العرب والعالم

لبنان.. ساعات مفصلية على طريق "المناطق التجريبية" المتعثرة جنوباً

 

بيروت- وفاء عواد


حاملاً في جعبته قضية الـ650 كيلومتراً محتلّة، بـ'منطقة صفراء' حوّلت إسرائيل قراها وأراضيها وبنيانها الى رماد، وحقولها وشجرها الى منطقة جرداء صارت الحياة فيها أثراً بعد عين، عدا عن واقع عدّاد لا زال يحصي آلاف الشهداء والجرحى ومئات آلاف النازحين من ديارهم، إستهلّ رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون لقاءاته الرسمية في واشنطن باجتماع مع وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، أمس، على أن يستقبله الرئيس الأميركي دونالد ترامب قبل ظهر الغد (الثلاثاء) في البيت الأبيض، متوّجـاً زيارة رسمية هي الأولى لرئيس لبناني منذ العام 2009.
وإذْ جدّد روبيو التزام بلاده بدعم التنفيذ الناجح لـ'اتفاق الإطار'، الذي تمّ توقيعه بين لبنان وإسرائيل في 26 يونيو الفائت، برعاية أميركية، فإن أحداث الساعات الماضية لم تقتصر على ما تقدّم. ذلك أن إسرائيل تصرّ على فرض شروطها في الميدان، وقد ردّت على اجتماع الخارجية الأميركية بنسف وتجريف ما تبقّى من عمران على امتداد القرى المحتلّة جنوباً. أمّا الموقف الرسمي، فيواجه إمتحاناً مصيريّاً لتفادي 'الألغام' التي ترافق تنفيذ الإتفاق الإطاري.
وفي ظلّ سِباق مفتوح بين مساريْن متناقضين: مسار لبناني يريد تحويل الإتفاق الإطاري إلى مدخل لاستعادة السيادة، ومسار إسرائيلي يسعى إلى تحويله إلى أداة لإدارة الإحتلال وتثبيت شروطه، وسط تباين واضح بين الروايتيْن اللبنانية والإسرائيلية بشأن بدء تنفيذ المرحلة الأولى منه، تتّجه الأنظار الى البيت الأبيض، غدًا، حيث يدخل الرئيس عون بمحاولة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، محمّلًا بملفات تتداخل فيها السيادة بالدور العسكري للجيش، والإنسحاب الإسرائيلي بمستقبل 'اليونيفيل'، وحدود الإنتشار اللبناني بشروط المجتمع الدولي ونظرته إلى سلاح 'حزب الله'.
وعليه، فإن ثمّة توقعات تشير الى أن القمّة الأميركية- اللبنانية قد تشكّل غطاءً سياسياً للإعلان عن إطلاق العمل بـ'المناطق التجريبيّة' قبل نهاية الشهر الجاري. أمّا نجاح الزيارة، بحسب إجماع مصادر سياسية متابعة، فيُقاس عملياً بقدرة واشنطن على كبح جماح إسرائيل، وإلزامها بجدول زمني حقيقي للإنسحاب. وبخلاف ذلك، فالإتفاق الإطاري قد يتحوّل إلى مأزق لبناني بكل معنى الكلمة.
قمّة مفصليّة
وفي انتظار صدور موقف صريح من الراعي الأميركي لـ'إتفاق الإطار' بين لبنان وإسرائيل، بوقف الإعتداءات الإسرائيلية وإلزام تلّ أبيب بالإنسحاب الكامل من جنوب لبنان، كمدخل لأيّ مسار سياسي أو أمني لاحق، فإنّ ثمّة من يعتبر أن زيارة عون لواشنطن، بتوقيتها الحسّاس والضاغط، هي بمثابة اختبار لـ'النوايا' الأميركية، عدا عن كونها مفصلاً للإنطلاق بـ'المناطق التجريبيّة'، كبادرة وكقيمة مضافة للرئاسة الأولى.
وفي السياق، أشار مصدر رسمي لـ'عُمان' الى أن الجانب الأميركي ملتزم بالضغط على إسرائيل للتوصّل الى نتيجة عملية لجولة روما التفاوضية، والتي من المتوقع أن تُستكمل بجزء ثانٍ خلال شهر أغسطس المقبل، اذا ما استمرّ الإيقاع التنفيذي على مساره المرسوم في 'روما الأولى'. أما الرئيس عون، بحسب المصدر نفسه، فسيحاول تثبيت معادلة واضحة، مفادها أن أيّ مسار سياسي أو أمني لا يمكن أن يبدأ قبل الإنسحاب الإسرائيلي الكامل، ووقف الإعتداءات، وإعادة الأسرى، ورفع القيود المفروضة على حركة الجيش والسكّان في القرى الحدودية.
وعلى المقلب الآخر من الصورة كلامٌ عن أن الإدارة الأميركية لا تبدو منشغلة بإدارة الأزمات، وفق المنظور الدبلوماسي الكلاسيكي، بقدر ما تبدو منهمكة في 'هندسة الصفقات'. وقد تردّدت معلومات مفادها أن واشنطن تريد أن تبحث في مشروع متكامل مع لبنان، أي أن لقاء الرئيسيْن يتجاوز قضية الإنسحاب الإسرائيلي ودعم الجيش وإعادة الإعمار، ليصل الى محاولة لإعادة تعريف موقع لبنان داخل التسوية الإقليمية المقبلة، ومنع إسرائيل من تحويل انتشار الجيش اللبناني في الجنوب إلى غطاء سياسي لانسحابات وهمية من مناطق لا تحتلّها أصلاً.
'مطبّات'
ومن بوّابة هذه المقاربة، أشار الخبير العسكري والإستراتيجي العميد المتقاعد هشام جابر الى وجود 'إلتباسات ومطبّات' وشروط إسرائيلية تحيط بأوائل مضامين 'الإتفاق الإطاري'، ومحورها 'المناطق التجريبيّة'. وهذه 'الشوائب'، بحسب قول جابر لـ'عُمان'، كانت كفيلة بتطيير الإجتماع الثلاثي الإفتراضي، عبر تقنية 'الزوم'، بين وفدين عسكريين، إسرائيلي ولبناني، برعاية الأميركي، لتحديد آليات تلمّس المناطق التجريبية. والإجتماع لم يلتئم يوم الجمعة الفائت، وفق ما كان مقرّراً، وأُرجئ تقنياً الى الأسبوع الأخير من الشهر الجاري، ريثما يصل قائد القيادة المركزية الأميركية الإدميرال براد كوبر إلى لبنان، في مهمة تتصل خصوصاً بـ'المناطق التجريبيّة'. وذلك، تحت ذريعة 'إستكمال تحضير الملفّات التقنية والخطط التطبيقية والإجراءات التنفيذية المتعلّقة بالمناطق التجريبية'. أمّا الجيش اللبناني، فـاستبق الأمر، ونفّذ 'مناورة ذكية'، من خلال خطّة انتشار في بلدات قد تشملها التجربة الأولى، مثل 'فرون' و'الغندورية' و'برج قلاويه' و'صريفا'، وهي بلدات غير محتلّة. فـ'الجيش لم يتسلّم مواقع جديدة من إسرائيل، ولم يدخل مناطق كانت خاضعة لسيطرتها المباشرة، بل عزّز حضوره في مناطق لبنانيّة غير محتلّة'. هذا ما يؤكده أكثر من مصدر عسكري وأمني.
وفيما نُقل عن مصادر لبنانية أن تلّ أبيب أبدت امتعاضاً من خطوة الجيش اللبناني، ومضت قوّاتها في اعتداءاتها، نسفاً وتفجيراً لمنازل ومؤسّسات في بلدات محتلّة، وقصفاً وتمشيطاً في بلدات غير محتلّة، تجدر الإشارة الى أن إسرائيل ترفض الإنسحاب من بلدة زوطر الشرقية، لأنها تعتبرها طريق الإمداد الأساسي لقوّاتها العسكرية الموجودة في 'أرنون' و'يحمر'، وطريق الإمداد باتجاه تلّة علي الطاهر.
.. ومساران
وما بين المشهدين، حيث 'لا شيء يتحرّك في الجنوب اللبناني إلا الأسئلة'، بحسب تعبير الكاتب السياسي سركيس أبو زيد، فإن في القراءات المتعدّدة إجماعاً على أن مسارين يتنافسان على مستقبل لبنان، في ضوء القمّة الأميركية- اللبنانية المرتقبة غدًا في البيت الأبيض: الأوّل متداعٍ مع تداعيات مضيق هرمز، الذي لم يعد مجرّد ممرّ بحري، بل بات 'البوصلة' التي ترسم الخطّ البياني لحركة الملاحة ولإيقاع المواجهات على امتداد الجبهات المفتوحة.
أمّا المسار الثاني، فمتعثر عند القراءة الإسرائيلية الأحاديّة لصيغة الإطار، وآخر مؤشر إليها، تأجيل الإجتماع التنفيذي الأول، المنبثق عن مفاوضات روما، الذي كان يُفترض أن يخوض في الإنسحاب من 'المناطق التجريبية'. علماً أن التسريبات الإعلامية الإسرائيلية ربطت تأجيل الإجتماع بشروط تلّ أبيب المتشدّدة، لتطبيق بند الإنسحاب من المنطقتين التجريبيتين في 'إتفاق الإطار'، وتحديداً بخصوص الجهة 'الدولية' التي ستراقب كيفية تسلّم الجيش اللبناني المنطقة بعد الإنسحاب الإسرائيلي منها، ونزعه سلاح 'حزب الله'.
وما بين المساريْن، فإن ثمّة من يرى أنه كلما تعقّدت على خطّ واشنطن- طهران، تتعثر على خطّ بيروت- تلّ أبيب، والعكس صحيح. وبين الخطّيْن، إنتظار لحصيلة لقاءات واشنطن. ذلك أن الأخيرة تراهن على إطلاق العمل بما يُسمّى 'المناطق التجريبيّة'، بوصفها نموذجاً قابلاً للتوسّع لاحقاً. لكنّ الخلاف الحقيقي لا يتعلّق بمبدأ التجربة، بل بالمكان الذي تبدأ منه وبالشروط التي تحكمها. فالقيادة العسكريّة اللبنانيّة ترى أنّ الإنطلاق يجب أن يكون من مناطق خاضعة للإحتلال الفعلي، بحيث يسبق الإنسحاب الإسرائيلي دخول الجيش، لا أن يُطلب من الجيش الإنتشار في قرى محرّرة أصلاً. أمّا الوفد اللبناني، بحسب تأكيد مصادره لــ'عُمان'، فجاهزٌ للمشاركة في أيّ وقت كان، وقد أعدّ العدّة اللازمة لدعم الموقف وتحديد الشروط اللبنانية.
وما بين المساريْن أيضاً، لم يعد مصير 'المناطق التجريبيّة' تفصيلاً تقنياً في مسار تنفيذ التفاهمات بين لبنان وإسرائيل، ولا مجرد إختبار محدود لانتشار الجيش اللبناني في عدد من القرى والبلدات الجنوبية. فالمعلومات المتقاطعة من مصادر عسكرية وأخرى مطلعة على مسار الإتصالات الجارية ترسم صورة أكثر تعقيداً، مفادها أن إسرائيل لا تستعجل الإنسحاب، والجيش اللبناني جاهز للتحرك متى بدأت الخطوة الإسرائيلية، فيما تبقى حسابات 'حزب الله' أكثر حساسية عندما ينتقل البحث من جنوب الليطاني إلى شماله، لأنّ نجاح التجربة شمال النهر لا يعود مجرد خطوة جغرافية، بل هو بداية مسار على طريق إنهاء السلاح، الأمر الذي لا يريده 'حزب الله'.
وفي المحصلة، يبدو أن مشروع 'المناطق التجريبية' دخل مرحلة أكثر تعقيداً، بفعل الخلاف على الخرائط وآلية التنفيذ ودور الجيش اللبناني، بحيث بات النقاش يدور حول ما يُطلب من لبنان تنفيذه، أكثر مما يدور حول ما ترفض إسرائيل تنفيذه. ومن هنا، تبدو قمّة ترامب- عون، وفق القراءات، محاولة أخيرة لانتزاع ضمانات أميركية، تفرض إنسحاباً إسرائيلياً فعلياً، قبل أن تتحوّل الوقائع التي ترسمها الجرّافات والمتفجّرات إلى حدود سياسية جديدة يصعب تغييرها. وعندها، لا يعود الخطر محصوراً بتعثر 'المناطق التجريبيّة'، بل قد يمتدّ إلى 'الإتفاق الإطاري' برمّته!