سياحة المهرجانات.. «الجبل الأخضر 2026»
السبت / 3 / صفر / 1448 هـ - 21:09 - السبت 18 يوليو 2026 21:09
تشكِّل المهرجانات بأنواعها المختلفة أهمية استراتيجية من حيث قدرتها على دعم الرؤى الوطنية، وتحقيق مجموعة من الأهداف الاقتصادية والسياحية والاجتماعية والثقافية؛ حيث تُسهم سياحة المهرجانات في التسويق السياحي واستقطاب الزوار من ناحية، وتنمية المجتمع المحلي من ناحية أخرى، ولذلك فإنها تُعد داعما رئيسا لتنشيط الحِراك الاجتماعي والثقافي من خلال تقديم المنتجات المختلفة وتطويرها بما يتناسب مع الأولويات وحاجات الجمهور.
إن سياحة المهرجانات تُسهم في تنشيط العديد من المجالات؛ خاصة الصناعات الإبداعية التي تعبِّر عن ثقافة المجتمع وتجسِّد آفاقه المستقبلية وإمكاناته التقنية والابتكارية، كما إنها تشجِّع السياحة بأنواعها وأشكالها المختلفة، ذلك لأن (كل السياحة ثقافية الخبرة) – كما يقول ماك ماكانيل –؛ ولهذا فإن المهرجانات باعتبارها قائمة على الفعاليات الثقافية والرياضية، فإنها توفِّر إمكانات واسعة للزائر لإشباع رغبته في التعرُّف على المجتمع وحضارته كما تقدِّم له تنويعا من العلاقات التي تربط بين المعرفة والعلم والإمتاع.
تحرص المهرجانات عموما على التمركز وفق منظور ثقافي يوفِّر الجذب السياحي، ويمكِّن من الحفاظ على الهُوية الوطنية الخاصة، وتأصيل الثقافة المحلية، التي يبحث عنها الزائر في ظل تماهي الكثير من الثقافات في مفاهيم العولمة، لذا فإن إبراز هذه الهُوية في فعاليات المهرجانات وتعزيز المبادرات الحضارية التي تربط شعوب العالم وتعزِّز قيم الحوار والتعايش والتفاهيم، تدفع الزائر إلى المساهمة الفاعلة في تحقيق الأهداف والغايات التي تقوم عليها المهرجانات الثقافية.
إن سياحة المهرجانات مرتبطة بالتنمية الثقافية وقدرتها التسويقية، وعلاقتها بالتنمية المجتمعية في كافة القطاعات، ولهذا فإنها تعمل وفق منظومة من مختلف الفعاليات والأنشطة التي توفِّر للمؤسسات مجالات واسعة للمشاركة والمساهمة في دعم المجتمع لتحقيق التعاون والتنسيق والتكامل فيما بينها بما يُسهم في تعزيز الأهداف التنموية وتمكين الأنشطة السياحية والثقافية، الأمر الذي يدعم المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، ويؤمِّن لها بيئة مناسبة للتطوُّر من ناحية، ويُسهم في توفير فرص عمل لأبناء المجتمع من ناحية أخرى.
ولذلك، فإن سياحة المهرجانات لها أهمية كبرى من الناحية الاجتماعية بما توفِّره من مجالات لتعزيز الروابط وتنمية العمل التطوعي الذي ينمي المسؤولية المجتمعية خاصة لدى فئات الناشئة والشباب، ويتيح لهم الانضمام في اللجان التنظيمية ويوفِّر لهم فرص المشاركة في العمل الحر والمؤقت وبالتالي يكسبهم مهارات عدة تنمي قدراتهم وتُكسبهم قدرات العمل الجماعي، والتقرُّب من قضايا المجتمع والتماس معه، إضافة إلى ما يتيحه من بيئة مناسبة وآمنة للمشاركة والتنافس والتعاون.
فمشاركة أفراد المجتمع في مثل هذه الفعاليات والأنشطة لها أهمية في تمكينهم من المهارات والقدرات التي توفِّر لهم إمكانات المساهمة الفاعلة في تنمية مجتمعهم وتحفيزهم على العمل والعطاء.
فبالإضافة إلى الأهمية الاجتماعية فإن هذه المشاركة تؤدي إلى انتعاش المؤسسات الصغيرة والمتوسطة خاصة تلك التي تعمل في المجالات الثقافية، والخدمات السياحية، بما تتوَّفر لها من فرص لتطوير خدماتها وتوسيع قدرتها على الاستيعاب المتزايد، وبالتالي التنافس على تقديم خدمات أكثر جودة.
ولذلك، فالمهرجانات فرصة مهمة خاصة خلال مدة الصيف؛ الذي يزيد من أهميتها المجتمعية كونها فترة إجازات لأفراد المجتمع عموما وللأطفال والشباب بشكل خاص، فإن انطلاق مهرجان الجبل الأخضر بدءا من 15 يوليو إلى 29 أغسطس، بما يتضمنه من فعاليات وأنشطة ثقافية وفنية متنوِّعة، وما يستهدفه من أهداف معرفية وسياحية وترفيهية تجسِّد الهُوية العمانية وتجمع بين الرياضة والعلوم والاستمتاع، فإنها أيضا تعزِّز ثقافة التطوُّع وتسهم في تمكين القيادات الشابة وترسِّخ مفاهيم الروابط الاجتماعية بما تقدمه من خدمات ومناشط تنشد العائلة وتوفِّر لها البيئة المناسبة.
يُعد مهرجان الجبل الأخضر واحدا من نماذج سياحة المهرجانات القائمة على ثقافة المجتمع وتميُّزها بالتراث والأصالة من ناحية، وتفرُّدها بالمشروعات الثقافية والإبداعية من ناحية أخرى، إضافة إلى ما يقدمه المجتمع المحلي من برامج ومبادرات أسهمت في ترسيخ قيم الأصالة في المحافظة، وعزَّزت تميّزها الثقافي ورسالتها الحضارية، ولهذا فإن شراكة المحافظة مع المؤسسات الأخرى لتقديم هذا المهرجان يوفِّر فرصا عدة لدعم الأهداف الاجتماعية والثقافية وكذلك الأهداف الاقتصادية التنموية التي تسعى إليها.
فالمهرجان بشراكته مع وزارة التراث والسياحة من ناحية، وهيئة تنمية المؤسسات الصغيرة والمتوسطة من ناحية أخرى، يقدِّم رسالة مهمة في ترسيخ قيم التعاون والشراكة المجتمعية، ودعم آفاق السياحة الثقافية، وتمكين المؤسسات المجتمعية وتوفير البيئة المناسبة للتطوير والنمو؛ ذلك لأنه يوفِّر قيمة مضافة لدعم المواهب وتحفيز التنافسية القائمة على تطوير الخدمات والمناشط، ويعزز عائداتها الاقتصادية ويدفعها إلى تقديم الأفضل والأكثر جودة، إضافة إلى أن دعم ذلك بتوفير ملتقيات وأسواق مثل (بازار الجبل)، و(شغف المذاق)، وملتقى (التين والزيتون) وغيرها، يُعد رافدا مهما لدعم تلك القيمة وتعزيز السياحة الثقافية القائمة على الإبداع في التراث الثقافي والاستثمار في الخدمات والمنتج العماني الأصيل.
ولأن المهرجان يوفر مساحة مهمة للإبداع الثقافي فإنه يفتح مجالات مختلفة للفنون الشعبية والمسرح والاستعراض والسينما وغيرها، من خلال العديد من الفعاليات القائمة على المعرفة والإمتاع والترفيه، والتفاعل التقني، والبرامج المتنوعة التي توفر مجالا للأسرة عموما والأطفال بشكل خاص للمشاركة والاكتشاف بما يُعد متنفسا حيويا لأفراد الأسرة للاستمتاع والترويح عن النفس، إضافة إلى ما يقدمه من مبادرات وندوات علمية وثقافية ذات طابع معرفي وعلمي يعزِّز من إمكانات الجمع بين العلم والإمتاع. إن مهرجان الجبل الأخضر يمثِّل نموذجا مهما لمهرجانات السياحة الثقافية، التي تُعد منصة حيوية مباشرة لإحياء التراث الثقافي والمساهمة في صونه وإيصاله إلى الأجيال، ونافذة للتواصل الحضاري بين الشعوب من خلال التعريف بالثقافة والمنتج العماني للزوار والسيُّاح، لذلك فإن هذا المهرجان يتجاوز صفة الفعالية أو النشاط إلى المشروع التنموي الذي يمكن أن يُحقِّق نقلة نوعية في الحراك السياحي والثقافي والاقتصادي في المحافظة بما يوفره من فرص لأكثر من 90 أسرة منتجة ومؤسسة لتسويق منتجاتهم، وبما يخلقه من فرص عمل للعديد من الشباب، وبما يسهم فيه من تهيئة للبنية الأساسية ودعم للخدمات. لذا فإن المهرجانات لا تقدِّم ميزة حضارية للمحافظة وحسب، بل إنها تفتح أمام المجتمع آفاقا من التطوير والتنمية، وتخلق مجالات واسعة للأفراد والمؤسسات للمساهمة في دعم الأهداف الوطنية وتمكين الأنشطة الاجتماعية والاقتصادية، والتكامل المجتمعي، وإبراز القيم التنافسية التي تتميَّز بها، فالمهرجانات الخاصة بالمحافظات لها أهمية تنموية كبرى يمكن أن تُسهم في تنمية المحافظات وتعزيز جاهزيتها وبنيتها الأساسية. إننا في حاجة إلى مثل هذه المهرجانات خاصة في فصل الصيف الذي يُعد فرصة لاحتواء الأطفال والشباب وتوجيه طاقاتهم نحو الإبداع والاستمتاع بالمعرفة والترفيه الإيجابي.
عائشة الدرمكي باحثة متخصصة فـي مجال السيميائيات وعضوة بمجلس الدولة.