مقاربات عمانية في تنويع الشراكات الاقتصادية وقت الأزمات
الاثنين / 5 / صفر / 1448 هـ - 20:13 - الاثنين 20 يوليو 2026 20:13
تعد الأزمات الدولية والإقليمية اختلالات في النظام الاقتصادي والعالمي في ظل تزايد حدة الصراعات الجيوسياسية وتداعياتها التي أثرت على سلاسل الإمداد، وتذبذب أسعار الطاقة، ولن أبالغ إن وصفتها بأنها العنوان الرئيس للقرن الحادي والعشرين، بل أصبحت ملازمة له، وهنا تأتي الحاجة إلى مقاربات وطنية قادرة على تحويل هذه التحديات والضغوط السياسية والعسكرية على الاقتصاد العالمي إلى فرص حقيقية قادرة على التفاعل مع المتغيرات الجيوسياسية من خلال رؤية استراتيجية توظّف الأدوات والممكنات المتاحة في تعزيز أمن الاقتصاد الوطني عبر أدوات اقتصادية مستدامة.
وتتميز سلطنة عُمان بالحياد الإيجابي الراسخ في مواقفها السياسية الذي يقوم على عدم التدخل في شؤون الغير، وحل النزاعات بالطرق والأدوات السلمية، مما أسهم في قدرتها على بناء الشراكات الاقتصادية وتنويعها مع مختلف بلدان العالم دون استثناء؛ وبالتالي نستطيع القول: إن انفتاح سلطنة عُمان على الوساطات وثقة الأطراف المتنازعة بالوساطة وبالدور العُماني في تقريب وجهات النظر ساعد على تعزيز قنوات التواصل المفتوحة مع الأطراف المتنازعة، لتحوّل لاحقا إلى شراكات اقتصادية متينة تقوم على أساس تعدد الخيارات المتاحة في الظروف الاقتصادية الاستثنائية من خلال الربط بين الجغرافيا والاقتصاد واغتنام الفرص التي تتميز بها سلطنة عُمان نتيجة موقعها الجغرافي وجهودها في الاستفادة من ميزتها النسبية وتطوّر بنى موانئها الأساسية المطلة على البحار المفتوحة مثل موانئ الدقم وصحار وصلالة التي تعد شبكات أمان لا بدائل عن الممرات المائية في المضائق التي تختنق في الصراعات والعمليات العسكرية.
من المقاربات أيضا وقت الأزمات أن حكومة سلطنة عُمان بذلت جهودا كبيرة خلال السنوات الماضية؛ بهدف تنويع الشراكات الاقتصادية مع مختلف الاقتصادية العالمية المتقدمة في ظل اقتصاد عالمي متشابك، وتنويع المسارات والأسواق والتوسع فيها وفقا لاستراتيجية مدروسة لا تعتمد على سوق أو اقتصاد معين في ظل المتغيرات والظروف الاستثنائية التي يشهدها العالم. تعطي هذه المقاربة بعدا سياسيا واقتصاديا يتمثل في المرونة واستثمار الموقع الاستراتيجي لسلطنة عُمان بدلا من الاكتفاء بالاتفاقيات السابقة وصولا إلى اتفاقية الشراكة الاقتصادية الشاملة بين سلطنة عُمان وجمهورية الهند الصديقة.
وبالتالي فإنّ أهمية المقاربة العُمانية في تنويع الشراكات الاقتصادية وقت الأزمات تبرز في الانفتاح المنضبط على الجميع عبر قواعد وطنية واضحة من خلال تنوّع اقتصادي يمكن الاستفادة منه في المشاريع وإبرام الاتفاقيات الاقتصادية؛ كونها قوة ناعمة جيوسياسية.
إنّ الحياد الإيجابي الذي تنتهجه سلطنة عُمان في مواقفها السياسية من الأزمات التي يشهدها العالم بشكل عام ومنطقة الخليج على وجه الخصوص منذ أشهر يجعل من المقاربة العُمانية في تنويع الشراكات الاقتصادية وقت الأزمات نموذجا فاعلا نحو مستقبل اقتصادي أكثر إشراقا واستقرارا، ويعبّر عن فلسفة الدولة في التعامل مع المتغيرات الجيوسياسية وانفتاحا متساويا مع الجميع، وهو في الحقيقة يعدُّ مبدأ اقتصاديا قائما على تأمين الاقتصاد والتنبؤ بالمخاطر المستقبلية المحتملة.
وبالتالي فإن النموذج العماني في تنويع الشراكات الاقتصادية وقت الأزمات يعدُّ ناجحا؛ كونه يجمع بين تعزيز الأمن والاستقرار السياسي والانفتاح الاقتصادي على الأسواق العالمية، ويؤكد صلابته في ظل الأزمات المتتالية الكبرى التي تعرض لها العالم خلال السنوات الخمس الماضية بدءًا من أزمة جائحة كوفيد-19 في عام 2020، وأزمة سلاسل الإمداد، وتقلبات أسعار الطاقة الناتجة عن الصراعات الإقليمية وحالة عدم الاستقرار في المنطقة منذ مطلع العام الجاري.
لقد نجحت المقاربات العُمانية في تنويع الشراكات الاقتصادية وقت الأزمات من خلال عدة عوامل أبرزها الانفتاح المنضبط والمتزن على مجالات الاقتصاد والسياسة دون أن يتأثر أحدهما بالآخر، وهو ما أسهم في زيادة الثقة التي حظيت بها من الاقتصادات الكبرى؛ وبالتالي حققت ارتفاعا في الاستثمار الأجنبي المباشر الذي تجاوز 32 مليار ريال عُماني وفقا لآخر إحصائية صادرة عن المركز الوطني للإحصاء والمعلومات.
ومن تلك العوامل أيضًا توسّع الاقتصاد العُماني في شراكاته الاقتصادية مع استمرار الأزمات السياسية والاقتصادية وتقلبات أسعار الطاقة من خلال الاشتغال على المشاريع الاستراتيجية للهيدروجين الأخضر التي تُعد ميزة نسبية واقتصادية لسلطنة عُمان في ظل حالة عدم الاستقرار الإقليمي، ونقص إمدادات الطاقة إلى الأسواق العالمية. والأهم من ذلك أن سلطنة عُمان تحظى بسردية حول العالم مرتبطة بالوساطة والاستقرار لجهودها الكبيرة في إحلال الأمن والسلم الدوليين، وارتباط هذه السردية بمفاهيم الاستقرار والحياد والموقع الاستراتيجي، مما سهّل جلب الاستثمارات الأجنبية وثقة المستثمرين والاقتصادات الكبرى بمستقبل الاقتصاد العُماني؛ خاصة مع تحقيقه مؤشرات مطمئنة وإيجابية في التصنيف الائتماني وتقليص الدين العام. وبالتالي هذه السردية عن سلطنة عُمان تمثل رأس مال ساعد على تنويع الشركاء الاقتصاديين مدعوما ببنية أساسية اقتصادية متطورة في ظل النهج العُماني بالحياد الفاعل في مختلف القضايا والصراعات حول العالم.
راشد بن عبدالله الشيذاني باحث ومحلل اقتصادي