أفكار وآراء

الذكاء الاصطناعي وكتابة التاريخ

من بين المواد التي درستها في كلية الإعلام لم يكن هناك ما استهواني أكثر من تاريخ الصحافة. صحيح أننا درسنا التاريخ الحديث والمعاصر، لكن تاريخ الصحافة كان بالنسبة إليّ أكثر من مادة دراسية؛ فقد فتح لي بابًا لفهم الطريقة التي تُكتب بها ذاكرة المجتمعات.

ربما يعود الفضل في ذلك إلى أساتذتي الذين تتلمذت على أيديهم، وكان معظمهم من رواد تاريخ الصحافة في مصر، مثل إبراهيم عبده، وخليل صابات، وسامي عزيز، وعواطف عبد الرحمن، وفاروق أبو زيد.

لم يكونوا يعلموننا متى وقعت الأحداث فقط، بل كيف تحفظها الصحف، وكيف يمكن لخبر صغير أو افتتاحية منسية أن تصبح بعد سنوات مفتاحًا لفهم مرحلة كاملة.

وعندما بدأت إعداد رسالتي للماجستير اخترت سؤالًا بدا في ذلك الوقت غير مألوف: هل يمكن أن تكون الصحيفة وثيقة تاريخية؟ وقد بدا هذا السؤال مهمًا بالنسبة إليّ، خصوصًا في تاريخنا الحديث والمعاصر حيث تغيب كثير من الوثائق الرسمية، أو تظل بعيدة عن الباحثين بينما تضيع الوثائق الشخصية أو لا تُكتب أصلًا.

ومن خلال الصحف استطعت إعادة بناء وقائع حدثين مهمين في التاريخ المصري، هما: الكفاح المسلح ضد الاحتلال البريطاني في منطقة قناة السويس عام 1951، وحريق القاهرة في 26 يناير 1952. ثم واصلت هذا الاهتمام في رسالة الدكتوراه التي خصصتها لتأريخ صحافة المعارضة في مصر.

عندما أعددت رسالتي للماجستير ثم أطروحتي للدكتوراه كان التراث الصحفي لا يزال حبيس الورق. كانت أعداد الصحف القديمة محفوظة في مجلدات ضخمة بدار الكتب المصرية، أقضي بينها شهورًا، أقلب صفحاتها المتربة بحثًا عن خبر أو مقال أو حتى إعلان قد يضيف تفصيلا جديدًا إلى الرواية التاريخية.

لم تكن هناك حواسيب شخصية، ولا شبكة إنترنت، ولا محركات بحث. كان الباحث يبحث عن المعلومة، ويعثر عليها، ويقرأها، ثم يقارنها بعشرات المعلومات الأخرى قبل أن يجرؤ على كتابة استنتاج واحد. ولم يكن هذا يختلف كثيرًا عن عمل المؤرخين عمومًا. فالتاريخ لم يكن يُكتب إلا بعد رحلة طويلة من جمع الوثائق، وفحصها، ومقارنتها، وتحليلها، واختبار صدقيتها. أما اليوم فقد تغير المشهد كله، وأصبح بالإمكان الحصول على رواية متكاملة لأي حدث تاريخي في ثوانٍ معدودة بمجرد توجيه سؤال إلى أحد تطبيقات الذكاء الاصطناعي.

لهذا كله ظل سؤال كتابة التاريخ يرافقني طوال حياتي الأكاديمية، لكنني لم أتخيل يومًا أن أصل إلى زمن يطرح سؤالًا مختلفًا تمامًا: ماذا يحدث إذا أصبح الذكاء الاصطناعي هو المؤرخ الذي يعود إليه الناس لمعرفة الماضي؟ وهل يمكن الوثوق بالرواية التي يقدمها؟ وهل أصبح المؤرخ البشري الذي يقضي سنوات في فحص الوثائق وتحليلها وتفسيرها أقل أهمية في عصر يستطيع فيه نموذج ذكي أن يكتب تاريخ قرن كامل خلال ثوانٍ؟

لقرون طويلة لم تكن كتابة التاريخ عملية ميكانيكية تقوم على جمع الوقائع وترتيبها زمنيًا، كما قد يتصور البعض. فالمؤرخ الحقيقي يبدأ من الوثيقة قبل أن يصل إلى الحدث؛ يبحث عنها، ويتحقق من صحتها، ويقارنها بغيرها، ويختبر صدقيتها، ويحاول أن يفهم الظروف التي كُتبت فيها، وما الذي قالته، وما الذي أغفلته أيضًا. ثم يضع كل ذلك في سياقه السياسي والاجتماعي والثقافي قبل أن يصل إلى تفسيره. ولهذا لم يعرف التاريخ يومًا رواية واحدة أو مدرسة تاريخية واحدة، بل تعددت مناهجه واختلفت قراءاته؛ لأن المؤرخ يجمع الأدلة ويعيد تركيبها في سياق يمنحها معناها.

ولم يكن اختلاف المؤرخين يعني أن أحدهم يملك الحقيقة المطلقة، وكان كل مؤرخ يقدم أفضل تفسير يمكن الوصول إليه في ضوء الوثائق المتاحة ومنهجه في قراءتها.

تغير المشهد بصورة جذرية خلال سنوات قليلة؛ ففي الماضي كان الباحث هو الذي يذهب إلى الوثيقة، أما اليوم فأصبحت الوثيقة، أو بالأحرى خلاصتها، تأتي إليه. يكفي أن يكتب سؤالًا في أحد تطبيقات الذكاء الاصطناعي، ليحصل خلال ثوانٍ على إجابة متماسكة، تبدو وكأنها خلاصة كل ما كُتب عن ذلك الحدث عبر عشرات السنين. لم يعد كثير من الناس يشعرون بالحاجة إلى الرجوع إلى الكتب، أو الأرشيفات، أو حتى المصادر الأصلية؛ لأن الوسيط الرقمي يقدم لهم الرواية جاهزة. وهنا يكمن التحول الحقيقي. فالذكاء الاصطناعي لا يحل محل المؤرخ بالمعنى التقليدي، لكنه أصبح وسيطًا جديدًا بين الإنسان والتاريخ. وأصبحت علاقتنا بالوثيقة تمر عبره؛ يعيد قراءتها وصياغتها قبل أن تصل إلينا.

هنا تظهر القضية الأكثر أهمية. ليست المشكلة أن الذكاء الاصطناعي قد يخطئ؛ فالمؤرخون أنفسهم اختلفوا عبر العصور في تفسير الأحداث، ولم يدّع أحد منهم امتلاك الحقيقة المطلقة، والاختلاف بينهم كان يعني وجود قراءات متعددة يستطيع القارئ أن يقارن بينها، وأن يناقشها، وأن يختار ما يراه أكثر إقناعًا. أما إذا أصبح ملايين البشر يحصلون على الرواية الأولى من الوسيط الرقمي نفسه، وبالصياغة نفسها، فإن الذاكرة الجماعية قد تتشكل بطريقة مختلفة. ففي الماضي كانت هذه الذاكرة تُبنى من كتب متعددة، وصحف متعددة، ومدارس تاريخية متعددة، أما اليوم فقد تتشكل من إجابة واحدة يولدها نموذج واحد. وهنا لا تنتقل سلطة كتابة التاريخ إلى الذكاء الاصطناعي بقدر ما تنتقل إليه سلطة اختيار الرواية التي يقرؤها الناس أولًا، والتي كثيرًا ما تكون الأكثر رسوخًا في الذاكرة.

هل يعني ذلك أن دور المؤرخ البشري قد انتهى؟ أعتقد أن الإجابة هي العكس تمامًا. فكلما ازدادت قدرة الذكاء الاصطناعي على جمع المعلومات وتلخيصها ازدادت الحاجة إلى المؤرخ القادر على مساءلة هذه المعلومات وفحصها. يستطيع الذكاء الاصطناعي أن يجمع آلاف الصفحات في ثوانٍ، لكنه لا يستطيع من تلقاء نفسه أن يعرف لماذا كُتبت وثيقة معينة، ومن كتبها، وفي أي سياق، وما الذي أغفلته عمدًا أو سهوًا، وما الذي لم يُوثق أصلًا. فالتاريخ يُبنى من الوثائق التي بقيت، وتلك التي فُقدت، ومن الأصوات التي لم تُتح لها فرصة الكتابة، ومن الأسئلة التي لم تجد من يطرحها في زمانها. وهذه كلها أمور لا يستطيع اكتشافها إلا عقل بشري يمتلك الحس النقدي والخبرة والمنهج.

ربما يكون الخطأ الأكبر أن ننشغل بالسؤال: هل يستطيع الذكاء الاصطناعي أن يكتب التاريخ؟ فهذا ليس هو السؤال الحقيقي. فالذكاء الاصطناعي لا يكتب التاريخ من فراغ، ولا يصنع الوثائق، ولا يعيش الأحداث، وإنما يعيد تنظيم ما أتيح له من معرفة ويقدمه في صورة رواية متماسكة. التحول الحقيقي يكمن في أنه أصبح النافذة التي ينظر من خلالها ملايين البشر إلى الماضي بعد أن أصبح يتحكم بدرجة كبيرة في الرواية الأولى التي تصل إلى الجمهور وتستقر في ذاكرته.

قبل عقود كان السؤال من يكتب التاريخ؟ ثم أصبح من يملك الوثائق؟ واليوم يفرض سؤال جديد نفسه، من يملك الوسيط الذي يروي التاريخ لمليارات البشر؟ ربما يكمن التأثير الأعمق للذكاء الاصطناعي في قدرته على تحديد أي تاريخ نقرأ، وأي رواية نصدق، وأي ذاكرة جماعية تتشكل لدى الأجيال القادمة. فالتاريخ قد يزيف ويشوه، وقد يكون مضللًا عندما تنحصر معرفة الناس به في رواية واحدة.

أ. د. حسني محمد نصر أكاديمي فـي قسم الإعلام  بجامعة السلطان قابوس