الدولة وخيار المعرفة
الثلاثاء / 6 / صفر / 1448 هـ - 19:18 - الثلاثاء 21 يوليو 2026 19:18
تستحق الخطوة التي أقدمت عليها وزارة التعليم برفع عدد المقاعد المتاحة أمام خريجي الدبلوم العام لهذا العام 2026 إلى أكثر من 34 ألف مقعد، التقدير الكبير؛ فهي تؤكد أن الدولة ترى في التعليم العالي خيارا رئيسيا وأداة أساسية لبناء الإنسان وإعداد الكفاءات التي تحتاج البلاد في طريق مسيرها نحو المستقبل.
ولا شك أن أي مقعد جديد يضاف من شأنه أن يتيح فرصة جديدة لطالب أنهى مرحلة طويلة من الدراسة وأسرة تنتظر أن ترى ثمرة أعوام من المتابعة والقلق وطموحا شخصيا يبحث عن طريق إلى المستقبل.
كان من الممكن التعامل مع الزيادة الكبيرة في أعداد خريجي دبلوم التعليم العام باعتبارها ضغطا على مؤسسات القبول أو الاكتفاء بالفرص المتاحة وترك الأسر تبحث عن بدائلها الخاصة، لكن رفع عدد المقاعد يعكس استجابة واضحة لحاجة المجتمع ويؤكد أن الدولة ترى في إتاحة التعليم مسؤولية وطنية تتصل بالعدالة الاجتماعية وبقدرة الشباب على المشاركة في التنمية.
لقد كان التعليم منذ بدايات النهضة العُمانية الحديثة في قلب مشروع بناء الدولة. ومن المدارس والجامعات والبعثات خرجت الأجيال التي أقامت المؤسسات وأدارت المستشفيات والمحاكم والموانئ وشبكات الطاقة والطرق، وتولت مسؤولية التعليم والتخطيط والإدارة. وكل مرحلة جديدة تحتاج إلى جيل جديد من الكفاءات، لأن الدول لا تستطيع الاستمرار بما بنته في الماضي وحده، ولا يمكنها مواجهة التحولات الاقتصادية والتقنية بعقول لم تحصل على ما يكفي من المعرفة والتأهيل.
ومن هنا فإن الاستثمار في التعليم العالي يتصل مباشرة بقدرة عُمان على إدارة مستقبلها، فالاقتصاد الذي يتجه نحو التقنية والطاقة المتجددة والصناعات المتقدمة والخدمات اللوجستية يحتاج إلى مهندسين ومبرمجين وباحثين ومتخصصين، والمجتمع الذي يزداد تعقيدا يحتاج إلى أطباء ومعلمين وقانونيين وخبراء في العلوم الاجتماعية والإنسانية. وكلما امتلكت البلاد كفاءاتها الوطنية زادت قدرتها على اتخاذ قراراتها وإدارة قطاعاتها وتطوير مواردها بثقة واستقلال.
ويمثل التعليم العالي أيضا أحد أهم مسارات الحراك الاجتماعي؛ فكثير من أبناء الأسر العُمانية وجدوا عبر الجامعة طريقهم إلى حياة مختلفة وحملوا معهم أسرهم ومجتمعاتهم إلى مستوى جديد من الاستقرار والوعي والمشاركة. والمقعد الذي تتيحه الدولة لطالب قادر قد يغير مسار حياته كلها ويجعل الكفاءة والاجتهاد أساسا للتقدم بصرف النظر عن الوضع المالي للأسرة أو مكان إقامتها.
غير أن التوسع في المقاعد يضع مسؤولية موازية على مؤسسات التعليم العالي، فالمطلوب أن تقود هذه الفرص إلى معرفة حقيقية وكفاءة قابلة للعمل والتطور. ويقتضي ذلك حماية جودة البرامج، وتوفير البيئة الأكاديمية المناسبة، وربط التخصصات بالتحولات التي يشهدها الاقتصاد والمجتمع. ولا ينبغي أن ينحصر النقاش في عدد المقبولين؛ لأن السؤال الأكثر أهمية يتعلق بنوعية الخريج الذي سيغادر الجامعة بعد أعوام وبقدرته على التفكير والعمل وحل المشكلات.
إن رفع عدد المقاعد إلى أكثر من 34 ألفا قرار يستحق التقدير؛ لأنه يبعث برسالة واضحة إلى الشباب بأن مستقبلهم حاضر في أولويات الدولة. وستكتمل قيمة هذا القرار حين تتحول هذه المقاعد إلى كفاءات واثقة وأجيال قادرة على حمل مسؤولية عُمان في العقود المقبلة. فالمستقبل يبدأ من الجامعة ومن كل فرصة تمنح الشاب المعرفة التي يحتاج إليها ليبني نفسه ويشارك في بناء وطنه.