليوم قصرًا منيفًا مفتوحًا على شبكة هائلة من الإشارات والعلاقات والاستجابات.

هذا كتاب ضخم، جريء، غني بالمعلومات والشواهد، وقد يكون مرهقًا أحيانًا للقارئ العام، لكنه يظل قادرًا على بث الدهشة. وأهم ما يمنحه للقارئ هو طريقة جديدة في النظر إلى الحياة. «إنها حياة داخل حياة»، كما يصفها موكرجي. صحيح أن الخلية لا تفسّر الحياة كلها، لكنها تعلّمنا أن الحياة لا تُفهم إلا من الداخل، من حركة الأجزاء الصغيرة وهي تصنع الكل، ومن أغنية لا تنقطع، من البكتيريا إلى الحوت الأزرق.

وأخيرًا، لا بد من الإشارة إلى أن هذه الأغنية ما زالت تُنشد بالإنجليزية وحدها. فالقارئ العربي، مهما اقترب من هذا العمل، يجد بينه وبين الخلية غشاءً لغويًا لم تُزِحه بعد يد مترجم. وقد تواصلتُ شخصيًا مع دار سكريبنر مستفسرًا عن حقوق الترجمة، فعلمتُ أن الحقوق العربية قد بيعت لإحدى دور النشر العربية المعروفة منذ أكثر من سنتين، من دون أن تظهر الترجمة حتى الآن. ومن حق القارئ العربي أن يتساءل: لماذا تأخرت ترجمة كتاب كهذا، في زمن تتسارع فيه ثورات الطب الخلوي والهندسة الحيوية والذكاء الاصطناعي الحيوي؟