هل نمتحن طلابنا في الوقت الخطأ؟ ظُلمُ الثامنة صباحًا
الأربعاء / 7 / صفر / 1448 هـ - 13:09 - الأربعاء 22 يوليو 2026 13:09
د. مازن العبيدي
في صباح يومٍ من أيام يناير، جلست (يارا)، طالبة الهندسة في إحدى الجامعات، أمام ورقة الامتحان، وعيناها تغالبان إرهاقًا شديدًا. لم تكن يارا مقصرة؛ فقد قضت الأيام الأربعة الأخيرة تراجع مقرراتها حتى منتصف الليل، وتستيقظ في السابعة صباحًا لتلحق بمحاضرة الثامنة. لكن حين أمسكت القلم، تبخرت المعلومات من ذاكرتها في قاعة الامتحان الباردة، وأخفقت في الاختبار. وحين سألها أستاذها عن السبب، أجابت بجملةٍ مألوفة: (لا أعرف، لقد درستُ جيدًا). ما لم تدركه يارا، ولم يعلمه أستاذها، هو أن دماغها في تلك الساعة لم يكن قد استيقظ بعد؛ ليس مجازًا، وإنما بيولوجيًا وحرفيًا.
يحمل كل إنسان في داخله ساعةً بيولوجية دقيقة لا تُرى، تُعرف بـ (الإيقاع اليومي / Circadian Rhythm)، وهو مصطلح مشتق من العبارة اللاتينية circa diem التي تعني (نحو اليوم)؛ لدلالته على دورةٍ تقارب الأربع والعشرين ساعة. تُضبط هذه الساعة عبر نواة دقيقة في منطقة تحت المهاد بالدماغ تُسمى (النواة فوق التصالبية / Suprachiasmatic Nucleus)، وتُعدُّ الضوء أقوى إشارة لمنظومتها التوقيتية، لذا يُربك الضوء الاصطناعي ليلًا عملها ويؤدي إلى تأخرها. تتحكم هذه الساعة في دورات اليقظة والتركيز وأوقات النوم، وهي ليست مجرد نزوة شخصية أو عادة يمكن تغييرها بالنية والعزيمة، وإنما نظام بيولوجي محفور في الجينات، يعمل بمعزلٍ عن ضغوط المجتمع أو جداول الجامعات.
والأكثر إدهاشًا أن هذا النظام ليس موحدًا بين البشر؛ فقد أثبت عالم الأحياء الزمني الألماني (Till Roenneberg) في دراسة واسعة نشرها عام 2004، وأكدتها دراسة (Fischer) وزملائه عام 2017 على عينة من 53,689 شخصًا، أن الإنسان يمر طوال حياته بتحولات في ما يُسمى (النمط الزمني / Chronotype)؛ أي ميله الفطري نحو الصباح أو المساء. فأصحاب النمط الصباحي يشبهون (القبّرات / Larks)، وهي طيورٌ مغرّدة تستيقظ مع الفجر وتبلغ ذروة نشاطها باكرًا، بينما يشبه أصحاب النمط المسائي (البوم)، الذي لا يكتمل صفاء ذهنه إلا بعد غروب الشمس. والأهم في هذا السياق أن هذا الميل يبلغ ذروة تأخره نحو المساء في مرحلة عمرية محددة؛ ما بين التاسعة عشرة والحادية والعشرين تقريبًا، ثم يبدأ في العودة تدريجيًا نحو الصباح؛ وهو ما يعني أن (يارا) وزملاءها في الجامعة يحملون أكثر الأنماط الزمنية بيولوجيًا تأخرًا في حياتهم.
حين يتعارض هذا الإيقاع الداخلي مع مواعيد الجامعة المبكرة، يقع ما يسميه الباحثون (التوقيت الاجتماعي الزائف) أو (التخلف النومي الاجتماعي / Social Jetlag)؛ وهو مصطلح يصف الفجوة بين الساعة البيولوجية للجسم وساعة المجتمع التي تفرضها الدراسة والعمل. تخيل أنك تسافر من لندن إلى نيويورك كل اثنين، ثم تعود كل جمعة، وتكرر ذلك أسبوعًا تلو الآخر؛ هذا بالضبط ما يعانيه دماغ الطالب الذي يسهر ليلًا ثم يُجبر على الاستيقاظ مبكرًا خمسة أيام متتالية، ليحاول بعدها تعويض ما فاته في عطلة نهاية الأسبوع.
وثّق الباحث Yang وزملاؤه عام 2023، في دراسة نُشرت في مجلة (Sleep) على عيّنة شملت 6,335 مراهقًا، هذه الظاهرة بدقة لافتة؛ إذ وجدوا أن ارتفاع درجة (التخلف النومي الاجتماعي) يرتبط بانخفاض ملموس في (الذكاء المتبلور / Crystallized Intelligence)، وهو مخزون المعرفة والمفردات والمهارات المكتسبة عبر التعلّم والخبرة، بخلاف الذكاء السائل الذي يعكس القدرة على حل المشكلات الجديدة، كما يرتبط بتراجع في الأداء الأكاديمي، وانخفاض في الترابط الوظيفي بين منطقتَي الدماغ المسؤولتين عن الذاكرة والانتباه. وقد جاءت دراسة Li وزملائه عام 2024 على عيّنة أضخم بلغت 6,890 مراهقًا لتؤكد أن التخلف النومي الاجتماعي يُعد مؤشرًا على ضعف الأداء المعرفي والأكاديمي، حتى بعد ضبط المتغيرات الاجتماعية والاقتصادية المتعددة.
لكن ماذا يحدث تحديدًا داخل الدماغ حين يُجبر على العمل قبل أن تستيقظ ساعته الداخلية؟ الصورة التي ترسمها الأبحاث شديدة الوضوح.
في مرحلة الاستيقاظ المبكر القسري، تظل مستويات الميلاتونين (Melatonin)، الهرمون الذي تفرزه الغدة الصنوبرية في الظلام لتهيئ الجسم للنوم، مرتفعة في دم الشباب ذوي النمط الزمني المتأخر. وفي الوقت ذاته، لا تزال مستويات الكورتيزول (Cortisol)، هرمون اليقظة والتنبّه الذي يرتفع طبيعيًا في الصباح ليُعدّ الجسم للنشاط، دون ذروتها الصباحية. لذا، يحاول الدماغ تنفيذ مهام معرفية معقدة، كتحليل أسئلة الاختبار والإجابة عنها، بينما كيمياؤه الحيوية لا تزال في (وضع الليل)؛ وهو ما يشبه مطالبة محرك سيارة بارد بالانطلاق بأقصى سرعته في سباق محتدم. وكلما اتسعت الفجوة بين التوقيت الداخلي للجسم والتوقيت الخارجي المفروض عليه، زاد العبء على الدماغ لإنجاز المهام ذاتها التي يؤديها أقرانهم المتوافقون مع ساعاتهم البيولوجية بأيسر جهد.
تؤكد دراسة Manjareeka وزملائه عام 2025 ، المنشورة في مجلة (BMC Medical Education) والتي شملت 148 طالباً في كلية الطب، أن الطلاب ذوي النمط الزمني المسائي يعانون من ضغط نفسي أعلى بكثير مقارنة بأقرانهم الصباحيين (24.9 مقابل 20.7 على مقياس الضغط المدرَك). كما أظهرت الدراسة أنهم يواجهون كمون نوم أطول، حيث يستغرقون أكثر من 41 دقيقة للخلود إلى النوم مقارنة بـ 14 دقيقة فقط للطلاب الصباحيين، وهو فارق ذو دلالة إحصائية واضحة. والأكثر أهمية هو أن الطلاب الصباحيين سجلوا أداءً أكاديمياً أعلى، حيث بلغت نسبة الحاصلين على تقدير (ممتاز) بينهم 49.1%، مقابل 29% فقط لدى الطلاب المسائيين. ومع ذلك، فإن هذه النتائج لا تمثل الصورة الكاملة بشكل قاطع؛ فالأبحاث العلمية في هذا المجال لا تزال غير متوافقة تماماً، ولا يمكن تعميم هذه النتائج كقاعدة ثابتة.
لم تجد دراسة Gupta وزملائه عام 2023 ، المنشورة في مجلة (Cureus) والتي شملت 167 طالباً في كلية الطب، ارتباطاً مباشراً بين النمط الزمني والأداء الأكاديمي، وإنما خلصت إلى أن جودة النوم ومدته هما المتغيران الأكثر تأثيراً. وتوصلت دراسة Souza وزملائه عام 2024 إلى النتيجة ذاتها، مؤكدة أن الطلاب الذين يعانون من سوء جودة النوم يحققون نتائج أقل في الامتحانات، بينما لا يُفسر النمط الزمني وحده هذا التباين. ومن زاوية أوسع، خلص تحليلٌ بَعدي (Meta-analysis) أجراه Preckel وزملاؤه عام 2011، ونُشر في مجلة (Learning and Individual Differences)، إلى مفارقة دالة بعد مراجعة نتائج عشرات الدراسات التي شملت آلاف المشاركين؛ وهي أن أصحاب النمط المسائي يميلون إلى التمتع بقدرات معرفية أعلى قليلاً، ومع ذلك يحصلون على درجات أكاديمية أدنى من أقرانهم الصباحيين. وهو ما يرجح أن فجوة التحصيل لا تعكس فارقاً في الذكاء، وإنما تعود إلى سوء التوافق بين الساعة البيولوجية للطالب وتوقيت الدراسة والاختبارات. وبمعنى أدق، لا تكمن المسألة في مجرد اختيار وقت الاستيقاظ، وإنما في أن إجبار الطالب ذي النمط المتأخر على أداء امتحان في الثامنة صباحاً يضعه في ظروف بيولوجية غير متكافئة مقارنة بزميله ذي النمط الصباحي، حتى وإن تساويا في ساعات الاستذكار والتحصيل العلمي. وهنا تبرز مفارقة تستوجب المواجهة الصريحة، لا سيما في سياق مجتمعاتنا العربية تحديداً.
البكور فضيلة راسخة في ثقافتنا وديننا؛ فالاستيقاظ لصلاة الفجر، والمثل القائل إن في الصباح بركة، والحكمة الموروثة التي تربط النجاح بالنهوض مع شروق الشمس، كلها قيم أصيلة. ولا ينبغي لأي بحث علمي أن يتخذ موقفاً مناهضاً لهذه القيم أو يناقضها، فهي مرتبطة بعبادات وتنظيم للحياة يتجاوز مجرد توقيت النوم. لكن الجدول الجامعي ليس صلاةً ولا فضيلة، وإنما هو قرار إداري؛ لذا فإن السؤال الذي يطرحه العلم ليس (هل البكور أمر جيد؟)، وإنما (هل امتحان الساعة الثامنة صباحاً هو الأداة الأعدل لقياس تحصيل الطالب؟). هذا سؤال تعليمي وعدالتي في جوهره، وليس هجوماً على ثقافة أو قيمة.
وهنا تحديداً تكشف الأبحاث عن فجوة بحثية لا يمكن تجاهلها؛ فمعظم الدراسات التي أشرنا إليها أُجريت في أمريكا الشمالية وأوروبا، بينما لا تتوفر لدينا، حسب علمنا، دراسات معمّقة تفحص أثر توقيت الامتحانات والمحاضرات في الأداء الأكاديمي لطلاب الجامعات في منطقتنا العربية.
وهذا الغياب ليس بسيطاً؛ فالشرق الأوسط يتمتع بخصائص فريدة؛ فالمناخ الحار يُغيّر أنماط النشاط اليومي، والطبيعة الاجتماعية تميل إلى السهر المرتبط بالعلاقات الأسرية والمجتمعية، كما تُشكّل مواعيد الأذان ركيزة لجدول اليقظة، فضلاً عن شهر رمضان الذي يقلب الساعة البيولوجية لملايين الطلاب شهراً كاملاً كل عام؛ إذ ينعكس جدول النوم والطعام رأساً على عقب، فتصبح ساعات السهر امتداداً طبيعياً للعبادة والسحور، ثم يعود الطلاب بعده إلى جداول جامعية ثابتة لم تتغير. إن كل هذه المتغيرات تجعل من تطبيق النتائج الغربية آلياً على سياقنا مجازفةً علمية يجب تجنّبها.
إن ما نحتاجه ليس استنساخ نتائج الأبحاث الأوروبية وتطبيقها على جامعاتنا كما هي، لكن المطلوب هو إطلاق برامج بحثية جادة في الجامعات؛ لدراسة هذه الظاهرة في سياقها الواقعي، بكل ما تحمله من تعقيدات ثقافية ومناخية ودينية. وفي ظل غياب هذه الأبحاث المحلية، ما الذي يمكن الاستناد إليه اليوم؟
تُظهر دراسة Kalbacher وزملائه عام 2024، المنشورة في مجلة (Chronobiology International) والتي شملت 637 طالباً جامعياً، أن التنظيم الذاتي والوعي بأنماط النوم الشخصية يرتبطان ارتباطاً وثيقاً بالأداء الأكاديمي. ويقدم هذا البحث حلاً عملياً للطلاب لا يتطلب انتظار إصلاحات مؤسسية؛ إذ يكفي أن يتعلم الطالب تحديد الأوقات التي يكون فيها دماغه في أعلى مستويات يقظته، لينظم استذكاره ونومه وفقاً لذلك. فبإمكان الطالب (المسائي) الذي يدرك نمطه الزمني أن يضمن الحصول على قدر كافٍ ومتواصل من النوم قبل امتحانات الصباح الباكر، وتجنب السهر المفرط قبلها مباشرة. كما يُنصح بالحفاظ على انتظام مواعيد النوم والاستيقاظ طوال أيام الأسبوع قدر الإمكان؛ فالساعة البيولوجية تستجيب للثبات والتكرار بشكل أفضل بكثير من محاولات التعويض المتأخرة خلال عطلة نهاية الأسبوع.
أما على مستوى المؤسسة الجامعية، فإن ما توصي به الأبحاث ليس إلغاء المحاضرات الصباحية، وإنما مراجعة توقيت الامتحانات الحاسمة والنهائية تحديداً؛ فثمة فارق جوهري بين المحاضرة التعليمية التي تُعدّ وعاءً للمعرفة، وبين الاختبار الذي يُفترض أن يقيس قدرات الطالب بأمانة ودقة. فالمحاضرة يمكن تنظيمها في أي وقت، أما الاختبار فيستحق تفكيراً أعمق في توقيته. ولا يعني هذا منح امتياز لفئة من الطلاب على حساب أخرى، وإنما هو سعيٌ لضمان أن يُمتحن كل طالب في الوقت الذي يكون فيه عقله في أوضح حالاته وأكملها استعداداً.
عادت يارا إلى بيتها بعد ذلك الامتحان تحمل ورقةً خذلتها؛ فهي لم تكن تدرك أن عقلها كان لا يزال عالقاً في سهر الليل، بينما كانت يدها تحاول الكتابة في الصباح. وحين نتساءل عن سبب إخفاقها، نميل عادةً إلى الإجابة السهلة: (لم تدرس بما يكفي)، لكن السؤال الأصح والأصعب هو: هل منحناها فرصةً عادلة لتُثبت ما تعرفه حقاً؟
العدالة في التعليم لا تعني أن يدرس الجميع في الوقت ذاته، وإنما أن يُقيَّم كل طالب حين يكون دماغه مستعداً لذلك. وقبل أن نحكم على أي طالب بالفشل، نحتاج أولاً إلى بحث علمي رصين يجيب على تساؤل جوهري: هل كان التوقيت في صالحه أم ضده؟
هذا هو السؤال الذي لم نطرحه بعد.
د. مازن العبيدي أستاذ مساعد في جامعة التقنية والعلوم التطبيقية