العرب والعالم

قناصة الإحتلال يعبثون بأرواح الأبرياء في غزة

 

غزة- «عُمان»- بهاء طباسي:


في ظهيرة الثامن من يوليو 2026، خرج الطفل جاد سلمان من مدرسة الحي في مخيم جباليا شمالي قطاع غزة، بعد أن أتمّ يومه الدراسي كأي طفل آخر في العالم. كان يحمل حقيبته المدرسية على ظهره ويسير متوجهاً إلى منزله؛ وهو عبارة عن خيمة واهية تؤويه وعائلته بعد أن هُجّروا من ديارهم.
لم يكد جاد يصل إلى قارعة الطريق في المخيم، حتى باغتت طائرة مسيرة إسرائيلية مجموعة من المواطنين كانت تجتمع في المكان بقصف مباشر، لتشتعل النيران فيه وفي كل شيء من حوله.
عندما هرع والد الطفل، يوسف سلمان، إلى مكان الحادث مستطلعاً الفاجعة، وجد ابنه جاد مسجى على الأرض وقد فارق الحياة وسط الركام. كان الصغير لا يزال يرتدي ملابسه المدرسية، وعلى ظهره تلك الحقيبة التي رافقته في تفاصيل يومه الدراسي. التقط يوسف الحقيبة المثقوبة من على الأرض، فلفت انتباهه آثار دماء ابنه الذكية التي سالت عليها، مما فجّر في صدره صرخة ألم أصبحت عنواناً للمأساة: «ما خطأ ابني؟ كان يخرج من مدرسته عندما قتلوه... هذه حقيبته وعليها دماؤه».
أكد الأب المكلوم يوسف خلال حديثه لـ«عُمان» أن طفله جاد، الذي لم يتجاوز الثامنة من عمره، لم يكن يحمل سلاحاً، ولم يكن له أي صلة بنشاط سياسي أو عسكري. كان مجرد تلميذ في الصف الثاني الابتدائي، يتلخص حلمه في العودة الآمنة من مدرسته إلى حضن عائلته. لكن في غزة، وبمحاذاة ما يُعرف بـ«الخط الأصفر»، تحول عبور الشوارع المؤدية إلى المدارس إلى خطوة نحو الموت؛ حيث قضى جاد في غارة استهدفت مدنيين عزلًا، في خرق واضح لاتفاق الهدنة، الذي وقعت عليه حكومة الاحتلال في أكتوبر الماضي.
تكتيكات الموت والرافعات المستحدثة
لم تُفلح تفاهمات وقف إطلاق النار في كبح جماح الآلة العسكرية الإسرائيلية، التي واصلت استباحة دماء المدنيين وحصد أرواحهم. فوفقاً لأحدث البيانات الرسمية الصادرة عن حكومة غزة حتى تاريخ 18 يوليو 2026، ارتقى 1.162 شهيداً وأصيب 3.700 آخرون بجروح متفاوتة، في وقت تمكنت فيه طواقم الإنقاذ من انتشال جثامين 850 شهيداً من تحت الركام منذ بدء التهدئة الهشة. بهذه الدماء الجديدة، ارتفعت الحصيلة التراكمية الإجمالية للعدوان منذ السابع من أكتوبر 2023 إلى 73.150 شهيداً و173,500 مصاباً. وتعكس هذه الأرقام الصادمة الحجم الهائل للخروقات الإسرائيلية التي وصلت إلى 3689 خرق مباشر لبنود الاتفاق، وتنوعت بين القصف المدفعي، والغارات الجوية بالمسيرات، وتجريف الأراضي، ونسف المربعات السكنية، وسط عجز مستمر لطواقم الدفاع المدني عن انتشال مئات المفقودين من تحت الركام وفي الطرقات نتيجة الاستهداف الإسرائيلي المباشر لكل من يتحرك في تلك المناطق.
وفي إعادة لتعريف تكتيكات القتل الميداني، استحدث جيش الاحتلال أسلوباً برياً خطيراً تمثل في استخدام الرافعات والآليات الميكانيكية الضخمة المزودة بأبراج مراقبة، ورشاشات ثقيلة، وكاميرات قنص متطورة، في استهداف المواطنين الفلسطينيين العُزل.
تتوغل هذه الرافعات العملاقة بالقرب من المناطق السكنية، لتكشف من خلف السواتر الترابية منازل المواطنين وخيام النازحين واهية الجدران، ثم تشرع بإطلاق النار المباشر والقذائف نحو العائلات النائمة والآمنة، ما حولها إلى كابوس يومي يلاحق النازحين في مراكز الإيواء والمناطق المكتظة.
شوارع غزة تحت مجهر القنص
هذا «الإجرام الإسرائيلي» أكده المصور والناشط مهند قشطة، الذي وثق العديد من تلك الحوادث، حيث وجّه رسالة تحذير لأهالي غزة عبر «عُمان»، قال فيها: «الإخوة الأحباب، للعلم فقط فإن الشوارع الرئيسية مكشوفة لرصاص الرافعات والكواد كابتر؛ وأرجو منكم أن تتجنبوا قدر الإمكان شوارع (عمر المختار، الوحدة، الثورة، خليل الوزير)، فهي مكشوفة جداً لرصاص القتل».
ويوضح الخيارات الضيقة المتاحة أمام السكان: «تجنبها يعني إن كانت هناك شوارع بديلة، أما إن لم تكن فلا حول ولا قوة إلا بالله». وينبه قشطة إلى خطورة الجغرافيا المرتفعة والمنازل الكاشفة للمواقع المستحدثة بقوله: «أما شارع اليرموك والبيوت المحيطة به تقع بمواجهة مباشرة مع جميع المواقع المستحدثة نظراً لارتفاعه».
ويستكمل الناشط الميداني توجيهاته الصارمة لأصحاب تلك المنازل: «أصحاب البيوت الكاشفة للمناطق الشرقية والمواقع المستحدثة: تجنبوا الغرف الشرقية والشبابيك الشرقية ليلاً ونهاراً ولا تستخدموها إلا للضرورة القصوى».
ويختتم قشطة شهادته ومناشدته لأهالي القطاع بالدعوة إلى اتخاذ أعلى درجات الحيطة لحقن الدماء: «ما سبق ذكره يعد من الأخذ بالأسباب والتي أدعوكم جميعاً للالتزام بها لأن أرواحكم غالية ولتفويت الفرصة على الاحتلال بقتل أكبر عدد منّا».
قواعد اشتباك فضفاضة خلف «الخط الأصفر»
ولم تقتصر الانتهاكات الإسرائيلية على عمق المدن، بل اتخذت من حدود «الخط الأصفر» ــ وهو خط الانسحاب الجزئي الذي حددته المرحلة الأولى من الاتفاق ــ مسرحاً لإعدامات ميدانية منظمة؛ إذ يتعمد الاحتلال استهداف وتصفية أي فلسطيني يتحرك شرق هذا الخط أو خارجه.
ويبرر جيش الاحتلال عمليات القتل المباشر والاعتقال بذريعة واهية تدعي انتماء الضحايا لفصائل المقاومة أو محاولتهم اختراق خط التماس، في حين تُشير التقارير الميدانية إلى أن الاحتلال يمارس عملية إزاحة مستمرة وتوسيعاً جغرافياً لمعالم هذا الخط لقضم المزيد من أراضي القطاع ومنع السكان من العودة إلى بلداتهم وقراهم.
وفي هذا السياق، كشفت شهادات لجنود إسرائيليين عن واقع ميداني مغاير تماماً للرواية الرسمية، ويؤكد الاستهداف المتعمد للمدنيين الفلسطينيين قرب «الخط الأصفر» الفاصل بين مناطق السيطرة الإسرائيلية والفلسطينية. ووفق تحقيق موسع نشرته وكالة «أسوشيتد برس»، أفاد ثلاثة جنود احتياط خدموا في قطاع غزة بأن التعليمات الميدانية الصادرة لهم كانت تقضي بإطلاق النار على أي شخص يقترب من المنطقة العازلة، في ظل قواعد اشتباك وصفوها بأنها «فضفاضة» وتسمح باستخدام القوة المميتة بصورة واسعة.
وأكد الجنود في إفاداتهم أن أوامر القادة ركزت بشكل صارم على «الحفاظ على الخط بأي ثمن»، فيما أشارت إفادات أخرى جمعتها منظمة «كسر الصمت» الإسرائيلية إلى أن المدنيين الفلسطينيين يتعرضون للاستهداف بمجرد عبورهم لـ«خطوط غير مرئية» لا تحمل أي علامات واضحة على الأرض. كما كشفت الشهادات عن اعتماد بعض الوحدات العسكرية على التقديرات الميدانية والحدس الشخصي في طلب القصف المدفعي أو الجوي، ما أدى إلى سقوط ضحايا دون التثبت من هوياتهم، وسط ما وصفه أحد الجنود بـ«غياب قيمة الحياة الإنسانية» في التعامل مع السكان المدنيين.
وتتعارض هذه الإفادات كلياً مع الرواية الإسرائيلية الرسمية التي تزعم أن استهداف المدنيين لا يتم إلا في حالات التهديد المباشر، إذ وثقت «أسوشيتد برس» حوادث إطلاق نار موثقة طالت مدنيين وأطفالاً بالقرب من تلك المنطقة العازلة.
تسالٍ بأرواح الأبرياء
هذا المنظور الميداني القائم على القتل العشوائي يحلله المستشار القانوني والناشط المجتمعي محمد المصري، مؤكدًا وقوع فظائع إنسانية تخلو من أي مبرر ميداني. يقول لـ«عُمان»: «تطور خطير يقبل عليه الاحتلال؛ إصابات وقتل أشخاص وسط مدينة غزة سواء من الرافعات أو الطيران الخفي كالكواد كابتر وغيرها.. ليس الهدف أشخاصاً معينين ومقاومين، بل يجري بشكل عشوائي لأناس أبرياء وكأنهم يصطادون البط البري، أو كأن الجنود يتراهنون فيما بينهم من يصيب الأهداف أولاً».
ويقدم المصري أدلة ميدانية ملموسة على هذا النمط من الاستهداف الممنهج الذي يطال المواطنين العزل الذين لا تربطهم أي أنشطة عسكرية، موثقاً الحالات بالأسماء والوقائع: «رصدت استشهد محمد رمزي أبو حصيرة وإصابة آخرون مقابل مركز القطان بشارع الوحدة، وأيضاً أصيب رجل من عائلة المصري كان يجلس على كافيه بشارع الثورة وسط مدينة غزة.. جميعهم لا تربطهم أي أعمال عسكرية أو مقاومة».
ويختتم المستشار القانوني محمد المصري شهادته بصرخة قانونية وإعلامية لوقف هذه الممارسات، واصفاً الدوافع الحقيقية الكامنة وراء سلوك جنود الاحتلال في الميدان: «الأمور خطيرة جداً وتحتاج إلى تصعيد إعلامي لوقف هذا الإجرام الذي لا يحمل حتى أسباب الجيش الإسرائيلي بتعرضهم لأي خطر؛ وأرجح أن ذلك يجري على سبيل التسالي بأرواح الأبرياء».